استرداد المياه من المستبد الفاسد وعائلته، منظومات ري محلية بديلة للمنظومة المركزية الاستبدادية!
جمال الطاهات
لم يكن الأردن يوماً بحاجة لاتفاقية الكهرباء مقابل المياه التي وقعت مع إسرائيل. ولكن الذي احتاج هذه الاتفاقية هو المستبد الفاسد وعائلته لإدامة منظومة مركزية لإدارة الموارد المائية كوسيلة لإخضاع الشعب الأردني. ففي ظل سياسة مائية بديلة (منظومات محلية بديلة للمنظومة المركزية الاستبدادية) يمكن تأمين كافة احتياجات الأردن المائية من المصادر المتاحة، دون الخضوع وتقديم تنازلات سياسية لأي طرف خارجي. فعندما يسترد الشعب دولته سلطة وموارد، هناك سياسة مائية بديلة ممكنة وسهلة وبسيطة تحرر مواردنا المائية، وتعظمها دون تقديم أي تنازلات سياسية. ولكن هذا يتطلب استرداد الدولة سلطة وموارد، والتخلص من الاستبداد الذي يسعى لجعل المياه وسيلة لإخضاع الشعب.
نظرية “الاستبداد الآسيوي” توضح كيف استعملت المياه كوسيلة اخضاع، لتفسير نشوء الممالك الاستبدادية من خلال نظم الري المركزية (التي تديرها سلطة مركزية)، والعمل بالقوة على تغييب أنظمة الري المحلية. فالسيطرة على كل المصادر المائية بنظام ري مركزي يمكن السلطة المركزية المستبدة من التحكم بمن يرتوي ومن يعطش هو وزرعه وقطعانه. وارتباط الاستبداد بالتحكم بالماء عبر منظومات ري مركزية، يوضح ويثبت أن التحرر يتطلب “أنظمة ري محلية” تعزز قدرة المجتمع على تحدي الطغيان، ومواجهة المراكز الاستبدادية، عبر التعامل مباشرة مع “بوابات السماء” -دون الحاجة لوجود ملك مستبد فاسد على تلك البوابات.
نقطة البداية لاسترداد المياه من المستبد الفاسد وعائلته، ولمنع أي مستبد آخر من تحويل المياه إلى وسيلة لفرض الهيمنة السياسية، هي التخلص من التحكم المركزي في إدارة مصادر المياه وتوزيعها، وإعادة تصنيف مصادرها بما يمكن من إدارتها على مستويين: فردية؛ بيوت ومزارع ومصانع. ومحلية؛ جمعيات مزارعين وبلديات وهيئات حكم محلي. فالحقيقة الفيزيائية أن كل مصادر المياه هي فردية ومحلية، ولا يوجد ما يمكن تسميته مصدر عام للمياه باستثناء هبة السماء بالمطر، مباشرة أو عبر الأنهار التي تنقل مياه الامطار من مكان إلى آخر. وهذا يتطلب دور مختلف للحكومة المركزية (موضح تالياً) ينحصر في وضع قواعد عامة لتعظيم مصادر المياه واستخدامها.
إن تصحيح “الجريمة” التي ارتكبها النظام بحق الشعب الأردني، يتطلب تمكين المجتمع من تطوير أنظمة ري محلية بديلة لتلك التي دُمرت بشكل مقصود. وقد عبر أحد أعمدة النظام، في معرض تبرير رفضه تشكل أنظمة ري محلية انطلاقاً من تعميم تقنية السدود الترابية على القرى والمراكز الزراعية في البادية، “أن السيطرة على كل المصادر المائية -بنظام ري مركزي- ضرورة من ضرورات الاستقرار”، ويجب ان تُقرأ ضرورة من ضرورات ترسيخ الاستبداد، ومنع نشوء هوامش استقلال اقتصادي للمجتمعات المحلية بعيداً عن هيمنة المستبد الفاسد وعائلته. فتوفر المياه هو أساس استقلال الأنشطة الإنتاجية، واستقلال المجتمع عن السلطة المركزية.
إن أحد أمثلة قيام عائلة المستبد الفاسد بتدمير مصادر الري المحلية، هو ما جرى في قرية “دلاغة ورسيس”، جنوب غرب معان في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. حيث قامت وزارة الصحة -مستندة إلى قانون الصحة العامة- بإغلاق مصادر المياه المحلية بالأسمنت المسلح، وتم بعدها تمديد خط مياه من أحد الينابيع المركزية على مسافة حوالي 30 كم، وكانت النتيجة؛ جفاف المزروعات ونفوق القطعان، وتداعي الناس في صفوف مذلة تطالب المتصرف والمحافظ وأي مسؤول آخر، باستعادة مصادر مياههم دون جدوى.
مثال “دلاغة ورسيس” تكرر في العديد من المناطق، ولكن بتفاصيل مختلفة، فبدلاً من أن تقوم وزارة الصحة بتأهيل مصادر المياه المحلية وضمان نوعيتها بإجراءات محددة، تم توظيف قانون الصحة العامة من قبل عائلة المستبد الفاسد كوسيلة “لتعزيز استبدادهم” بتدمير مصادر المياه المحلية، وما تبعه من تدمير لبنية الإنتاج المحلي، تحت ذريعة انفاذ قانون الصحة العامة، وإغلاق آلاف مصادر المياه المحلية ومنع المواطنين من استثمارها، بدلاً من تطويرها وتحسين نوعيتها بما يضمن تعظيمها وانسجامها مع المتطلبات الصحية. كما تكرر توظيف قانون الصحة العامة كوسيلة لملاحقة المنتجين المحليين ومنعهم من متابعة أنشطتهم الإنتاجية المستقلة، وتحولهم إلى عاطلين عن العمل يستجدون المكارم بدل أن يكون لهم حقوق، وكل ذلك بذريعة الحفاظ على الصحة العامة.
يقدم تاريخ الأردن، حين كانت الدولة في خدمة الشعب وذلك قبل حكم المستبد الفاسد وعائلته، الأدلة الحاسمة على أن منظومات الري التي روت المدائن الأردنية كانت محلية، وليست مركزية. ويمكن تعظيم الموارد المائية لتلبية الحاجة الراهنة لتوفير كميات أكبر من المياه، وليس استنزاف المتاح منها، ثم البدء برهن الإرادة الوطنية لاستجداء المياه من الآخرين. إن حرمان الأرياف والمدن الطرفية والمزارع من مصادر المياه المحلية، حولها إلى عبء، وحرمها من التمتع بما لديها من المياه، وتأمين فائض يساهم في ري المراكز المدنية الكبرى.
وفكرة تعظيم الموارد المائية تستند إلى تطوير تقنيات ووسائل تمكن من زيادة عائدات الحصاد المائي محلياً ووطنياً، ورفع كفاءة شبكات التوزيع، مع التأكيد على أن اتساع شبكات توزيع المياه يتناسب عكسياً مع كفاءتها. فكلما اتسعت شبكة توزيع المياه كلما قلت كفاءتها، والحل البسيط هو شبكات توزيع محلية تعتمد على مصادر محلية.
وعودة للاستراتيجية البديلة التي تمكن الشعب الأردني من استرداد موارده المائية وتطويرها بشكل مباشر، وعنوانها منظومات ري محلية بديلة للمنظومة المركزية التي تعزز الاستبداد، وتهدر الموارد المائية وترهن الإرادة الوطنية، وهذا يقتضي:
اولاً: تصنيف مصادر المياه السطحية حسب موقعها وحجمها، كما يلي:
1- مصادر وطنية عامة (بعيدة عن المراكز الحضرية)، تشرف عليها الحكومة ممثلة بوزارة المياه (والإشراف المركزي يعني تطوير هذه المصادر وتعظيمها وليس تمكين المحتكرين من استهلاكها بطريقة فجة كما يحصل منذ عقود لوادي الديسة وغيره).
2- مصادر المياه المحلية (وهي عادة صغيرة ومتوسطة الحجم)، ويسمح للبلديات والسلطات المحلية في الأرياف والبادية، تطوير هذه المصادر ضمن قواعد الاستدامة والتعظيم وتحسين النوعية.
3- المصادر متناهية الصغيرة، حيث يمكن لمزارع واحد او عدة مزارعين تطويرها حسب قواعد الاستدامة والتعظيم، وضمان نوعية مناسبة لغايات الاستعمال. على أن يتم إنشاء قاعدة بيانات تسمح بإنشاء منظومة وطنية لحصاد المياه السطحية تمكن من تلبية جزء كبير من الاحتياجات الراهنة، وأيضاً -وهذا مهم جداً- إدامة تغذية المياه الجوفية بطريقة تضمن استدامتها، إضافة إلى ربط حقوق استثمار المياه السطحية والجوفية وأسعار بيعها، بمدى المساهمة بتوسيع الغطاء الأخضر.
ثانياً: تصنيف مصادر المياه الجوفية وتنظيم استغلالها حسب عمقها ومعدلات تعويضها السنوية. فالمياه الجوفية القريبة من السطح بمسافة تقل عن 300 متر، والتي يزيد معامل تعويضها السنوي عن 5%، تخصص ليتم تنظيم استثمارها من قبل المزارعين بشروط خاصة، أهمها ان يكونوا مساهمين في تغذية المياه الجوفية من خلال مساهمتهم بحصاد المياه السطحية، بحيث تحتسب حقوقهم في المياه الجوفية بمقدار مساهمتهم بتغذيتها من مشاريع الحصاد المائي التي يقومون بتنفيذها. وهذا يطبق ببساطة مقابل كل بئر ارتوازي للمياه الجوفية، هناك سد ترابي أو أكثر، مع حفائر حقن خاصة بتغذية المياه الجوفية.
ثالثاً: ربط حقوق استثمار المياه السطحية والمياه الجوفية بتكليف البلديات بزراعة أشجار حرجية للحفاظ على البيئة، واستثمار التناسب الطردي بين معدلات الامطار السنوية وخصوبة التربة، ومدى اتساع وكثافة الغطاء الأخضر. حيث يجب إلزام البلديات بزراعة كمية من الأشجار تتناسب مع نسبة استهلاكها من مجمل الاستهلاك الوطني من المياه. وحتى تقوم البلدية بهذه المهمة يمكن لها أن تزرع داخل حدودها، أو تخصيص منطقة من البادية -شرق خط سكة الحديد- وتسمى غابة لكل مدينة (غابة عمان، غابة جرش، غابة الكرك غابة السلط….)، وتلتزم كل بلدية بتشجير غابتها. وتحتسب مساهمات البلدية في هذا الخصوص كأساس لتسعير المياه التي تستهلك في حدود البلدية لتغطية احتياجاتها.
أما فيما يتعلق بالتسعير، وكيفية احتساب كلفة المياه على المستهلكين، فهي أيضاً تتم حسب معادلة واضحة متعلقة بمدى المساهمة بحماية البيئة واستدامة معدلات الامطار من جهة، ومدى المساهمة في تعظيم حصاد المياه السطحية، وتغذية المياه الجوفية من جهة أخرى (قانون الندرة والسعر). ويجب اعتماد سعر أساس لأي استهلاك مائي سنداً لمتوسط الكلفة على المستوى الوطني. واعتماد سعر أعلى للمستهلك الزراعي أو الصناعي الذي لا يساهم بمجهود حصاد المياه السطحية وتخضير البيئة، على أن تخصص الزيادات لتمويل (صندوق وطني لتنمية الموارد المائية)، بحيث يتم إخضاع مصاريفه للرقابة العامة، على أن تكون موازنته السنوية التفصيلية معلنة. أما المزارعين والصناعيين الذين يقومون بتطوير برنامج حصاد مائي لتغطية نسبة من حاجتهم من المياه، وتغذية المياه الجوفية، فيتم خصم هذه النسبة من السعر الأعلى لكلفة المياه، كما يمكن اعتبار مجهودات التخضير واحتسابها لذات لغاية.
الاستراتيجية المقترحة، تتطلب دور جديد لوزارة المياه، لتقوم بالتشاور مع الجامعات ومراكز البحث المتخصصة لصياغة قواعد استثمار المصادر المائية، ومع مجلس نواب شرعي يمثل الشعب الأردني بشكل موضوعي، لضمان الالتزام بهذه القواعد من قبل هيئات الحكم المحلي والمزارعين والصناعيين. يضاف إلى ذلك ضرورة تأمين قاعدة بيانات حية ومباشرة عن مصادر المياه ومعدلات توظيفها وظروف كل مصدر وآفاق تنميته. وفوق ذلك تعزيز الابتكارات في الجامعات، مثل الجامعة الهاشمية التي ابتكرت طريقة ري صغيرة للمزارع والبيوت.
ببساطة يجب أن تتحول وزارة المياه من جهاز تنفيذي لتطبيق نموذج الاستبداد الآسيوي -المياه كوسيلة للإخضاع السياسي- لتعود لمهمتها الطبيعية “مراقب ومساعد” للبلديات والمزارعين ليقوموا بتامين حاجتهم من المياه من المصادر المتاحة، ووضع القواعد التي تنظم استدامة المصادر المائية وتعظيمها. وهذا يعني أن تعود وزارة المياه كما العديد من الأجهزة الحكومية “رافعة اسناد” للمجتمع لتقوم قواه المنتجة بتطوير مصادره المائية، وضمان انفاذ قواعد الاستدامة والتعظيم والنوعية في أي استثمار مائي يقوم به أي مستثمر أو مستهلك للمياه.
بقي أن نشير إلى أن التكنولوجيا المتاحة، والتي يمكن تكييفها لتناسب البيئة الأردنية، تمكن من تعزيز أنظمة الري المحلية، وتزيد من فاعليتها. فمن العمل على تخزين مياه الامطار في السيول، والتي تزيد عن مئة ضعف حاجة الأردن، وهي بالمناسبة تتزايد مع تزايد العمران، إضافة إلى فاعلية تخضير، وتقنيات اصطياد المياه من الرطوبة لتلبية الاحتياجات الفردية للمنازل والمزارع، كلها تتطلب تحرير الأردن من المنظومة الاستبدادية لإدارة المياه، وغدارة الجامعات ومراكز البحث العلمي. يضاف إلى ذلك وبشكل فوري، تعديل قانون الصحة العامة لتصبح مهمة وزارة الصحة، ليصبح تأهيل مصادر المياه المحلية لتصبح ضمن المواصفات الصحية المطلوبة، وليس إغلاقها وتدميرها.
أخيراً، لا بد من التذكير بأن معركة غزة وضحت الطبيعة الأمنية للمياه، وأن السياسات المائية مرتبطة بحرمان العدو من الهيمنة على مصادر المياه ونظم توزيعها، او أن يقوم بتعطيلها بعمل عسكري، وذلك عبر تعزيز المنظومات المحلية لتخزين المياه وتوزيعها. ولنتذكر بأن المدائن التي فقدت منظومات مياهها المحلية، فقدت استقلالها، فقد تمكن الرومان من اخضاع البتراء بعد سيطرتهم على مواردها المائية. فتحرير المياه من هيمنة المستبد الفاسد وعائلته، وبناء أنظمة ري محلية، ضرورة للتحول الديمقراطي في الأردن، كما أنه ضرورة أمنية لحماية الاستقلال الوطني، وحماية الأردن من المخاطر الخارجية التي تهدده.
2023-11-29
