نسيج التحالف الغربي يتمزق حول دعم أوكرانيا ..!
توفيق سلام
تحاول وسائل الإعلام الغربية وهي الأوسع انتشارًا، وربما الأكثر تأثيرًا على الصعيد الدولي طرح رؤيتها حول معركة الصراع في أوكرانيا بين القوى الكبرى وفرضها على العقول، فيما تطرحه بإلحاح مع كل يوم يمر في المواجهة العسكرية على ساحة القارة الأوروبية. ومحاولة الإدارة الأمريكية الحثيثة لكسب الصراع في الخض والرج، والتشويش وقلب الصور في تصريحات الساسة والمحللين في نقل تصورات، وأفكار مختلفة عن مسار الصراع في كل ما يفرزه من نتائج وتأثيرات، يتلاقها العالم بمشاعر متباينة.
فالصديق الأمريكي لم يأت لينقذ أوروبا بعد أن ورطها، وتحول إلى “تاجر بديل” لبيع الطاقة بأربعة أضعاف الغاز الروسي وربما أكثر. ومن هنا فقدت أوروبا هذه الميزة التي كانت تشتري فيها الغاز والنفط الروسي بأسعار رخيصة. كانت العقوبات خطأ استراتيجيًا فادحًا، عادت بأوزارها وتبعاتها الثقيلة على الاقتصاد العالمي، وبالأخص على الاقتصادات الأوروبية، جراء التضخم، وانقلب حال المواطن إلى معاناة كبيرة بعد أن كان يعيش حياة الرفاهية.
وأثار ذلك غضب الشارع الأوروبي على نخبه، التي تعرت أمام مجتمعاتها، وأمام الرأي العالمي كدول مسلوبة الإرادة، تقبل على نفسها صناعة الأزمات. هذه
إحدى التحديات التي تواجهها أوروبا اليوم، وسعي الولايات المتحدة التي تمتلك السلطة المطلقة على حلفائها والقدرة على مواصلة الحلول مكان حلفائها كمسيطر ومستغل في مناطق نفوذهم ومستعمراتهم القديمة، وحرمانهم من كل قدرة على إتباع سياسة مستقلة في كل المجالات تقريبًا.
عجز حلف الناتو
حلف الناتو عاجز عن مواجهة روسيا، وليس العكس، فما هو الجديد في إرسال قوات بريطانية إلى أوكرانيا هل ستغير من طبيعة المعركة في الميدان؟
في مثل هكذا تصعيد إذا ما حدث ستكون روسيا أمام خيارين، أما أن تقاوم بالأسلحة التقليدية، وتبقى في إطار عملية دفاعية لاستنزافها كما يريد الغرب، وأما أن تعلن الحرب العالمية الثالثة، إلا أن روسيا لا تريد أن تأخذ على عاتقها ذلك. وإذا ما نتج اشتباك مع عضو أو أعضاء في حلف الناتو، فليس هناك ضمان أن الناتو لم يُفعل المادة الخامسة، وإذا ما فعَّل المادة الخامسة سننتقل إلى الحرب النووية الشاملة، وهذا الأمر مرفوض بالمناسبة من قبل روسيا، وأيضا من قبل الغرب. إذًا نحن أمام معادلة ذات نبض وتصعيد متبادل، وربما قد وصلنا إلى حافة الخطر، كما يقول بعض المسؤولين الروس، إلا أنه بقي هناك فرصة ضئيلة جدًا لعدم الاشتباك المباشر، وإذا ما حدث ذلك ستكون هناك كل القواعد العسكرية للناتو وأمريكا المحيطة بروسيا أهدافًا مباشرة لروسيا. فالعالم أمام معادلة معقدة جدًا، روسيا تنتظر حتى يمل الغرب من دعم أوكرانيا، واستخدام أوكرانيا لشروط روسيا، والغرب يسعى إلى التصعيد لاستنزاف خصمه على أرض المعركة ويؤمل مع مرور الوقت إنهيار روسيا، وتفككها إلى مقاطعات.. فهل من الممكن أن يمل الغرب من الدعم الأوكراني، على حساب أوضاعها التي تطحنها الأزمات الداخلية. وقد لجأ مجلس النواب الأمريكي على تمرير مشروع قانون يمنع الاغلاق الحكومي، ولا يتضمن مساعدات لأوكرانيا. كل ذلك يتزامن مع ما تشهده عدد من المدن الأوروبية من مظاهرات تطالب بالتوقف عن دعم أوكرانيا. فالخلاف البولندي- الأوكراني أظهر بأن بولندا -الآن- باتت من الدول التي لاترسل أسلحة لكييف، أو يمكن أن تقلل حجم الدعم، بحكم الضغوطات الأمريكية. ولاشك أن الولايات المتحدة لديها وزنها الكبير على الدول الأوروبية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا، ولديها نفوذ واسع، بالإضافة إلى قواعدها العسكرية المنتشرة في كثير من الدول الأوروبية. فالدور البريطاني ليس مستقلاً عن الدور الأمريكي ما يعني عدم وجود رفاهية الخيار بسبب التبعية الأمريكية، وهذا ما لا يستطيع أحد نفيه أو انكاره في تبعية القارة الأوروبية لأمريكا، وتتعامل معها أمريكا كمستعمرات أمريكية، منذ الحرب العالمية الثانية.
الحدود العازلة
روسيا ترى أن أوكرانيا هي حدودها الطبيعية مع أوروبا، وكذلك نفس الحال مع دول البلطيق، أي أنها مناطق رمادية عازلة، وكذلك بريطانيا ترى أن حدودها الطبيعية مع الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأوروبي مع الحدود الأوكرانية الروسية، لذلك نشاهد الاندفاع البريطاني، والاندفاع الفرنسي بشكل أو بآخر في الدفع بتطورات المعركة إلى أقصى حدودها أملاً في سياقات “الوهم المعتاد” تحقيق انتصارات على الأرض، وما يحدث هو الفشل، لا سيما مع بروز خلافات وتناقضات في المواقف الغربية، فيما يخص دعم أوكرانيا، واستعادة العلاقات مع روسيا. وبذلك لم تحقق الإدارة الأمريكية أيًا من أهدافها في ضرب خصمها الروسي العنيد، وعلى العكس من ذلك فإن الدول تتطلع إلى إنهاء النظام العالمي الأحادي الذي فرض منذ تسعينيات القرن الماضي مع انهيار الاتحاد السوفيتي، النظام الليبرالي الرأسمالي وكل ما أفرزه من أشكال وأساليب لاستعمار خفي لاسقاط الأنظمة بأساليب مختلفة واستبدالها بالفوضى، تديرها شركات ورؤس أموال يهودية، وعصابات تتنوع أنشطتها بأشكال مختلفة في حروبها الناعمة، وتدخلاتها وغزواتها العسكرية، لاستنزاف ثروات دول عديدة. وفي قلب هذه العملية لا يسمح سوى بازدهار وتربح دول الغرب على حساب بؤس وحرمان دول العالم الثالث، وبالذات الشعوب الإفريقية التي وصلت بها الأوضاع حد الافقار والجوع المميت.
تشقق نسيج التحالف الغربي
لا اعتقد أن هناك اليوم من يراهن على انتصار الغرب في أوكرانيا، بعد المعطيات الدامغة على الفشل الذريع، بل أن استمرار المراهنة ستؤدي إلى “انفجار أوروبا من الداخل” بحسب رؤية الخبير الاستراتيجي الأمريكي مايكل، المحاضر في جامعة روتغرز الأمريكية، وأكد أن الاستراتيجية الروسية المتمثلة في مواجهة طويلة الأمد للعقوبات والضغوط ستؤدي إلى حتمًا إلى ذلك”.
وبعد خمسة أشهر من استكمال الحرب في شرق أوروبا سنتها الثانية، تظهر مؤشرات تشقق في نسيج التحالف الغربي المناهض لروسيا والصين ومن تعاطف أو تعامل معهما، كما ينكشف فشل حرب العقوبات والحصار سواء على روسيا وغيرها من خصوم الغرب، بينما تتكثف وتشتد الأزمات الاقتصادية والسياسية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تظل رغم ذلك ناجحة حتى الوقت الحالي في تجنب حالة الركود الاقتصادي بفضل تمكنها من مواصلة عملية الاقتراض من الاقتصاد العالمي عبر بوابة رفع مديونيتها إلى ما فوق 33 تريليون دولار ومتابعة بيع سندات الخزينة والإبقاء على حصة الدولار الأمريكي مرتفعة في معاملات التجارة الدولية وتسعير جزء كبير من السلع الأساسية وفي مقدمتها النفط.
انقسامات غربية
لم تنجح واشنطن في إخفاء كل التباينات في مواقف أطراف الناتو تجاه موسكو، وإن كانت قد نجحت في التغطية على أعماق الخلافات وتمرير صفقات مخادعة مع موسكو. وقد أثارت قرارات بولندا والمجر وسلوفاكيا بحظر واردات الحبوب الأوكرانية، انقسامات عميقة داخل الاتحاد الأوروبي، بعد أن تحدى الجناح الشرقي داخل الكتلة قرار بروكسل رفع القيود على المنتجات الزراعية الأوكرانية، حسب ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال.
وتحول ملف الحبوب الأوكرانية إلى قضية سياسية بين دول الاتحاد الأوروبي، بعد أن أثار قرار بروكسل إنهاء القيود على مشتريات الحبوب الأوكرانية، في 14 سبتمبر، رفضًا وتنديدًا من الدول الثلاث التي سارعت إلى إصدار قرارات تمديد الحظر.
وأحدثت الخلافات شرخًا في العلاقات بين أوكرانيا وبولندا، أحد أقوى حلفاء كييف منذ بداية الحرب مع روسيا، بعد أن هددت أوكرانيا باتخاذ إجراءات قانونية والاحتكام إلى منظمة التجارة العالمية للحصول على تعويضات.
بالمثل قررت المجر تشديد قيودها على واردات الحبوب الأوكرانية بشكل أحادي، في تحد لقرار المفوضية الأوروبية. وبهذا الخصوص قد “تغلق المجر حدودها أمام 24 منتجًا أوكرانيا” بعد أن كانت تحظر أربعة فقط، بهدف حماية مصالح المزارعين.
وصرح المتحدث باسم رئيس الوزراء السلوفاكي، بيتر ماجر، إن بلاده ستفرض أيضًا حظرًا على الحبوب، وثلاثة منتجات زراعية أخرى.
القرار الأوروبي
كانت بروكسل قد وقعت نهاية أبريل الماضي اتفاقا مع كل من بولندا والمجر وسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا يتيح لها منع شحنات الحبوب الأوكرانية من دخول أراضيها شرط أن لا تحول دون عبورها إلى دول أخرى. لكن الخلاف الذي أعقب ذلك أيقظ التوترات التاريخية بين بولندا وأوكرانيا.
بالمقابل، ترى موسكو أن تصاعد التوتر بين أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين حتمي، وذلك تعليقاً على الخلافات المستمرة بين كييف وبولندا بشأن صادرات الحبوب الأوكرانية. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيين: “نحن ندرك أن التوترات بين كييف وعواصم أوروبية أخرى ستزداد مع مرور الوقت، وهذا أمر حتمي”.
تجاوز العقوبات
استطاعت روسيا كسر حاجز العزلة، ببيع المزيد من نفطها بأسعار أقرب إلى أسعار السوق الدولية.
وقدرت الزيادة المضطردة في أسعار النفط الخام منذ يوليو الماضي، بما لا يقل عن 15 مليار دولار للعام الحالي، مقارنة بالتوقعات السابقة. ويشكل هذا التحول، بحسب خبراء، ضربة مزدوجة للجهود الغربية، لتقييد عائدات روسيا من مبيعات النفط، التي تشكل جزءًا كبيرًا من مداخيل الكرملين.
ولا يقتصر الأمر على بيع نسبة أعلى من النفط الروسي خارج الحد الأقصى فحسب، بل إن استقلال موسكو المتزايد “كبائع” تزامن مع ارتفاع قوي في أسعار النفط، التي تجاوزت 95 دولارًا للبرميل للمرة الأولى منذ 13 شهرًا.
وأوضح الخبير الاقتصادي في بورصة الكويت، بن هيلغنستوك: أنه “بالنظر إلى هذه التحولات في كيفية شحن روسيا لنفطها، قد يكون من الصعب للغاية فرض سقف للسعر بشكل مجد في المستقبل”.
وتابع: “هذا يجعل الأمور مؤسفة أكثر، لأننا لم نبذل المزيد من الجهود لتطبيق تلك القيود بشكل صحيح عندما كان لدينا المزيد من النفوذ”.
وفي المجمل فإن الاقتصاد الروسي، ليس فقط أقوى من الاقتصاد الألماني، بل إنه يزيد على ضعف حجم الاقتصاد الفرنسي. علاوة على ذلك فإن وضع روسيا المسيطر في سوق الطاقة والمواد الخام العالمية، باعتبارها دولة منتجة رئيسة للنفط والغاز الطبيعي والكوبالت والذهب والنيكل والفوسفات وخام الحديد والقمح والشعير، يمنحها نفوذًا مهمًا على الاقتصادات والأسواق، ويجعلها أقل تضررًا من العقوبات وأصعب في إخضاعها للضغوط الغربية، وهذه الحقيقة لم تفت على كثير من دول الجنوب التي ترددت في دعم أوكرانيا. وقد أظهرت حرب أوكرانيا أن الولايات المتحدة لا تمتلك القدرات التصنيعية اللازمة لتلبية احتياجاتها في عديد من السلع الحقيقية. وفي أوروبا قالت بريطانيا “إنها تحتاج إلى عشرة أعوام لاستعاضة مخزون الأسلحة التي منحتها لأوكرانيا، وإعادة تكوين مخزون سلاح مقبول”. وكذلك يواجه الاتحاد الأوروبي مخاطر كبيرة في قطاع التصنيع بعد قطع إمدادات الطاقة القادمة إليه من روسيا.
أخيرًا حان الوقت لكي يعترف الغرب بأنه أخطأ في التقليل من حجم وقوة الاقتصادات المنافسة وبخاصة الاقتصادين الصيني والروسي. وسيتعين على صناع السياسة في الغرب أن يعيدوا تقييم نهجهم الحالي تجاه فن الحكم الاقتصادي، وإدراك أن العقوبات ليست مقاسًا واحدًا صالحًا لكل الدول وفي كل الحالات، خاصة عندما تستهدف دولة تمتلك قوة اقتصادية كبيرة مثل روسيا التي فشلت معها العقوبات بدرجة كبيرة. والمشكلة كانت دائما عبر التاريخ هي أن الإمبراطوريات لا تدرك ساعة أفولها.
2023-10-04