هذا ما كنّا نخشاه: السعودية توجه تهديدا عسكريا للجزائر
من حزب الله الى جبهة البوليزاريو
اسماعيل القاسمي الحسني
حين أقول كجزائري “نخشاه” فلست أعني بذلك وطيس الحرب، فلا أجهل ممن لا يعرف تاريخ الشعب الجزائري المعاصر منه و القديم، و لا أدلّ على الملاحم التي سطرها في القرن الماضي، و التي باتت فصلا كاملا يدرس في أعرق الكليات العسكرية بالعالم، و التي من بين ما تعرضه استعداده للتضحية بالملايين فداء للوطن و صونا للعرض؛ يقال: إن من أعقد المشكلات توضيح الواضحات.
يتعذّر على عاقل أن يُفهِم جاهلا بأن السماء فوقه؛ لا يختلف الأمر هنا عن إقناعه بأن الشعب الجزائري من أشد شعوب الارض اندفاعا، و أكثرهم تمرسا في الحروب، و أفتكهم ساعدا و أحدّهم سيفا و أعلاهم نخوة و أقواهم بأسا و أشدهم صبرا.
السؤال الآن بكل موضوعية و صراحة: أي الأنظمة و لا أقول دول، العربية يوجه سلاحه و جيوشه بشكل مباشر أو عبر مرتزقته، نحو صدور شعوب عربية؟ من تدخل في البحرين تحت مسمى درع الجزيرة؟ و وجّه سلاحه الجوي ليرمي بحمم الجحيم على شعب اليمن بذريعة إعادة الشرعية و مواجهة أتباع إيران؟ و من يرسل مرتزقته و يموّل و يسلح الجماعات الإرهابية التي عاثت فسادا في سوريا؟ و من يمارس الضغط الفاحش حدّ الفجور على لبنان، بحجة أن من بين مكوناته جزء لابد من اعتباره منظمة إرهابية؟ و من هدد قطر منذ بضع سنوات باكتساحها خلال ساعات ما لم تعد لبيت الطاعة؟
هل يعرف القارئ نظاما عربيا يمارس هذه العربدة و يصنع الفوضى في عالمنا العربي أنه قطعا ليس “الجزائر” !!! كان آخرها تهديد الكويت بقطع العلاقات الدبلوماسية معها و فرض عقوبات ما لم تزج بأحد أبنائها في السجن بعد أن تُسقط عنه الحصانة البرلمانية، و قد استجابت القيادة الكويتية للأوامر بخطوتها الأولى فعلا، لعلمها بأن الحماقة قد تدفع صاحب التهديد لتنفيذ وعيده.
أول أمس و في صحيفة الحياة اللندنية، ينشر مقال لكاتبه عبد الله ناصر العتيبي، و جاء عنوانه: “حزب الله في ميزان العراق و لبنان و الجزائر”؛ و لأننا كجزائريين و بناء على خبرتنا، باتت لدينا القدرة على التمييز بين المقالات المستقلة في الرأي لصاحبها، و بين ما يوصف بالرسائل التى ترسل للمعني عبر صحف المُرسِل، يتعمّد أغلب الوقت توظيفها كليا أو جزئيا صندوق بريد، على المتلقي أن يفك شيفرتها و يقرأ جيدا سطورها و ما بينها.
في قاموس سياسة الأنظمة و الدول لا وجود لمفردة “الصدفة”، أن تأتي حادثة بنقردان في تونس يومين فقط بعد تراجع القيادة التونسية عن توصيف حزب الله منظمة إرهابية، هذا التوصيف الذي رمت السعودية بكل ثقلها المالي لفرضه على بقية الانظمة العربية، الذي اعترضت عليه لبنان و العراق و الجزائر، ثم أن تأتي محاولة العصابات الارهابية خلال أسبوع فقط بعد ذلكم الاجتماع الذي اختتم يوم الثاني من هذا الشهر، و يومين بعد أحداث بنقردان الدامية، القيام بعملية نوعية بالغة الخطر في الجزائر، مستخدمة صواريخ مضادة للطيران من صنع أمريكي، لا تملكها إلا بعض الأنظمة الخليجية؛ و لا يمكن أن يكون من قبيل الصدفة خلال اسبوع واحد أن تتسلسل هذه الأحداث بمحنى تصاعدي، تخللها و هنا مربط الفرس، عودة ملف الصحراء الغربية بشكل لافت الى سطح الاعلام الدولي، و يدار الرأي العام بقوة نحو الصراع على هذا الملف، و ليس صدفة أن تكتشف فجأة السعودية هذا الإشكال، و يصرح سفيرها بالمغرب بدعم بلاده المطلق لموقف المغرب (هنا لست ضد أو مع و إنما التوقيت هو ما أريد الإشارة له)، و في طي تصريحه تهديد للجزائر، و لا من الصدفة أن يكتشف هذا النظام بمعية النظام الاماراتي هذه القطعة من الأرض التي يستحق ساكنتها استثمارات خليجية، و دفقا ماليا هائلا يمر حصرا عبر نظام الحكم المغربي.
في ظل هذه الظروف بالغة التعقيد، و التي بموجبها رفعت الجزائر عبر مؤسستها العسكرية حالة استنفار قصوى؛ يخرج التهديد السعودي من التلميح الى التصريح، و هنا لابد من استحضار بعض الحصص عبر فضائية سعودية استضافت وجوها تحسب من الدعاة و العلماء، و تتميز بكثرة أتباعها في الجزيرة و في المغرب العربي، لتصرح بوضوح العبارة بأن النظام الجزائري طاغوت يناصر المجوس و النصيرية، و يسهم في قتل اهل السنة بسوريا عبر دعمه لنظام بشار الأسد؛ قلت يخرج الموضوع من التلميح الى التصريح في المقال المشار إليه أعلاه.
صاحب المقال بعد أن اعتبر الجزائر لا تعتني بمشاكل دول الخليج، بل تقف دوما ضد مصالح شعوبها، و ساق مغالطة و فرية دعم الجزائر للعراق باحتلاله الكويت، و الحال عكس ذلك تماما، و شخصيا كنت في الكويت قبل احتلالها، و شاهدا على أدق تفاصيل تلكم الأحداث من القاعدة الى هرم السلطة، لكن العقل في الخليج العربي يعتبر عدم الانضمام تحت القيادة الامريكية لتحرير الكويت، لا معنى له سوى دعم صدام، هذا العقل لم يتسع حينها لفهم أن أمريكا لا تأتي لتحرير الكويت، و إنما لاحتلال كل المنطقة، و تدمير كل الجيوش و الدول المركزية بها، و هو الحاصل الآن و الواقع المعاين، لم يفهم بأن أمريكا ليست جمعية خيرية، الى غاية أول أمس، حين انفجر الامير تركي الفيصل في مقاله الموجه لباراك اوباما في صحيفة الشرق الاوسط، بهذا الاكتشاف العظيم، بعد خراب مالطا كما يقال.
و يختم هذا الجهبذ او الرسول مقاله، بدعوة جامعة الدول العربية -بما أنها باتت ملكية خليجية- لإدارة أشرعة الجيوش الجرارة نحو ملف الصحراء، لمساعدة الشقيق المغربي بصفته جزءا من جغرافيا مجلس التعاون، حتى يستعيد أراضيه و بعض شعبه، و يدعوها لتخصيص اجتماع آخر تدرج فيه جبهة البوليزاريو منظمة ارهابية، و يترتب عن ذلك ما لا يحتاج القارئ لتفصيله هنا. طبعا صاحبنا ليس معنيا و لا قادته بقرارات الامم المتحدة و لوائحها، القوم هناك لديهم قاعدة واحدة: لا أريكم إلا ما أرى.
هنا لا أريد مناقشة ملف الصحراء، بل و لا أريد كذلك مناقشة كيفية تعاطي العقل الخليجي مع قضايا الأمة بهذه الطريقة من الصلف و العنجهية، و لن أوظف القضية الفلسطينية و حصار غزة و هما الأقرب جغرافيا و اجتماعيا، و الظلم القائم على أهلها أقدم و اقسى، و لن أتحدى القوم باصدار بيان واحد يعتبر حكومة العدو الاسرائيلي “منظمة إرهابية” بحكم واقع ما تمارسه يوميا من أبشع الجرائم، و لن أتحداهم بالعمل ليس لتحرير فلسطين و اولى القبلتين، و لا حتى برفع الحصار القاتل عن القطاع، بل لا أجرؤ على تحديهم باسترداد جثامين الشهداء الفلسطييين، الذين تحتجزهم عصابة نتنياهو منذ ستة أشهر في ثلاجات، و تمارس على أهاليهم ضغوطا وحشية مروعة.
كما لن أذهب الى التهديد و الوعيد من مغبة التعرض للجزائر، ذلك أن القادم علينا كما أشرت في مقالات عديدة هو آت لا محالة، و الولايات المتحدة تضع تدمير الجزائر هدفا استراتيجيا خدمة لاسرائيل، تماما مثلما فعلت مع العراق و سوريا اليوم، و من مصلحة فرنسا أن يتحقق هذا الهدف لأسباب تاريخية و مستقبلية كذلك، و كليهما له أياديه في الخليج العربي، يضرب بها متى شاء و اين شاء داخل الدول العربية فقط.
و إنما أكتفي أمام هذا التهديد بكلمتين، الاولى موجهة للقيادة الجزائرية و خلاصتها: لا يمكن مواجهة التحديات القائمة و القادمة إلا بتعزيز الجبهة الداخلية، و هذا هدف لن يتحقق إلا بإقامة العدل حقا، و تكليف شخصيات مؤهلة، غير متهمة في ذمتها، بشرح واقع الحال و القادم منه للشعب، شرحا موضوعيا و مسؤولا؛ أما الكلمة الثانية فهي للشعب الجزائري: إن الأخطار القائمة و التحديات الجدية لا تستهدف نظام الحكم (الذي أعارض بشدة سياساته الداخلية) و إنما تستهدف الدولة و الوطن، تستهدف جزائر الغد شعبا و أرضا و قوة و ثروات و مؤسسة عسكرية تعد آخر ما تبقى لهذه الأمة، هذا هو الهدف و الله شاهد على ما أقول، النظام يذهب و يخلفه غيره، و السياسات تتبدل و تأتي غيرها، لكن الوطن إن ذهب فمن الصعب جدا استعادته؛ و إن كان نظام الحكم مسؤولا على جزء مهم من هشاشة الوضع الداخلي، فهذا التقدير لا يحول -إن تراخينا- دون سقوط المعبد علينا جميعا. أهيب بوعي الشعب و نخبه لأن يرصّوا صفوفهم، و يمنعوا أي نعرة عرقية أو مذهبية تنزغها بيننا شياطين من مشرقنا.
نحن كجزائريين لسنا دعاة حرب و لا نحبها، و لكن إن فُرضت علينا فلا يعني ذلك سوى أنه قد جاء أجل صاحبها، و ليس بأيدينا كما نؤمن أن نؤخر أجله ساعة………….. هذا هو الختام من مواطن جزائري لا ينتسب للنظام الجزائري لا من قريب و لا من بعيد، و لا يقبض أجرا من صحيفة رأي اليوم، و يترفع عن لعب دور الرسول، و يأبى على صحيفته (رأي اليوم) أن تكون صندوق بريد قذر.
فلاح جزائري
2016-03-17
