هل بدأ التحول….!
الراحل أحمد حسين*
في جهنم العمر كثير من الأشياء الجميلة التي لم يكن فيها شيء واحد غيرشخصي . كان بالطبع أجملها مشاهد العلاقة الإنسانية ، في أطرها الجمالية الوجدانية من حب وصداقات وتشوفات إبداعية ، ومواقف عابرة للكبرياء ، نتجاهل من خلالها مرآتنا المعاصرة المشروخة التي تعكس وجهنا المشوه . كل جمال في حياتنا كان مشروخا بخط الذاكرة الجماعية . فقدان بحجم الوطن ، هوية ليست لنا ، كآبة متوارثة لا بد من مرارتها في كل كأس شربناها ، وصور دامية ما تزال تحلق في فضاء احتقار الذات والشعور بالذنب ، لم تصبح ذاكرة بعد ، لأنها ما تزال يومية الندم والعجز . فهدى وأترابها المذبوحون بمذلتنا وسيف الآخر ، لن تصبح ذاكرة لنا نحن جيل الخراف ، أبدا . ستظل شهادة حاضرة علينا معلقة على صفيح المهانة . ولن يسدد الثغاء دين طفولة هدى وإخوانها المهشمة ، علينا . وما لا يمكن نسيانه لا يمكن تذكره .
ولأن اللامبالاة هي ترفنا الوحيد ، تركنا للآخر أن ينسجنا على هواه منذ شربنا الكأس من يد ه . كنا هو في غيابه المسرف في الحضور ، بينما كان هو يتربع في حضورنا المسرف في الغياب . لعبة قريبة من السحر ولكنها هي الحقيقة كاملة . حرسنا مزاعمه في كل شيء حتى في أجسادنا , فدخلنا معه في عهد الختان الإلهي ، بأن فلسطين له بشهادة غرموله المختون وغراميلنا المعطوبة .
كان الفضاء من حولنا أيضا معطوبا . ألسماء رمادية بدون حركة لا يأتي منها سوى صوت النذير بأن العقل والإرادة والفكر باب المعصية ، والمعصية هي التي تاتي بالفقر والجهل والظلم والغلاء والفساد وتسلط الغرباء علينا . والأرض حولنا بقعة خالية من الجمال والحقيقة ، لأنهما لا يأتيان كلا على حدة . تنكرنا لكل ما هو صادق وعاقل وأرضي ، لأننا لم نكن ذواتا ، بل ظلالا لقامات مجهولة الهوية تتفيأ فيها العجول .
اعتبرنا عمامات الرأس وشعر اللحى ، هوية للوعي والفضيلة ، لأننا تخرجنا من مدارس التجار الذين ارتدوا عبر العصور زي الملائكة ، أي الشياطين الفاضلة ، وعلمونا بعصا الفقه الشعوبي ، كيف نرى ونفهم ونستسلم لما يدبرون ويرتكبون باسم الدين . جعلوا المعرفة تمشي إلى الخلف ، وجعلوا الدين دولة والدولة دينا ليستولوا على الدين والدنيا معا . وأغرقونا بماء الوضوء لا لكي ننظف ، ولكن لكي نغرق في مستنقع العبث . أفقدوا الناس إنسانيتهم ، بالله ، وأفقدوهم عقولهم ، بالله ، واستحلوا عرق جبينهم ، بالله الذي يدير شركة ” قابقو ” و ” قفاك ” براسمال صهيوني قطري مشترك ، كما أدار ذات يوم بنك مال المسلمين ليحرم منه الفقراء ، وكما أدار الوقف وباعه للصهيونية .
داسنا العابرون والمقيمون . هؤلاء بعصا التسلط ، وأولئك بعصا الفقه ، وسرنا في جنازتنا الجماعية قرونا ، مشيا على الأقدام إلى قبورنا المحفورة في صخر العبودية . تدحرجت الكرة ذهابا وإيابا بين صباح الحقول الشحيحة ومساء مائدة الحمد على الخبز والماء ، وظلت تتدحرج ونحن داخلها إلى اليوم . أغرب مشهد بشري رأته العصافير على الشجر !
من أدهش الظلم والعجز والعقل في هذا العصر مثلنا ؟ فكيف لا نيأس ؟
أصبح العربي سبة العصور ، ولم ينفعه أنه الجد الأول لكل الحضارات . فعلا وواقعا موثقا وليس قولا . لهذا السبب أراد العابروون والمقيمون ، عبر العصور أن يدمروا عراقته وهويته ووعيه ليجعلوا منه ، كماهو اليوم ، كائنا بشريا مجهول الهوية ، غير مدرج في سجلات التاريخ والحضارة إلا كهوية دينية خارج المصطلح . جعلوا منه عدوا لعقله ليصبح عدوا لذاته ، ويتخلى عن حيويته التاريخية التي جعلته السيد المتجدد لبستان الألهة ، التي يسمونها اليوم الشرق الأوسط الجديد . اجتمعوا على التنكيل به وبحضارته جسدا ومعنى ، في السياسة والدين والمعرفة والمجتمع ، تدفعهم مصلحة مشتركة تخترق الزمان والمكان من عصر إلى عصر . غايتها ، أن يرثوا جسده وجودا وحضارة وأوطانا وثروات . وعاش لعبتهم التهويدية التي نقلت الوعي العربي من ساحة السيادة الحضارية القومية ، إلى مجاهل التبعية للآخر .
أوشك العقل والتاريخ أن ييأسا . كل شيئ يسير باتجاه اليأس . ماذا يفعل الأمل بأمة تمشي في نومها ؟ أصبح زمن الغيبة أطول بكثير من زمن الحضور ، ولم يعد هناك إشارة واحدة إلى أنه بقي منا من يريد أن يخرج من كرته الفقهية إلى حقيقة الله في العقل ، لأن حقيقة الله في العقل تكليف ، وفي الكرة حفلة تنكرية . من يريد أن يترك حفلة تنكرية ويذهب إلى الحرب ؟ وأخيرا صنعوا لنا من قبحنا هوية دولية غير أرضية وغير معترف بها رسميا . وكانت عقولنا المغيبة ، وفقهاء الكنافة وسيلتهم فينا . فأنجزوا لهم فضاءء من فراغ العبث ، ليس له مصطلح في التجربة . ليصبح العربي شجرة بدون ثمر تتفيأ ظلالها المسوخ .
قال الإستشراق المعاصر ، بأنه لا يمكن تطبيق حقوق الإنسان والعرف الدولي علينا ، لأن ثقافتنا ترفضها سلفا . ومعنى ذلك سياسيا أنهم حينما يستحلون دمنا ، ووجودنا البشري ، يحملوننا مسؤولية ذلك أيضا . هذه الرؤية هي ملخص لشكل العلاقة بين الناس والحشرات الضارة . وهكذا فعلوا ويفعلون ، ونحن لا نرى في ذلك بأسا ، لأننا نعرف أنه في الحفلات التنكرية يمكن التمتع بحرية كاملة خالية من المسؤولية ، كما يمكن للمرء تجاهل أن أحدا ما بصق في وجهه لأن وجهه لا يراه أحد .
كم مرة كان يجب أن نغضب ولم نغضب ؟ كم مرة كان يجب أن نقول لا ولم نقل ؟ فهل تبقى لنا شيء من ماضينا أو حاضرنا أومستقبلنا ، بل من إنسانيتنا التي تبصق السياسة والثقافة وعلوم الإجتماع لدى الآخر ، كل يوم عليها ؟ فكيف لا نيأس ؟
ماضينا هو الكفر أو التهود . لا خيار آخر . والدين ليس للتفاوض .
وحاضرنا هو عقاب الله لنا بسبب القومية والنساء .
ومستقبلنا الوحيد هو يوم الحساب بأهواله . فكيف لا نيأس ؟
هل سمع أحد بإشكال كهذا في إشكالات الوجود ؟ هل نكفر أم نتهود ؟ وماذا نفعل بالقوميين والنساء لنتقي شرهم وشرهن سوى دفنهم أحياء ؟ وهل عشنا حقا على الأرض ، حتى نحاسب في الآخرة ؟ على أي شيء نحاسب وقد كانت العجول ترعانا ؟ وكيف يحاسب من تسوسه العجول ؟ وهل حرمت علينا العجول شيئا سوى العقل والفعل والإرادة . فماذا في الأرض شيء يسأل عنه المرء غير هذا؟
ولكن عم سنسأل ونحن لم نتعرض حتى لأعدائنا ؟
كم مرة دمروا ما بنينا ونحن نتفرج ؟ كم عظيما لنا قتلوا ونحن نتفرج ؟ كم قيمة لنا داسوا ، كم دما لنا أسالوا ؟ ماذا فعلوا في العراق ؟ ألم يبيدوا البشر والحجر ليبيدوا الحضارة والهوية ، ويبيدوا ثقافة العقل وإنجازات التجربة ، ليعلو شأن ثقافة العجول ، ويبيد العراقيون عراقهم بأيديهم كما حصل ، وبرعاية مباشرة من كهنة الطوائف ؟ فكيف لا نيأس ؟
هل توقف الناس وسألوا بعد العراق : إذا كان هناك دين ما يتفق مع ما قامت به عجول الطائفية في العراق ؟ السؤال لا يتعلق بالسياسة ، لأنه لا يتعلق بمن يحكم أو يسيطر ، بل يتعلق بذبح الأطفال واغتصاب النساء وحرق البيوت بأصحابها . لو كان ظننا بالله حسنا ، لما ترددنا في السؤال عن الحاجة الشرعية لاستعمال العجول في الصلاة والوعظ والحياة الدينية العامة ، بعدما تبين أنهم جميعا تجار دماء ، ومسوخ طوائف . لكننا أبعد ما نكون عن الله ، وأقرب ما نكون إلى الشيطان ، الذي هو غياب العقل في إدراك الله . نعبد العادة والبدعة والمصلحة الشرجية والنفاق والتظاهر والتجاهل ، وكل الدناءات والشرور التي وجدت من أجل نشرها تلك الجماعة من الناس التي ابتدعتها لعبة الملك والسياسة والأرتزاق . من الذي أتى بهؤلاء إلى حياتنا الدينية ، وجودهم بدعة يحرمها الدين بالنص الواضح ، وفقههم بدع تستأنف على حلال الفقراء ، وتحلل الحرام لآصحاب السلطان والأغنياء . لا كهنوت في الإسلام ؟ من الذي أتى بهم إذن ؟ وهل الله سني أم شيعي ؟ فكيف لا نيأس ؟
ويئسنا أخيرا! ولكن ممن ؟ يئسنا من أعدائنا الذين ” يكيلون بمكيالين ” و ” يتحيزون لإسرائيل ” . ويئسنا من النساء السافرات المتبرجات ، ومن الذين يشربون الخمر ، ومن الذين يزنون بدون رخصة شرعية صادرة عن عجل فقيه . ولم نيأس مما نحن عليه من عبث يمارسنا ، وسخافات تلهو بنا ، وعجول تبرطع في ديننا ودمائنا وإنسانيتنا . يئسنا من الله الفكرة والإيمان والعقل وسلمنا عقولنا وأجسادنا لنوع من الدجل لا تخطؤه العين ولا يتعب فيه العقل البسيط . يئسنا حتى من يأسنا ، ووضعنا مصيرنا طوعا في أيدي العجول .
حدث شيئان فيهما إعجاز أرضي وإنساني يليقان بحقيقة الله في العقل والناس . لقد تحرك شيء ما في اليأس ، يقول أن لا دوام للتفاهة أمام العقل ، مهما بلغت من الرسوخ في الزمن . كل سكر يفيق منه العقل أخيرا ، لأن هذه هي طبيعة الله الذي في العقل . هذا هو سره الإلهي المودع في
عقول البشر وليس في بطون العجول .
ألأمر الأول حدث سنة 2006 حينما ألمح عقل التاريخ أن القوة النهائية على الأرض هي الإنسان . فهو وارث الأرض وحامل أمانة الحقيقة . كل قوة عمياء نهايتها الموت ، ما عدا قوة الإرادة الإنسانية التي تتحكم في فصول التاريخ الأربعة وتجدد الحياة دون أن تلغي شيئا سوى الخطأ والعبث . هكذا حدث يوم أن عجزت قوة اليورانيوم المنضب عن كسر إرادة الفلاحين والعمال والطلبة ، ورجال الحقيقة العقلية ، في لبنان . تم تسجيل الواقعة العظيمة كالعادة الجدلية في النفس والعقل ، وتغير شيء في الناس والتاريخ على أرض هذا الوطن ، الغارق في لعبة الحظ والإنتظار ، تسوسه العجول .
تحركت إرادة الحياة في الوعي والإيمان والتاريخ والمعرفة لدى فئة من الناس ، وقالوا فجأة : لا ! لا مبرر لما يحدث لنا سوى خمول العقل والإرادة . هكذا اعتقدوا وتبين أنهم على حق .
كان ما حدث إعجازا لم نعد بعده كما كنا . انتفضت دخيلة كثير من الناس على نفسها ، بعد أن عرفوا أن السر في الإنسان وخالقه معا ، وليس في أحدهما دون الآخر . هكذا هي إرادة الخلق . حركة محكومة بإرادة البشر وقوانين خالق الكون لمن شاء بدون تثريب ، أو قوانين الطبيعة لمن شاء بدون تثريب أيضا . استيقظ وعي الحقيقة في الإيمان ، فاستيقظوا بين يدي الله مباشرة ، بدون قساوسة أو كهنة مدورين من مرفهي السقوط والدجل والخيانة . عندما يكون هناك خلل في الحال ، فمصدره الإنسان ، وليس قوانين الطبيعة أو الخلق التي لا تخطيء ولا تسمح لأحد أن يعيش على الخطأ .
وهبت أنفاس العجول الكريهة عندما داهم أصحابها الخوف، تعاند التجربة وتسفه الفعل وتحاسب البطولة والعقل والتاريخ على تغيير قوانين اللعبة التي جبلوا النفوس عليها . ليس دفاعا عن أمريكا وإسرائيل فقط ، وهما النمط الأزلي الحليف لهم ، ولكن إدانة للإنتصار ” الطائفي ” . بدأوا بترقيص الكلام ، يتسللون كالشياطين في وسوسات الأراشيف الفقهية ، المكونة من أنصاف الجمل والجمل المضاعفة مثنى وثلاث ورباع ، ثم انزلقوا متعجلين إلى الخوار الطائفي .
وكاد اليأس يسيطر مرة أخرى من شعب ظل على روتينه في التجاهل والصمت ، ولا يريد أن يرى حقيقة أولئك الباغين على كل ما هو عاقل وصادق وخير ونظيف . ولكن قتامة اليأس ميراث ورثناه مع الخوف والتوجس وبؤس التجربة ، ولن تزيله تجربة عظيمة واحدة . على السياق أن يجترح مراكمات أخرى ، لتترسخ إرادة التحول في النفوس والعقول خطوة بخطوة وتتجمع الجداول والأودية في بحيرة الغضب والوعي .
وإذا كان خطر الواقعة الأولى في أدائها المعجز ، وتوقيتها الحاسم ، وإنسانها المميز الذي فتح باب الوعي على مصراعيه أمام التجربة ، فأن الواقعة الثانية كانت أعظم خطرا في الجوهر من الأولى ، وأقرب إلى صميمية التحول . كان التمرد بوسيلة الذات وحدها ، بطولة خارقة وفدائية تاريخية يجب أن تستمر . بها تحول السياق ، ولكن التمرد البنيوي داخل الذات هو الذي يحفظ التحول ويرفع وتيرته . لم يكن القرار هذه المرة قرارا بالإنتصار فقط . كان اختراقا لمسلمة استراتيجية معطلة كانت تحول دون تكوين الوعي للإرادة ، وتحقيق مسلمة انتصار الحق بالإنسان .
كانت ثورة صغيرة في مسجد صغير ، افتتحت عصر الوعي والإرادة ، تحمل كل مقومات السياق اللازمة للتحول نحو حركة اجتماعية ستكون عظيمة بكل المقاييس . هذا إذا لم يضيع الإنسان العربي الفرصة مرة أخرى .
وقف عجل أصغر من خواره على منبر الجمعة ، يتكلم نيابة عن الله من ورقة سلطانية ، تقول أن على رعيته أن يتبعوا خطى شيطانه الطائفي . كان من فدائيي الكوكاكولا ، كما كان غيره من فدائيي الجبنة الدانمركية ذات يوم . وكان مخلصا للكنافة أكثر من إخلاصه للدين بالطبع ، بل لعله لم يكن يعلم من دينه السلطاني سوى علاقته الوثيقة بحوانيت الحلويات . لذلك انزلق في الحماقة ، كعادة أمثاله ، إلى حد الإبتذال . وجاءت قفزة المصلين النوعية في الرد ، لتقول ألا مكان لليأس . لكل حركة مقياسها الجدلي الموضوعي . وقد حان الوقت . ووصل التراكم ذروته في عقل المعاناة وبدأ يسأل :
ما يحدث لنا ليس له مكان ظاهر في العقل أو الحركة أو التاريخ . ماذا تفعل هذا العجول المتخلفة فوق رؤوسنا ؟ هؤلاء الباركون والمقرفصون في تعاستنا ، لا يجمعهم مع منطق الحياة أو الكرامة أو الدين أو الحاجة جامع ، ماذا يفعلون ؟ لماذا كلما ارتفع شر المرحلة ارتفعوامعه ، وكلما كثروا كثرت المحن والبنوك والشركات والرواتب والحرام والمخدرات وتدهورت الأخلاق العامة والخاصة ؟ لماذا ازدادت العمالة الشرعية ، واللصوصية الشرعية ، والزنا الشرعي ، والفقر الشرعي ، منذ أن اقتحموا حياتنا بفقه المناصب والثروة ، بعد أن كانوا يقتحمونها بالتطفل والكدية وكتابة التمائم ، وكتب السحر ؟ لماذا يشبهون المرحلة هذا الشبه المريب ؟ لماذا يمزقون المجتمعات والأسر العربية بالدين السياسي ، يقتحمون نسيجها كالفئران ، فيفرقون بالدين المسيس بين الناس بالمصالح الفردية التي تملأ فراغات الحركة الإجتماعية بكل أشكال التناحر الداخلي ، التي تمنع الولاء الإجتماعي المشترك للمصلحة ، بإثارة الطائفية ، والولاءات السياسية المعادية للتطور الإجتماعي والعقلي وللثقافة القومية والوطنية الموحدة ؟ لمصلحة من ؟ لماذا يفضلون في ترافعاتهم النص المفرق ، من فقه شعوبي ، وسنن مختلف على صحتها ، أسست للطائفية والفرقة والتناحر الدموي على النص القرآني المجمع الذي لا خلاف عليه بين المسلمين ؟ أليس هذا لآمر في نفوسهم ، هو سر وجودهم أصلا ؟
لماذا لا ندير ظهورنا لهم كما أداروها لله ؟ ماذا نريد بهم دينا وليس لديهم ما يضيفونه إلى خزعبلاتهم المكررة . لدى الواحد منهم إلهين . واحد للعامة وهو للفرقة والتظاهر ولخدمة الإله الآخر الذي هو صاحب مصنع الكنافة أو حقل البرسيم . فلماذا نواصل نحن تظاهرنا بتبجيلهم ؟ أليس هذا شيطنة لا مبرر لها من جانبنا ؟ لماذا يقفون ضد كل شيء في صالح الجماعة ، ويقفون مع كل شيء في صالح النخبة ، ونقف نحن المتضررون دينا ودنيا معهم ؟
هنا شيء يذكر بالثورة الفرنسية في تجربة صغيرة مماثلة ولكنها عظيمة المغزى . تلك كان مسرحها البرلمان الفرنسي ، وهنا مسرحها المسجد . ولكنها تمثل ذات المشهد السياقي للتحول . فلاحو وفقراء فرنسا ضد الإقطاع والنبالة وعجولها الكنسية ، وفلاحو وفقراء العرب ضد الإقطاع المالي والنبالة النفطية والدينية وعجولها التي هي من أسوأ وأخس وأتفه العجول التي عرفها نظام الكهنوت . فهل بدأ التحول العظيم ، أم أنها ظاهرة وعي متوتر ستهزمها العجول وأميو الخلافة بالعصا الفقهية وبعض أطباق الكنافة ؟ لا أحد يدري حتى الآن . ولكن المؤكد أنها إذا حدثت ستكون هزيمة مؤقتة ، وأن التحول قد يعوق ، ولكن هيهات أن يتوقف لأن تاريخ العقل وعقل التاريخ لا يتوقفان . وحينما وجه الناس ما وجهوه لذلك العجل الملكي ، كانوا لأول يتخذون قرار العقل الموحد والجماعي أن العجول قد تجاوزت قدرتهم على التجاهل ، وحان الوقت للدفاع عن النفس في مواجهة سياسة العجول .
كان الناس دائما قادرين على ذلك لولا عادة التجاهل . فهم أقرب إلى العقل ، وبالتالي إلى جوهر الدين ، من ذلك العجل وأمثاله ، ولكنهم كانوا ، في حالة يأس الإرادة ، أميل إلى السلامة من المواجهة . ولكنهم فوجئوا أن الميل إلى السلامة يبعدهم عنها . عاشوا مع هذه العجول تجربة لم توفر لهم دينا ولا دنيا ولا سلامة . كانوا أكثر من استبيح دمه وحقه وكرامته ودينه في هذا العالم . وكلما ازداد تعلقهم بسلامة الذات اقتربوا من الموت الجماعي الجسدي والمعنوي أكثر فأكثر .
ولا أحد يعرف حقيقة عجول الكنافة والبامبرز مثل الرعية . عرفتهم منذ كانوا يتطفلون على خبزها اليومي في الدساكر والقرى ، إلى أن جاء من أقام لهم تنظيمهم الكنسي ، وأصبحوا ركن النظام العالمي والمحلي ، السياسي والإقتصادي والقمعي والمنصبي الأول . احتلوا المراعي والطرقات والوكالات والمؤسسات والمؤتمرات الدينية والثقافية ، وأصبحوا جسدا مكتملا للشر الإجتماعي هذه المرة . أصبحوا فقهاء في كل ما يضر الرعية وينفع الراعي . لذلك تفننوا في كل شئون الجسد التي تعرفها الحيوانات بالفطرة ، ليشغلوا الناس بها من ناحية ، وليحللوا الحرام الشرعي للحكام ولآنفسهم وللمتخمين بالثروات من أمثالهم . ولو كان لهم أدنى صلة بغير السياسة او التخريب الإجتماعي ، لاقتصدوا في فقه ” البامبرز ” والصدقات ، لصالح الإنسان في مجتماعتهم ، فلم يخدروه ويديثوه بالصدقة ، التي لا يمد إليها يدا سوى المحتضر جوعا أو الفاقد للكرامة الإنسانية . فكأنهم لا يعرفون أنه ما تمتع غني إلا بما جاع به فقير ، وأن السرقة للحاجة ، اكرم بالإنسان من قبول الصدقة من لص أو محتاج آخر ، وأن للمصري والسوداني والشامي والمغربي حق شرعي ومدني في نفط الأمة وثرواتها يحق لهم أن يحصلوه بالسيف . ظلوا يستخفون بعقل الورع لدى الكثرة ، فلا يحدثون عن الصبر والتعفف والصدق والنزاهة والإستقامة إلا الفقراء . ولا يحدثون بها من يغتسلون بالعطر الباريسي .
كانوا وظلوا وأصبحوا ، غثاثة سمجة في الخلق والخلق والعقل ينفر منهم الذوق السليم ، ومنطق الكرامة . كانوا وظلوا عارا سلوكيا وثقافيا ومكرها بيئيا وإنسانيا ، ورمزا للجمود والتخلف وعجز الوجدان والعقل ، قياسا على أمثالهم في حظائر الكهنوت الأخرى ، التي تطور ألاعيبها وثقافاتها بعلمانية العقل ، ومعاصرة الحركات الإجتماعية من حولها . كانوا كلما ظهروا للناس في محفل دولي ، مثل مشغليهم يضحكون علينا العالم بسخافة عقولهم النافذة الصلاحية ، وثقافتهم المعوقة ماديا واجتماعيا وعلميا ، كأنهم من عالم آخر . كانوا وظلوا وسيظلون ، ما وجدوا ، لسانا لكل من أراد سوءا بالعرب مقابل أجر معلوم . فما الذي ينقص الإنسان العربي من الدلائل على كل هذه الصفات التي لو حذفت من كينونتهم لما ظل منهم شيء حتى ملابسهم . لماذا لا يدير لهم هذا الإنسان ظهره وهو يعرف أنهم أسوأ ما في حياته ، المنكوبة بالعمالة والقمع والفقر وتنكيل العالم به ؟ ماذا يريد هذا الإنسان العربي ، دليلا على بلواه ومصيبته أكثر من عجل الحادثة ، الذي تجاهل المذبحة العربية الدائرة ،وتجاوز عما يحدث لرعاياه الكنسيين ، من هدر دمهم من سن – 9 أشهر وحتى سن 120 سنة ، ليحدثهم عن همومه الطائفية ؟ لماذا لا يقول العربي لعصر العجول : كفى ! كما فعل أولئك المصلين لله بالعجل السلطاني ؟
ما حدث في المسجد ، كان انبثاقة من الوعي الذي كان كامنا في النفوس ينتظر اكتمال جدله في التغيير النوعي . لم يكن انتصارا على العدو في المواجهة كما حدث في لبنان ، كان انتصارا على العدو خلف خطوط المواجهة . لقد اكتمل جدل المواجهة والصمود سنة 2006 ، ليسهم في نقلة نوعية أكثر خطرا ، سوف تكتمل بدورها لتصبح انتصارا لمعركة الوعي العربي العام ، الذي سيحسم معركة المصير . يبدو أن التحول قد بدأ . ويبدو أن العقل العربي الذي بدأ طريق المعنى والقيمة في هذا العالم ، سيتخلى عن سكونه في الخلل ، ويملأ فراغات الحركة التي يعربد فيها الظلم والقهر ، كما تفعل الآن المقاومة القومية العلمانية والجهادية ، وكما فعل المصلون بعجل الكنافة الأرعن .
2010
2023-12-21