الأستاذ في ذمة الله…هيكل في يوم رحيله… ترجل ..ثم “انصرف”..
نبيل نايلي*
“يبدو أننا نسير في طريق لا نفهمه ولا نعرفه، ولا ندرك أننا أمام مرحلة خطيرة أكثر عمقاً”! مُقتطف من آخر ظهور تلفزيوني للأستاذ في سلسلة حواراته مع الإعلامية لميس الحديدي. “لا تستطيع أن تستعيد سلطة جمال عبد الناصر بسياسات إسماعيل صدقي”
استطاع الأستاذ، في زمن شراء الذمم والتعتيم والصحافة المأجورةـ، أن يمثّل بأسلوبه ومادته وحرفيته العالية أن يصبح “رمزاً للنهوض بالصحافة العربية إلى موقع يمكنها من ان تكون بين رموز القدرة على الإنجاز واللحاق بالعصر، فكرياً وثقافياً، فضلاً عن الارتقاء بالمهنة إلى أعلى ذراها، سواء في فنون الكتابة والرسم والصورة وصولاً إلى الإعلان”.
تخجل اللغة في رثاء العمالقة، تتمنّع -وجلا- وهي تنعاهم.. مجرّد كلمات يتيمة عابرة لا تختزل مسيرتهم.. يستعصون -كما الذاكرة الوطنية والقومية والإنسانية- على التأبين.. محمد حسنين هيكل، “الجورنالجي” أو “الأستاذ” والمسيرة الحافلة من العطاء..من العمل الصحفي والاعلامي، والنضال السياسي الوطني والقومي، دفاعا عن الأمة وقضاياها العادلة.. بالفكر والقلم والمواقف المبدئية..
رحل القارئ النهم والمحاور المميّز، والصانع.. والشاهد ..والمؤرّخ ..لمرحلة لعلّها الأخطر في تاريخنا العربي الحديث، بشخصياتها المؤثرة، المميز منها والمثير للدهشة أو.. الاستغراب..أو الكراهية.. كما هو عنوان مرحلة زمن التشظي وتفسّخ المنظومة القيمية..الاقتدار على التحليل، والتوظيف للوثائق النادرة والدقة والموضوعيه، بالأسلوب العلمي ذلك ما كانه هيكل، لهؤلاء الذين يختزلونه في موقف سياسي، ويكيلون الشتائم للرجل وهو..في ذمة الله..
الأستاذ، أو الشاهد على التاريخ وزائره المستديم، وراويه وفي أحيان كثيرة.. صانعه، وهو الذي ما كان المؤرّخ ولا انتحل هذا الدور ولا ادّعاه! كان الأستاذ حتى غادرنا عاملا بمقولته المأثورةــ: «هناك مسافة بين الرأي والقرار… الرأي حق لكل إنسان، أما القرار فواجب ثقيل، يحمله الذين وُضعت فيه الثقة لتحمل المسؤولية»، ولقد اتخذ مواقف كثيرة لم ترق لأنصاره و أنكرها عليه أعداؤه! العملاق هيكل ما أنكر ولا تملّق ولا تلوّن ولا طبّع مع الأحداث والشخوص، وظلّ حتى آخر رمق له في الحياة وفيّا لما صرّح به شخصيا، بصراحته المعهودة: «كنت واحداً من اللاعبين، عندما كانت المنطقة مسرحاً للتاريخ.. خرجت منه عندما أصبحت مسرح عرائس»!
لعلّ المكتبة التي تكاد تكون استثنائية في أهميتها موضوعاتها، – 11 كتاباً بالإنجليزية وحوالى 70 كتاباً بالعربية، منها 11 كتاباً في السوق العالمي وكتب تُرجمت إلى ما لا يقلّ عن 33 لغة في العالم فضلا عن آلاف المقالات والتقارير ومحاضر الجلسات مع صنّاع القرار، التي ورّثها الأستاذ لقرائه، ولعل أرشيفه الخاص ذي الوثائق النادرة والنفيسة، الذي خلّفه للبحاثة والمختصّين، ينتشل الجيل القادم من السقوط الذريع من التاريخ والعواء في مجاهل جغرافيا سايكس-بيكو الجديدة- ويشكلان لهم بصيص نور في الطريق نحو المستقبل..لهؤلاء الذين يختلفون مع الأستاذ في آرائهم -وهذا حقهم الذي نحترمه- أن يترفعوا، على الأقل في حضرة الموت.. وهم من يدّعون الوصاية -حصريا- على التقوى والورع.. فماذا قدّموا هم إلى هذا الأمة الثكلى غير هذا السقط من المتاع : “هلك الكافر هلك المجرم ..احنا شمتانين في وفاته وربنا يشفي صدورنا بهلاك أعداء الله”!!
فاجعتنا فيك كبيرة، في زمن يسود فيه “الأقزام” و”الرويبضات” و”الخبراء المخلّقون”، يا أستاذ، و”لن نعاند القدر”، كما طلبت من أسرتك، لتغادر كالأشجار -واقفا- ، وأنت من قرّر “الامتناع عن الطعام والدواء”، ولكن لتعذرنا أستاذ، ف”رحلتك ما انتهت بعد”! لتظلّ كتبك، ومقالاتك، وتقاريرك ومقابلاتك، ومواقفك نبراساً ومنارة لمن أراد أن ينهل من معينها، بعيدا عن العمى الأيديولوجي والاصطفاف “الفسطاطي” الذي يكاد يعصف بما تبقيه عليه عاصفة حروب الوكالة والدمار الذاتي!
كفوا عن حسينيات اللطم ..فهيكل وهو الذي “انصرف” وسط غياب رسمي وعربي، وهو بالإحتفاء الأجدر.. لا يسألكم حسينيات اللطم والعزاء.. أكملوا المشوار..بعزم القابضين على ..جمر الحلم!
لك الرحمة في مثواك..وللأمة، التي تفتقدك، حارّ العزاء..
*باحث في الفكر الإستراتيجي.