ألخيانة إجماع وطني!
الراحل أحمد حسين
أن تفعل السلطة ما فعلت ، أمر لم يكن قد دخل دائرة التوقع العفوي بعد ، وذلك لأن البغايا المسنات يتحفظن أحيانا من مواقف معينة . وعدم توقعه لا يعود إلى نقص في احتمال إقدام السطة عليه ، وإنما لأن أكثرنا عاجز عن وعي الفرادة التاريخية التي تتميز بها دينامية السلطة الوطنية الفلسطينية . ولكن أن تجد من يستهجن ذلك بعد حدوثه فهو نيشان شرف مقدم منه للسلطة ، باسم الشعب الفلسطيني . ولولا هؤلاء المستهجنين وزملائهم المحتجين وأقرانهم المصدومين ، لم أجد في هذا الحدث العادي ما يستحق التعليق . صحيح أن السلطة الوطنية تفوقت على نفسها هذه المرة ولكن ما المستغرب من سلطة بمثل ديناميتها الوطنية والسياسية أن تتفوق على نفسها ؟ وما دمنا قد دخلنا مستنقع التحليل ولو عنوة فدعونا نتساءل : هل افترض المستهجنون أن السلطة يجب أن تكون أكثر وطنية من شعبها ؟ إذا كان المستوطنون الفلسطينيون في الأراضي السورية واللبنانية والأردنية وفي بقاع متعددة من الكون يظنون أن التخت الفلسطيني الوطني أي عباس وفرقته في صفهم ، فماذا على عباس أن يفعل سوى أن يؤدي واجبه الوطني بحماس أكبر ، ثم يتفوق على نفسه ؟ لعبة عباس الوطنية واضحة للمثقفين فقط . وليس من المفروض أن يفهمها كل من هب ودب . يكفي أن يفهمها شخص اسمه الوطني ” الناطق ” يشبهني بالخلقة ، ولكنه أشد ثقافة مني . قال :
لو ذهبنا إلى مجلس الأمن فستستعمل أمريكا الفيتو . فما الأفضل أن تسقط أمريكا القرار أم نسقطه نحن ؟ في الحالة الأولى كان القرار سيسقط مجانا ونظل متهمين بالتشدد من جانب المجتمع الدولي . ولكن حينما أسقطناه نحن حققنا كسبا معنويا هائلا سيترجم إلى كستناء سياسيه في العدوان الإسرائيلي القادم على الشعب الفلسطيني .
ومع أن الناطق كذاب ولم يكن هذا هو السبب الحقيقي ، إلا أنه مخرج لطيف من رجل يشبهني في الخلقة . أما السبب الحقيقي فهو أن صاحب الملهى الليلي هو الذي يقرر عمل التخت الوطني . وكان قراره أن ينصرف التخت مبكرا في تلك الليلة .
وكلمة لصالح التخت ! لم أسمع أحدا من أعضاء التخت يصرح مرة أنه ليس خائنا . صحيح أيضا أن أحدا منهم لم يصرح بأنه خائن ، ولكن متى كان هناك حاجة لذلك ؟ فمنذ بيروت سيطر قرار الخيانة والتآمر على الشعب الفلسطيني على السياق وانتهت القضية الوطنية . والمستهجنون والمحتجون والمصدومون كانوا يشكلون التورية اللفظية عن الخيانة بقصد أو بإعاقة في الفهم . ولم يستفد أحد من الفارق بين ما يرتكب وبين ما يلاقي مثل التخت الوطني . لقد كان الإستهجان والنقد والصدمات دائما إلى جانبه تسبغ على مبتكراته الخيانية والنكبوية ظلا من العادية . لقد يسر له ذلك سروالا وطنيا قصيرا بديلا عن تهمة الخيانة الصريحة ، وهذا فرق يفوق خسارة البترول من السياحة في الخليج . ولكن هذا الوضع علاوة على كونه خدعة جارية ( مثل صدقة جارية ) فإنه أيضا مطلب شعبي باطني لدى الفلسطينيين يشكل بديلا عن حمل السلاح . لقد عاش الشعب الفلسطيني بين الخيانة وتضحيات النخب الإستشهادية حياة أفضل من التعرض الشخصي المباشر للموت المرجح في ميدان القتال . أعطى عمدا للخيانة دورها السياسي البديل عن المقاومة ، وتلذذ وطنيا بتجارب الشهادة كملكية وطنية عامة يعتبر نفسه جزءا تلقائيا منها ، ويهرب بها من موقفه الجبان . كل الشعب الفلسطيني يعرف الحقيقة وأن الخيانة أصبحت جهاز التحكم السائد في قضيته . ولكنه راهن عليها وواصل التبرؤ منها بوعي من يفضل التسوية الكاذبة على المقاومة ، وهو ما وفرته له الخيانة . هذا الإفراز العقدي هو نتيجة متوقعة بل حتمية للمذبحة العبثية المطولة التي تناوله بها أوسلو ، إذا اعتبرنا الفلسطينيين بشرا عاديين . لقد حولتهم تجربة أوسلو الرهيبة ، كما هو مرسوم ، إلى شعب خائف ومهزوم يعيش في حماية التجاهل . كل دم كان يؤدي إلى دم أكثر في متوالية دموية تصاعدية معزولة عن أية نتائج سياسية مفترضة . وكما افترضنا فإن الفلسطيني ليس كائنا سورياليا ، يستطيع التعايش مع معادلة رهيبة كهذه دون أن يستنجد بشيء ما ، هو القدرة على الإستشهاد أو الخيانة . وظل الإستشهاد قائما في حدود التناقص الموضوعي ، على هوامش السوق الشعبية التي التي عمدت حجارتها بالرعب . لم يكن هناك مناص من الخوف ودعم الخونة ، كحماية احتمالية وحيدة من الأطباق الطائرة ومذابح اليابسة وقصف هدى بالبوارج . الرضى بالخيانة أصبحت سوقا . والخيانة ذاتها سوق . والتطبيع سوق . واليأس سوق . والتسليم سوق . ومع ذلك فقد ظلت كلها أسواقا ملوثة بالدم . وفي عز التهدئة الشعبية مع العالم ومع التسوية جاء الفوسفور الأبيض . وتبين أن سوق الرضى بالخيانة ، وسوق التجاهل الشعبي لا تنجي من شيء . لأن الدم الفلسطيني هدف استراتيجي وليس حدا للتفاوض ، لأن التفاوض كان أحد بل أهم أركان المذبحة . ولكن الخوف لا يفكر . يملي المواقف المذعورة التي تزيد من شراسة القاتل فقط ، خاصة حينما يكون القاتل على قناعة أنه ليس قاتلا وإنما يمارس هواية الصيد فقط . ويبدو أن الفلسطيني المذعور لم يسمع عن حفلات صيد الهنود التي كان يمارسها الآباء المؤسسون لأمريكا فظلوا مصرين على التجاهل على أمل أن ينتهي كل شيء أخيرا من نفسه . فلماذا لا يريد المستهجنون لقانون الأفعى وكلب الصيد أن يتوقفوا عن استهجان ما يفعله عباس وتخته ؟ أعتقد أنهم أيضا يمارسون ذات اللعبة تضامنا مع الشعب . مع فارق وحيد هو أنهم لا يكتفون بالسلامة وحدها ، بل يريدون شيئا معها . هم يقدمون الإستهجان والإحتجاج للتظاهر الشعبي الكاذب ، وهو من المفروض أن يمنحهم أصواته في انتخابات يوبيل الخيانة السابع .
إذن هناك إجماع وتسليم عام من معظم مكونات الشعب الفلسطيني على استمرار الوتيرة الحالية للقتل لأنه يمكن أن يكون أكثر بكثير . يجب استمرار وضع السلامة النسبي حتى تطول فترة الإبادة قدر المستطاع . وهذا غير ممكن بدون بدون تمثيل سياسي فلسطيني داخل مشهد الخيانة المتفق عليه . وهذه هي الحقيقة الواقعة . مشهد من العلاقات العبثية داخل مساحة للخيانة يراهن عليها الجميع وقد يستفيد منها الجميع ما عدا دمائهم جميعا بدون استثناء .
على عباس وتخته والشعب الفلسطيني ، عدا القلة ، أن يتقدموا بالشكر لفصائل المقاومة بدون استثناء على استهجاناتها البناءة والمتزنة التي انتقدت الرئيس عباس وتخته ، ولكن بدون المس بالوحدة والإجماع الوطني للفلسطينيين .
اجراس العودة
الكادر
October 5, 2009
2023-11-15