نصوص العبث على معبر رفح!
الراحل أحمد حسين*
في الفصل الأخير للمسرحية ، تحتدم السياقات ، وتتشابك الأدوار ، ويزداد توتر الأداء , وينضم كل الممثلين إلى حركة العرض ، لأن المخرج بدأ بتجميع كل استثماراته ومدخراته النصية التي زرعها في السياق ، تمهيدا لاقترابه من المشهد الختامي الذي سيفجر العقدة .
ترى هل حان الوقت لاستثمار نتائج الحصار والذبح والمعاناة التي عاشتها غزة ، في الوصول إلى مشهد الحل الختامي الذي سعى إليه المؤلف والمخرج ، منذ وضع النص الأصلي للنكبة الفلسطينية ؟ هل استوعب الفلسطينيون كل الدروس والعبر السياقية المتساندة للعروض الدموية التي قدمها الساسة والعسكر لتهيئتهم ” للتسوية ” ؟ يبدو أن الأمر كذلك .
مظهر الحركة على المسرح لا يهم في شيء ، فهو من تدبير المخرج ، ولكن انعكاساته على سيكيولوجية النظارة هو المهم والحقيقي في ذات الوقت . لذلك لا يمكن التشكيك في الأدوار البطولية التي زاحمت كل آفاق الإستشهاد الممكنة للنظارة الفلسطينيين . فهم صادقون حتى الشهادة ، والموت لا يمكن تزييفه . ولكن سيطرة المخرج على كل أشكال الحركة داخل النص وفي قاعة العرض ، جعل كل شيء عرضة للإستغلال ، من قبل الجالسين في الكواليس ، أي طاقم التأليف والإخراج . ولعل هذا هو ما حصل دائما ويحصل الآن . فالتنصيص السيكيولوجي للشعب الفلسطيني وضبطه على قياس اللحظة والحدث وردة الفعل كان هو جوهر اللعبة منذ البداية . وهو أمر لم يكن ممكنا لو كان للشعب الفلسطيني مسرحه المقابل في المواجهة . أي لو كان له نص مدبر وخشبة عرض ومؤلفون ومخرجون وطواقم مهنية . لكن هذا كان وضعا مستحيلا عند البداية ، ولم يسمح له بالتقدم قيد أنملة بعد ذلك وإلى الآن . كان هناك إصرار لدى النص الآخر على أن يظل الفلسطينيون نصا سيكيولوجيا عفويا ، كما كانوا دائما ، وفضاء سهلا على الإختراق بالتلاعب . كيف كان من الممكن أن يكون لدى الفلسطينيين هذا الحشد من عملاء النكبة الإجتماعيين من أرستقراطيي المزرعة والدكان وحتى بروليتاريا النزوح ، لولا انعدام آليات حماية الوعي والثورة . كيف كان يمكن تسلل ” قيادات فلسطينية ” متصهينة أبا عن جد ، من بين سماسرة الأراضي والعراقات العائلية والدينية ، التي تربت في قواقع العمالة المنهجية لكل محتل عابر , لولا تلك الولاءات السيكيولوجية العمياء التي ظل الفلسطينيون يستشهدون من خلالها تارة ، ويصبحون عملاء ولاء ” قيادي ” من خلالها تارة أخري ؟ هل كان يمكن لولا التبعية لأريحية الموقف ، وسيكيولوجية الولاء للشعارات إقناع الفلسطينيين أن مبارك لم يكن يمثل عندما فتح معبر رفح ؟ كيف يمكن إقناعهم بدون ذلك ، أنه لم يكن يؤدي دورا على مسرح النص الآخر فقط ؟ ألسيكيولوجيا وحدها هي التي تتيح خداع الذات ، وتجاوز مخزونات الذاكرة القريبة والمعادة ونسيان أن مبارك هو مبارك . والسيكيولوجيا الكلامية وحدها هي التي تتيح النظر إلى التفاوض بين فتح وحماس على أنه حاجة وطنية ، وأن اتفاقهم ، ويا للهول ، هو وحدة وطنية . ويبدو أن أحدا لم يتساءل كيف يمكن أن يتم التقريب وطنيا ، بين وجهة نظر الإلغاء الوطني التي يمثلها أبو مازن , والتي تعتبر تلقائيات الحق الفلسطيني الوطنية إرهابا ، وبين وجهة نظر التمسك بالحق الوطني كاملا التي تطرحها حماس ؟ ألتفاوض على الساحة الوطنية هو دائما عمل يخص العلاقة السياسية بين طرفين يحاولان حل إشكال ميداني بينهما , ولم نسمع بتفاوض وطني إيديولوجي بين طرفين وطنيين حول ثوابت القضية الوطنية . لقد قام الخلاف أصلا بين الطرفين على خلفية الفرق بين العمالة السياسية والإلتزام الوطني ، فعلى ماذا سيقيم الطرفان الآن وحدتهما ” الوطنية ” البينية إن لم يكن على حساب المسافة الفاصلة بين الموقفين ، موقف التحلل الوطني وموقف الإلتزام بالثوابت الوطنية ؟ في هذه الحالة فإن المنطق العملي يقول بأن على حماس أن تفاوض إسرائيل مباشرة ، بدل أن تفاوض غريمها السياسي عباس نيابة عنها . ثم من من الطرفين يمثل وجهة نظر الشعب الفلسطيني ، أهو عباس أم حماس أم الحل الوسط ؟ وما دام الأمر على هذه الدرجة من عدم التحديد ، وما دام الشعب الفلسطيني يعتبر الوسطية والتفاوض حلا وطنيا ، فأين هي الوطنية في الموضوع كله ؟ ألوحدة الوطنية تقوم على إجماع شعبي يحدد من هي القيادة المناسبة لخدمة الهدف ، وليس على اتفاق قيادات سياسية تحدد للشعب الوضع الوطني المناسب لها . فإذا كان الشعب الفلسطيني قد وصل حدود الإستسلام وطنيا لقيادة أوسلو ، فإن هذا التحول ” الوطني ” يكون قد تحقق فقط بفضل التلاعب السيكيولوجي بدم الغزيين ودم أطفالهم ، وتشديد الوطأة على قدرة احتمالهم البيولوجية .
لقد كان الهدف الدولي والعربي والإسرائيلي من كل إجراءات القهر والتنكيل الدورية بالفلسطينيين ، هو محاصرتهم في دائرة المعاناة العبثية بكل أشكالها ، من أجل تقريب وجهات النظر بين العملاء والملتزمين ، وتحقيق ” الوحدة وطنية ” على هذا الأساس . أرادوا أن يقولوا للشعب الفلسطيني من خلال خلل التوازن الفادح داخل معادلة الإستشهاد والمعاناة بين التضحية والمردود العكسي للنتائج ، إن استشهادهم وتضحياتهم ومعاناتهم هي عبث دموي خالص ، وأن عليهم أن يختاروا بين ولائهم لدمهم ، أو ولائهم لهدف لا يمكن أن يتحقق . ولم يكن حصار غزة سوى معالجة موضعية بذات النهج لتحقيق إحدى تفاصيل السياق المهمة
، وهي فصل غزة عن القطاع ، على طريق سياق التصفية العام . وما حادثة رفح واقتحام الحصار سوى ردة فعل متوقعة ، يجري الآن استغلالها لفحص مردود عملية الحصار ، ورؤية ما إذا كان يمكن استثماره عند هذا الحد . لقد كان الإنفجار الغزي انفجارا مستدعى بحاجة النص الدولي إلى مدخل لجني ثمار الحصار ، وامتحان مدى الإنهيار الفلسطيني السيكيولوجي , وبالتالي إمكانية توظيفه بنجاح في مشهد الحل المرحلى , وإلا فسوف يكون هناك حاجة لجرعة أو ربما جرعات إضافية أخرى من الحصار والتنكيل ، لتحقيق مدى الإنهيار اللازم الذي يمنح الغزيين فرصة الإستعانة بالتبرير السيكيولوجي للذهاب إلى أنابوليس ، أو الخروج الطوعي من المعادلة الفلسطينية الدولية وتركها لرام الله . وعراب هذا الخيار المشهدي عربيا هو مبارك . وسوف يظل يتظاهر يتأدية دوره القومي إلى حين إحالته على الدور المشهدي التالي للجامعة العربية ، حيث سيتم استثماره عاطفيا . وسيقال للغزيين هناك : ” جربتم أهوال الحصار وجربتم نعمة الإنفراج فاختاروا . إختاروا بين مصر وفلسطين إذا شئتم ، أو بين عباس وعباس ، وإلا فالعودة إلى حصار دموي ربما أكثر هولا . القرار قراركم , وقلوبنا معكم , ولكننا لا نستطيع أن نحميكم من الحصار أو إسرائيل . إختاروا ! “
ويبدو أن الغزيين لن يختاروا العودة إلى الحصار الدولي ، وسيحيلون بقية الخيارات على حماس لتختار أحدها . وإذا رفضت حماس كل الخيارات ، فسوف تتعقد العلاقة بينها وبين الغزيين ، ويصبح عزلها وتصفيتها ممكنا بتدخل دولي أو عربي مباشر . ولن يبقى في صف حماس أحد علنا سوى إيران . أما إسرائيل فستؤيد بقاءها على المسرح سرا إذا فشل التمصير . فإسرائيل لا تؤمن بالحلول الوسط حتى مرحليا . وهي ستؤيد بقاء حماس وصواريخ القسام لاستئناف الحصار حتى التمصير , وتكريس الأوضاع المتحركة إلى أن تصل إلى خيارها الوحيد , أي الخيار الأردني . إن النظام السعودي في فلسطين الشرقية هو الحليف العملي والإستراتيجي الوحيد لإسرائيل ، بحكم النشأة الموحدة داخل المشروع الصهيوني منذ بداياته , والغربة الإقليمية المشتركة مع المحيط ، وروابط وجدان التحالف اليثربي القديمة , إن صحت هاشمية النظام الأردني . ولكن الأهمية الحقيقية بالنسبة إلى إسرائيل هي أن النظام الأردني هو بديل الهوية العملي عن الهوية الفلسطينية ، وهو بند استراتيجي صهيوني بالغ القدم .
أرجح أن في هذا السيناريو ما يشي بالحقيقة أو بالجزء الأكبر منها ، لأن أمريكا تحشد كل الأدوار الدولية المساعدة , وتستدعي احتياطيها الهائل من التبعيات الإقليمية ، من الجامعة العربية , والبنوك الخليجية , وحتى قناة الجزيرة . ألغائب المستديم الوحيد عن ساحة التأثير المباشر والذاتي هو الشعب الفلسطيني فقط . إنه محاصر في مخيمات الشتات منذ فك الحصار عن بيروت . وسوف يبقى محاصرا إلى أن يدخل في الصفقة ، أو يقرر شيئا آخر .
ولا ندري ما ستسفر عنه مسرحية الحصار ورفع الحصار وربما العودة إلى الحصار ، ولكن علينا أن ننتظر . فليس هناك ما يمكن فعله ما دام الوضع على حاله . ولا يمكن توقع أي خير وطني من أي تحرك . كل شيء تحت السيطرة . حتى الخير الإستشهادي أصبح تحت السيطرة بفضل الشروح السيكيولوجية للمفاهيم الوطنية . وفي الحقيقة ما الذي يمكن توقعه وطنيا من قضية ليس لها نص موحد للهوية ، ينظر لها صحفيون ، وتعبث بشرفها القيادات ، ويمولها الخليجيون , وترعاها قناة الجزيرة وإسرائيل ؟
الخيار الحالي أمام فلسطيني الداخل هو خيار الوحدة الوطنية بين العملاء وحماس ، أو الإستمرار في حالة الإستشهاد العبثي . ألخيار الثالث هو الخروج من ورطة الإستشهاد العبثي التي أدخلته فيها أوسلو ومنظمة التحرير الفلسطينية ، وإقامة وحدة وطنية شاملة ، تفرز نخبها القيادية على أساس تلقائية الحق التاريخي والأجتماعي وقراءة تجارب الماضي ووعي أسرار تجدد النكبة . يجب أن يعرفوا أنه لم يكن لهم قضية وطنية حتى الآن وأن عليهم أن يبدأوا التخطيط لبناء هذه القضية من أسسها التلقائية ، الوطن والناس ، ومن مرجعياتها العلمية العاقلة ، وعي الذات , وعي الآخر ، وعي المرحلة ، وعي حركة الإلتزام .
وإلى حين يبدأ الفلسطينيون بكتابة نصهم الوطني الدستوري غير قابل للتغيير , من صميم وعيهم الإجتماعي والإنساني ، فعلينا ألا ننتظر شيئا يختلف عن تصورات التصفية والحل النهائي .
وإلى حين يقررون تقديس هذا النص أكثر من ” القيادات الوطنية ” التي عينتها إسرائيل , فعلينا أن نتوقع المزيد من الإنهيارات أو المزيد من الحصار والدم .
وإلى حين ذلك ، سيظل الصحفيون وكل من يعرف الكتابة ينظرون للشهداء .
وإلى أن يتوقفوا في المخيمات عن رفع صور ياسر عرفات , علينا ألا نأمل خيرا .
وإلى حين يتم تدمير عقلية أوسلو وإقامة قيادة وطنية نخبوية في الشتات من فقراء المخيمات , فلن يوجد ما نفعله سوى الكتابة العبثية .
وإلى حين تأسيس أرشيف للخيانة والعمالة تتناقله الأجيال الفلسطينية ، سيواصل العملاء وأرستقراطيو السمسرة وخوالف العائلية والإقطاع وعجول الدين التصرف بمصيرنا . وكلهم بالتلقائية حلفاء لمصيرهم الشخصي فقط .
وإلى حين إعلان طرد قيادات رام الله من صفوف الشعب الفلسطيني إلى الأبد بوثيقة مكتوبة , فعلينا مواصلة الإنشغال حتى بياسر عبد ربو . . . .
2004*
2024-02-09