لو كانت المقابلة الفلسطينية – الجزائرية تصفوية لانتصرت فلسطين
اسماعيل القاسمي الحسني
اعترف أنني لست من جمهور كرة القدم، حتى فيما تعلق بمباريات الفريق الوطني، باستثناء ما كان منها يعني تصفية قارية أو عالمية مفصلية، مع أهميتها أكتفي غالبا بمتابعة بعض اللقطات المهمة، و نادرا ما أشاهد كل المباراة.
حين بلغني إقامة لقاء ودي يجمع بين الفريق الوطني و الفريق الفلسطيني، وجدتني اتصل بأحد المولعين بهذه الرياضة، و من أشد و أقوى المناصرين للفريق الوطني، لأسأله عن تفاصيل اللقاء، أعني التوقيت و الملعب الذي سيحتضن اللقاء، و خلاصة جوابه أنهم كجمهور كروي بصدد الاعداد لمفاجآت تذهل الاشقاء الفلسطينيين، و تذهب أبعد من ذلك لتجمّد الدم في عروق العدو الاسرائيلي.
و للأمانة، انتهى حدود خيالي بناء على قول صاحبي، عند حسن الاستقبال و إكرام الوفد الفلسطيني، مع تكرار بعض الاهازيج و الشعارات التي تتعلق بفلسطين، و ماذا يمكن أن يدهش العالم؟ في النهاية الأمر لا يعدو لقاء وديا.
و وجدتني بشكل تلقائي أتسمر أمام الشاشة، لأتابع استقبال الفريق الفلسطيني بمطار الهواري بومدين، الذي غصّ بهوه بمواطنين جزائريين، و كانت أول مفاجأة حضور العنصر النسوي بقوة، الذي عادة لا نرى له كثير حضور في مثل هذه المناسبات، إن لم نقل معدوما بشكل كلي، و دوت زغاريدهن على وقع الاغاني الفلسطينية، في مشهد لم يعرفه المطار الدولي إلا عند عودة الفريق الوطني من منافسات دولية أو قارية منتصرا؛ و أن تقدّم أمهات (و لهذه الصفة قيمتها) جزائريات باقات الزهور، لعناصر فريق (الخصم)، بل و يفرضن وجودهن بتولي كلمات الاستقبال و الترحاب، مُتقدمة عن الرجال، فهذا المشهد لعمري لم يسجل من قبل على الاطلاق. فما عهدنا بالأمهات الجزائريات أن يخرجن إن خرجن إلا للقتال.
و قد يقول قائل: لقد شطّت بك العاطفة؛ ليكن ذلك فأنا لست جمادا، و متى اكتملت إنسانية الانسان دون عاطفة ! أما الشطط فيبقى حكما نسبيا، تعود درجة تقديره على صاحبه كذلك.
أن يقرر إجراء المباراة في ملعب 5جويلية، فذلك يحمل مجموعة من الرسائل، فاسم الملعب نفسه يحمل معاني النصر على الاحتلال الفرنسي الهمجي، الذي لم يكن يختلف في وحشيته و إجرامه و عقيدته عن الاحتلال الإسرائيلي، ثم إن هذا الملعب يقع في قلب العاصمة الجزائر، ما يضفي قيمة عالية للقاء الكروي، و أخيرا فهذا الصرح الرياضي تتسع مدرجاته لثمانين ألف مناصر، و عدد كهذا لا يأتي بأي حال من الأحوال إن لم يكن اللقاء الكروي ذا طابع دولي أو قاري أو تصفية على مستوى هرم الفرق الوطنية، ما يبدو لمن يجهل طبيعة علاقة الشعب الجزائري بفلسطين، مغامرة غير محسوبة، ذلك أن الحسابات تفيد بأن المدرجات ستظهر حتما خاوية على عروشها؛ خاصة و أن الطقس تميز بدرجة من البرد القارص، الذي تسبب فيه نزول الثلوج و هطول الامطار بالمرتفعات المحيطة بالعاصمة الجزائر، غير أن منظمي اللقاء كانوا يعرفون جيدا أبعاد هذا اللقاء، و لم تكن منهم مغامرة بل معرفة دقيقة ببواطن الشباب الجزائري.
المفاجأة الأولى بالنسبة لي على الأقل، كانت في عدد الجمهور الذي تخطى كل التوقعات، فقد زاد عن ثمانين ألفا بكثير، حيث بقيت عشرات المئات خارج الملعب بعد أن غصّت مدرجاته بكاملها؛ و المفاجأة الثانية الحضور النسوي كذلك و الذي لم يعهده الشعب الحزائري من قبل، بل تحسب هذه أول مرة في تاريخ المقابلات الكروية الجزائرية يكون فيها تواجد نصف المجتمع بهذا العدد المهم، و المفاجأة الثالثة كانت في عدد الريات و أعلام فلسطين التي كادت أن تغطي كل المدرجات، و المفاجأة التي لا يمكن ترتيبها مسبقا أو تصنيعها أو تصنعها، تمثلت في تفاعل الجمهور الجزائري، مع كل مبادرة من الفريق الفلسطيني تهدد شباك الحارس الجزائري، تشجيعا و له و دعما، و العجيب حين يرفع الجمهور التعبير عن الاسف إذا راحت محاولة الفريق (الخصم) سدى؛ أكثر من ذلك حين تعود المبادرة للفريق الجزائري، يشرع الجمهور في التصفير لتثبيط محاولة تسجيل هدف في شباك الفريق الفلسطيني؛ أزعم أمام هذا المشهد أن تاريخ مباريات كرة القدم على طوله و عرضه، لم يسجل مثل هذا المشهد على الاطلاق.
تكتمل الصورة عندما سجل الفريق الفلسطيني (المفترض خصما) هدفا مستحقا، بعد مراوغات جميلة و تمريرات دقيقة لتستقر الكرة في شباك الحارس الجزائري، هنا قفّ شعري و سرت قشعريرة في كامل جسدي، و لا أنكر تحدّر الدمع، و أنا أشاهد ما لم أتخيله أبدا، تهتز مدرجات الملعب جميعها، و تعلو أصوات “النصر” من كل حناجر المناصرين “الجزائريين”، و اللافت في حركة تبدو أبعد من السريالية، هو اندفاع اللاعب الفلسطيني الذي سجل الهدف على الجزائر نحو الجمهور الجزائري، يعبر عن فرحه ليس بالهدف و إنما بهتافات الجمهور نفسه و رايات فلسطين التي ارتفعت عاليا، ما هذا؟ من سجل ضد من؟ و من يناصر من؟
بل أين نحن؟ أنت يا عزيزي في فلسطين لكن بقلب الجزائر، و هناك في فلسطين كنت بالجزائر لكن في قلب فلسطين.
إذا لا تستغرب حين يخترق أحد المناصرين الجزائريين الملعب ليوقف الحكم المقابلة، حتى يسلم المناصر على عناصر الفريق الفلسطيني، و لا تتعجب حين يكتب على التويتر قبل المقابلة أخر رسالة موجهة لفريقه اوطني الجزائري يهددهم بالثبور و عظائم الامور إن خرج الفريق الفسلطيني مهزوما، خاتمة رسالة حرفيا “لن تهزم فلسطين و لو في الجزائر”، علينا أن ترفع الراية الفلسطينية عالية خفاقة في كل سماء و فوق كل راية.
نعم، أكتب اليوم في مقابلة كروية، و نعم ألف مرة بعاطفة جيّاشة، لكن أقول لكن، لا أكتب لكم فقط مع كل الاحترام و التقدير، كما في كل المقالات؛ إني أضع في حسابي قبل تناول أي موضوع، أن هناك عدوا يقرأ مقالاتنا، و عقيدتنا كجزائريين ليس هناك إلا عدوا واحدا للأمتين العربية و الاسلامية، نعم المقابلة كانت تحمل رسائل عديدة، و إن كان بعض الأشقاء يردون علينا بالقول: لسنا بحاجة للتعرف على قيمة فلسطين و شعبها لدى الجزائر، فلا يمكنهم كذلك أن يتحدثوا نيابة عن العدو الاسرائيلي بزعمهم أنه في غير حاجة للتذكير بموقف الجزائر شعبا و جيشا و دولة.
كذلك ينسحب الأمر على المقال و أهدافه، فالعدو لا يقرأ عاطفتنا و إنما موقفنا و يدرسه جيدا، و ذلكم المراد ليتيقن بأن هذه المباراة لو كانت ذات طابع تصفوي لنهائيات كأس العالم، لأنتصر الفريق الفلسطيني كذلك و بذات المشاهد الجزائرية، لترفرف أعلام فلسطين بأيادي جزائرية و فلسطينية في العالم.