السوريون والثورة :حكاية حب
ثريا عاصي
أما وقد وصلت الأوضاع في سورية والبلدان المحيطة بها، إلى ما وصلت إليه، أعني اننا حيال حرب حقيقية، يتواجه على جبهاتها، الجيش… العربي السوري من جهة، وجيوش منظمتي الإخوان المسلمين العالمية و«القاعدة» المولودة في حضن الوهابية من جهة ثانية.
واستنادا إلى الأخبار التي تفيد بأن فرقا عسكرية اميركية وبريطانية وفرنسية تتموضع في الأردن. فلا مفر من الإجابة على سؤال صار من وجهة نظري محوريا، وهو الآتي: كيف تصمد «ديكتاتورية» عربية ضد حرب يشنها تحالف توجد بين يديه أهم الأوراق المؤثرة في النزاع المَرَضي والمزمن، على السلطة في بلاد العرب، عملا بذهنية قبلية جاهلية، تنظر إلى السلطة كوسيلة إرتزاق مما ينتجه الآخرون، بواسطة العنف. مما يعني ضمنيا أنها وسيلة للقهر والإذلال والسخرية.
وبناء عليه، لا يجيز المنطق في الراهن، بعد مرور اكثر من السنتين على بدء الحرب، إعتبارَ السلطة في سوريا ، ديكتاتورية، في مقابل حراك ثوري ديمقراطي .
لأن الوقائع تدحض ذلك ولأن الشركاء في هذه الحرب على سوريا، هم بالقطع أعداء السوريين جميعا . المعروف عنهم أيضا أنهم أغرقوا الديمقراطية في بحور من الدماء في بلدان كثيرة .
أليس استهزاء بالناس، أن يقول أمير سعودي ، أن بلاده تدعم الشعب السوري ضد «همجية النظام»، وأن يدعي الأمير القطري ذو الدور المشبوه في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، انه يدعم «الثورة السورية» ..؟.
وبعد الكشف عن معسكرات التدريب في الأردن وتركيا، وعن تدفق السلاح إلى سوريا ، والجهاديين من جماعات القاعدة، هل من شك في أن الكلام عن الثورة والديمقراطية هو خداع ألفاظ، وان المسألة في اصلها هي استكمال لما حل بالعراق من قتل وتدمير وتجزئة..؟.
لا يحتاج البرهان على «طالبانية» الحرب على سوريا، إلى طول شرح وتفصيل.
لقد إفتضح أمرها، وانتشر خبر جرائم ضرب أعناق الأحياء إذا قاوموا أو إعترضوا أو تلكؤوا عن مبايعة الخليفة أو القاضي الطالباني حين تدخل جماعته قرية أو بلدة.
وبالمناسبة فإن حظ تماثيل من فاتوا من المفكرين والمبدعين ليس أفضل من حظ الأحياء.
لقد حطم الطالبانيون في سوريا «الأصنام»، وقطعوا رأس ابي العلاء المعري. نعم عليك أيها السوري أن تتنكر لأبي العلاء المعري وأن تمحو من ذاكرتك ما حفظت عنه.. لتنجو برأسك .
ماذا يحدث إذن في سوريا. من البديهي القول أنه لو لم تتحول السلطة وتعالج عللها لما استطاعت التصدي لمقاومة هجوم الدول الأمبريالية ضد سوريا. قد يـُدهش البعض من قولي بأنه من المرجح أن «ثورة» ملموسة، تحصل في صلب السلطة السورية.
فأنا أميل إلى الاعتقاد بأن هذه «الثورة» تجسدت، بانشقاق العناصر والقوى، التي كانت تمارس الضغط وتعمل على ابتزاز السلطة ، لمنعها من إصلاح نفسها وإدائها في مجالي السياسة الوطنية الداخلية، والعمل القومي العربي.
لن أتفاجأ شخصيا ، لو علمت أن المسؤولين عن تشويه صورة سوريا، وعن إخفاقات الحكومة في حقل التنمية والتوزيع العادل للثروة الوطنية، وتطبيق المساواة بين المواطنين، وإلغاء الإمتيازات التي أعاقت عمل أصحاب الكفاءات والمبدعين، قد انفصلوا عن السلطة، وانضموا إلى المعارضات والمجالس والإئتلافات التي تتاجر، بالوطن السوري وبالعروبة، في عواصم الدول الأمبريالية، وفي قصور أمراء النفط والغاز.
تجدر الإشارة هنا إلى ان هذه الضبابية أو الإزدواجية في بنية السلطة السورية، ليست جديدة. فلقد ظهرت بجلاء من خلال الطريقة التي اتبعتها في التعامل مع الحركة الوطنية اللبنانية، حيث خضعت للإبتزاز وتهديد المستعمرين الإسرائيليين بإجتياح لبنان، إذا أحرزت الحركة الوطنية تغييرا في ميزان القوى على الأرض، فتتمكن من إصلاح النظام السياسي في لبنان وتأسيس دولة وطنية.
لم يكن تصرف السلطة السورية في لبنان مختلفا عن تصرف الرئيس صدام حسين الذي أجبر على اتلاف اسلحته ، تمهيدا لغزو العراق. ففي لبنان تم تحجيم الحركة الوطنية اللبنانية، وإضعاف الفصائل الفلسطينية وتشجيعها على الإنحراف، خوفا من الإحتلال الأسرائيلي. علما أن هذا كله لم يمنع احتلال لبنان سنة 1982.
جملة القول أن الأمبرياليين، بوسائلهم المباشرة وغير المباشرة، يخدرون الخصم وينزعون سلاحه قبل الإنقضاض عليه وإفتراسه…
وقياسا عليه، يحق لنا في اطار مداورة ما يجري في سوريا في الذهن، أن نطرح فرضيتين: أولاهما، أن التسليم بأن عوامل أجتماعية ثورية كانت تتفاعل في كل من تونس ومصر، يقودنا إلى الإعتراف بأن تدخل الجيش في مسار الحراك الجماهيري الذي نتج عن هذا التفاعل، وإجبار الرئيس على التنحي أو الرحيل كان حاسما.
فلقد قصّر مدة «الثورة»، وربما يكون قد حال دون ظهور قيادة ثورية وتبلور برنامج سياسي ثوري . بمعنى آخر، استبق الجيش في البلدين المذكورين حدوث ثورة حقيقية. وبناء عليه، لا نستطيع أن لا نأخذ بعين الإعتبار ما للولايات المتحدة الأميركية من نفوذ وعلاقات في المؤسستين العسكريتين في مصر وتونس.
اما الفرضية الثانية فهي تتعلق بالوضع في سوريا. كيف يمكن للولايات المتحدة الأميركية أن تستبق او تـُفشل حراكا ثوريا في حال كان هذا الأخير موجودا في البلاد. من البديهي انه كان للولايات المتحدة الأميركية تأثير على جزء من أجهزة الأمن، وما من شك في انه كان للإخوان المسلمين أيضا مؤيدون في الجيش، وفي بعض الأوساط الشعبية.
ولكن مجموع هذا الخليط لم يكن كافيا لقلب موازين القوى . مما اضطر الإدارة الأميركية وأذنابها إلى التحالف مع القاعدة والإستنصار بجماعاتها.
المفارقة هنا أنه يبدو أن الإنشقاقات وافتضاح ولاءات المنشقين، لم تضعف الجيش. بل على العكس، من المحتمل انها زادته قوة وتصميما وفعالية، فضلا عن أنها حررت السلطة من الضغوط والابتزاز.
فأغلب الظن أن هذه الأخيرة عادت من ضلالها وهي تقترب من الطريق القويم نحو صيرورة وطنية سورية قومية عربية تقدمية، وعلمانية…
(الديار اللبنانية )
Sunday, April 21, 2013
ملاحظة: كتب الموضوع في 21/4/2013 وأعاد موقع ساحة التحرير نشره اليوم
2016-03-14
