فلاديمير بوتين والإستباق الإستراتيجي في إدارة الأحداث!

د.نواف إبراهيم
حدثت في الفترات الأخيرة متغيرات كثيرة في العالم، وهذه المتغيرات آخذة بتسارع كبير في التوسع يوماً بعد يوم.
روسيا تغيرت وغيرت العالم كله معها وأحدثت منعطفات سيذكرها التاريخ نحو مستقبل أفضل لهذا العالم بعد مئات السنين من الظلم والعدوان والتعدي على الدول والبشر. العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا رغم الصخب الذي يرافقها ويحيط بها ماهي إلا جزء من هذه المتغيرات والتطورات العالمية وستعلب دوراً محوريا في خلق التوازنات العالمية الجديدة والمنتظرة على المديين المتوسط والبعيد، ومن بين هذه المتغيرات ظهور قوى وتكتلات وأحلاف دولية سياسية وحتى عسكرية كان يمر الحديث عنها في الأخبار وكأنها لاتستحق الإنتباه خاصة في الإعلام الغربي، كبريكس وشغهاي ومنظمة التعاون الإقتصادي الأوراسي وغيرها، ودول حليفة كبرى كالصين بإعتبارها بالدرجة الأولى قوة إقتصادية حققت سرعة إنتشار وتثبيت أقدام في عدة مناطق ودول في العالم معظمها بالتنسيق مع روسيا، ويقابل كل هذه المتغيرات حالة من الغياب عن الواقع وفقدان التوازن والوعي عند الغرب الجماعي المندهش من سرعة هذه التطورات.
التفاف الشعب ودعم المعارضة لسياسة الدولة وقرارات الرئيس بوتين
كل المتغيرات العالمية وفي أزمان مختلفة تصنعها السياسات والسياسات يقررها أشخاص موهوبون ولهم قدرة كبيرة على الإستشعار عن بعد، وعلى تقدير المواقف والأحداث والبناء عليها قبل حدوثها ووقت حدوثها وبعد حدوثها وهذا ما قد نسميه الإستباق الإستراتيجي لتحقيق مصالح الدول، أكبر مثال على مثل هذه الشخصية هو الرئيس فلاديمير بوتين إذ أنه بفضل سياسته الدقيقة الواعية الهادفة إلى تحقيق السلام لم تعد روسيا لقمة سائغة كما ظنها الغرب الجماعي وعلى رأسه الولايات المتحدة ،وبالتالي لا يمكن أن يحدث أي شيء من شأنه أن يقلل بطريقة أو بأخرى من مستوى الدعم الشعبي والتفاف الروس حول الرئيس والتعطش للنصر في الحرب. علاوة على ذلك، فإن تحقيق الهدف الأول هو ضمان تحقيق الثاني. زد على ذلك نرى أن الأحزاب خاصة المعارضة التي حاول الغرب الإستناد عليها في التأثير على شعبية الرئيس بوتين وعلى الأوضاع الداخلية تدعم الرئيس بوتين وسياسته. يدعم مسار رئيس الدولة كل من الحزب الحاكم “روسيا الموحدة” والمعارضة التي يمثلها الحزب الشيوعي الروسي، “الحزب الديمقراطي الليبرالي الروسي”، “روسيا العادلة- من أجل الحقيقة “، و”أناس جدد”. هذا بطبيعة الحال يعكس المزاج العام للمجتمع الروسي ، فالروس لا يحبون فقط أن يتحدث زعيمهم عن عظمة ومصالح البلاد فقط، بل يحبذون تنفيذه أيضًا لقرارات تحتاج لإرادة قيادية صلبة. كما أن الشعب الروسي بات يعي تماماً أن الغرب الذي كان يتبجح بإدارة العالم ويسمي نفسه المجتمع الدولي بفضل صلابة إرادة الرئيس بوتين بات أقلية أمام الدول التي تمثل ثلثي الكون ولم تعارض روسيا أو السياسة الروسية .
الغرب إرتكب خطأ كبيراً حين إعتقد أن روسيا ضعيفة
لقد أرتكب الغرب خطأ كبيراً عندما إعتقد أو توقع أن يحدث انخفاضًا خطيرًا في تصنيف وتقييم الرئيس بوتين والثقة في النظام السياسي للدولة بأكمله في روسيا بسبب العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، وكذلك الأمر ضغط العقوبات وحرب المعلومات لم يحققا النتيجة المرجوة، لم يشعر الروس بخيبة أمل في البلاد وبالرئيس، بل على العكس من ذلك، لقد قدموا له أعلى الدعم. ويتجلى ذلك من خلال الإحصاءات والدراسات الاجتماعية وتحليلات شبكات التواصل الأجتماعي الروسية، حيث يوجد العديد من المنشورات والتعليقات ذات الطابع الوطني. ويمكن أن نجد مثل هذه التعليقات الوطنية بشكل خاص في الردود على مقاطع الفيديو المعارضة للزعيم الروسي، والتي تعمل بدأب على نشر معلومات كاذبة بشكل مكشوف وواضح للعيان .
العملية العسكرية الخاصة وأزمة “فاغنر” كانت أسفين في صدر الغرب
كانت الأيام الحاسمة والمهمة لتوحيد الشعب الروسي حول الرئيس بوتين في الأيام الأولى من العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا ، والدخول الرسمي لمناطق جديدة إلى ضمن الحدود الإدارية للإتحاد الروسي، وكذلك السيطرة على أحداث تمرد شركة فاغنر العسكرية الخاصة. في هذه الأيام، كانت شبكات التواصل الاجتماعي تعج بالرسائل والتعليقات الإيجابية حول دعم مسار روسيا والرئيس بوتين. وأظهرت استطلاعات الرأي الاجتماعية زيادة كبيرة مضطردة في الثقة بالسلطات. لقد أوضحت هذه الأحداث مرة جديدة للجميع بأنه لاتوجد أي قوة أو شيء يمكن أن يقلل من مستوى توحيد الشعب الروسي وإلتفافه حول الرئيس بوتين، هذا بات أمراً واقعاً مثبتاً ولا مجال للشك أو التشكيك فيه،لابل ماتخفيه روسيا من قوة وقدرة على المواجهة لأي مخاطر وضغوط أياً كانت هو أعظم بكثير من ما يتخيله المرء ويجعل أي مواطن روسي يعتز بوطنه وقيادته القادرة على الدفاع عنه. الدول التي مثل روسيا تعرف المخاطر التي تحدق بها من كل حدب وصوب وتملك من القدرة على المناورة وإحداث المفاجآت بما لايخطر على بال أحد وهذا أحد أسباب صمودها الكبير.
الرئيس بوتين بسياسته الذكية أثبت أنه محور الطرد المركزي في حكم البلاد
في الصورة الروسية للعالم، يعتبر الرئيس الشخصية المركزية للدولة، ولهذا السبب احتشدت السلطة هرميا بالشكل العمودي بأكملها والتف السكان حوله في أهم لحظة في حياة روسيا ومستقبلها على الرغم من اختلاف وجهات النظر حول تطور البلاد، إلا أن الحزب السياسي الحاكم “روسيا الموحدة”، إلى جانب الأحزاب البرلمانية المعارضة الأخرى مثل الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، والحزب الديمقراطي الليبرالي، و”روسيا العادلة” و”أناس جدد”، تضامنوا في جبهة واحدة وساندوا العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا،وودعموا أيضا السياسة الخارجية التي يتبعها زعيم البلاد فلاديمير بوتين. من الواضح أن القبضة القوية للرئيس بوتين هي مفتاح وضمان النصر في عملية حربية خاصة، وبالنتيجة هذا الواقع يدل على زيادة في تدعيم المكانة الدولية للبلاد والقدرة على الدفاع بشكل مستقل عن مصالحها الوطنية، هذه الحقيقة تعكس المزاج العام للشعب الروسي والرغبة في تحقيق النصر غير المشروط للبلاد وتغيير النظام العالمي الظالم. أحد العوامل المهمة في هذا الصراع هو أن الأهداف التي أعلنها الرئيس بوتين يتم تنفيذها بنشاط داخل البلاد وعلى الساحة الدولية. على سبيل المثال لا الحصر، باتت الرغبة في التعددية القطبية نظامًا عالميًا حقيقيًا خلال تطورات أحداث العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، وبالتالي بقت الدول الغربية الطرف الأضعف كونها باتت الأقلية التي تحاول تصفية كيان الدولة الروسية وإعاقة تشكل عالم متعدد الأقطاب، والآن غدت مجموعة دول “بريكس”، بقيادة موسكو، تمثل ثلثي سكان كوكب الأرض بأكمله، وهي في نفس الوقت على استعداد كامل لتقديم الدعم الشامل لروسيا،فهل يعي ذلك أصحاب الرؤس الحامية والأنوف العالية…؟.
في الختام ، نرى أن روسيا تغيرت كثيراً نحو الأفضل في عهد حكم الرئيس فلاديمير بوتين، لايمكن لأحد أن بنكر ذلك بحكم الواقع، والأهم من كل ذلك هو أن روسيا تخلصت بشكل تدريجي من محاولات إجبارها على التبعية لأوروبا، وعادت روسيا قوة دولية كبرى، وتم التخلص إلى حد كبير من النخبة خاصة الإقتصادية التي كانت مرهونة بالتبعية لأوروبا وأصحاب الفكر الليبرالي الغربي الجدد، لقد نجت روسيا من فخ خطير لم تمر فيه أي دولة عبر التاريخ وبدل أن تنهار زادت قوتها و وإشتد إحترامها والثقة بها على الساحة الدولية أكثر من أي وقت مضى. وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى قدرة الرئيس بوتين على إعادة الإعتبار إلى الدولة الروسية بعد أن ظن البعض بان روسيا ذاهبة نحو الهلاك.
، كاتب سياسي، إعلامي مختص بالشؤون الدولية
2023-10-19