انتفاضة تونس 2016 من المسؤول، ما هي الأسباب وما هي الحلول؟
د. أعلية علاني – جامعة منوبة تونس
من المفارقات العجيبة أن تندلع انتفاضة كبرى في تونس في نفس شهر انطلاقها سنة 2011 فيما أصبح يعرف بالربيع العربي. ومكان اندلاعها لا يبعد كثيرا عن سيدي بوزيد ونعني بذلك محافظة القصرين في الوسط الغربي للبلاد التونسية. وما أن انطلقت الاحتجاجات المشروعة حتى انتشرت بسرعة في كل الجيوب الفقيرة في معظم المحافظات.
واستغل المتربصون بأمن البلاد هذه الأحداث لتكثيف هجومهم على المراكز الأمنية والسيادية واختلط الحابل بالنابل. وضاعت الحقوق المشروعة للمحتاجين وسط مخططات الساعين لضرب التجربة الديمقراطية الهشة بتونس.
لكن هذا لا يمنعنا من القول من أن جزءا هاما من هذه الاحتجاجات نتيجة حتمية لأمرين:
أولا، مخلفات حكومة الترويكا البائسة أمنيا واقتصاديا،
وثانيا، عجز الحكومة الحالية عن اتخاذ القرارات الهامة في خصوص التنمية الجهوية وفي خصوص السياسة الجبائية التي لم تقلص الفجوة بين الطبقات المحظوظة والطبقات المتوسطة والفقيرة، أضف إلى ذلك معركة الكراسي داخل حركة نداء تونس ومحاولة حركة النهضة تدجين الخلافات داخل نداء تونس انطلاقا من ترتيب لقاء بين حافظ قايد السبسي والرئيس التركي أردوغان في السنة الفارطة دون علم قيادة الحزب.
لكن هذا لا يحجب عنا الإشارة إلى أن أسباب انتفاضة القصرين وباقي المحافظات الأخرى لها أسباب سياسية وخاصة اجتماعية.
الأسباب الحقيقية للاحتجاجات
بخصوص الأسباب السياسية نذكر أن ما يسمى بالربيع العربي اختُطف منذ بدايته من طرف الإسلام السياسي ممثلا في حركة النهضة ومن بعض التيارات السلفية الراديكالية.
أما الليبراليون الذين جاؤوا من بعدهم من حركة نداء تونس وأحزاب ليبرالية أخرى فلم يكونوا في مستوى المسؤولية.
حيث أصبحت صراعات المواقع داخل نداء تونس تغطي على الواجبات التي جاءوا من أجلها وهي تلبية شعارات “الثورة”، وغاب البعد الاجتماعي والاقتصادي في برنامج الحكومة.
أما الإسلاميون من حركة النهضة الذين فشلوا في حكومتي الترويكا عادوا ليشاركوا رمزيا في حكومتي الحبيب الصيد، لكن لا برنامج لهم سوى المطالبة بالتهدئة والحفاظ على المناصب التي دجّنوا بها الإدارات والوزارات زمن حكمهم وهو ما سيمسّ من حيادية الانتخابات القادمة البلدية والبرلمانية.
وفي المحصلة فإن الناخبين والرأي العام والمناطق الفقيرة اتحدوا هذه المرة في يناير 2016ليقولوا للحاكمين الجدد وخاصة من حركة نداء تونس وحزب النهضة أن التوافق الذي أحدثتموه وفاق مغشوش لأنه وفاق من أجل اقتسام الغنيمة، وفاق استفادت منه النهضة بشكل رئيسي لأنه تم التراخي في مراجعة التعيينات السابقة التى كرست هيمنة الإسلاميين على الإدارة. وهو أيضا وفاق مغشوش لأن سياسة الطرفين أبقت على فقر الفقير وغنى الغني وتعميق هذه الثنائية لدرجة أن الطبقة الوسطى التي كانت تشكل 80 بالمائة قبل الثورة نزلت في نهاية 2015 إلى أقل من 60 بالمائة.
إن ما حصل في 20 يناير 2016 وما بعده يؤشر إلى بوادر انتفاضة جديدة ربما تتشعب وتتعقد إذا تم التعامل معها بشكل مغلوط. فالإجراءات التي اتخذتها الحكومة مؤخرا تحتاج إلى تفعيل حقيقي وتنفيذ دقيق دون بيروقراطية وإلى تعميمها على كل المحافظات والأحياء التي تشكو الفقر والتهميش. لكن هل تكون كافية لوحدها؟
الحلول المرتقبة
لا بد من وضع هذه الإجراءات العاجلة في إطار رؤية متكاملة للتنمية في علاقة بتعصير الإدارة ووضع نموذج تنموي مقنع وناجع وقابل للتطبيق يحفظ لكل الأطراف حقوقها بعيدا عن المزايدات ويعيد للعمل قيمته ومصداقيته.
ولن يكون نموذج التنمية ناجعا إذا لم يؤد إلى الترفيع في الانتاجية وتنمية الثروة التي ستعود بالفائدة المادية على العامل والمؤسسة.
ولن يكون نموذج التنمية ناجعا إذا لم يكن هناك نظام جبائي عادل وشفاف.
ولا بد من العودة إلى الهدوء لأن حوادث النهب والسلب وحرق المقرات الأمنية والسيادية لن تحل مشكل العاطلين والمُهمّشين بل تزيدها سوءا، ولا ننسى أن الإرهابيين ينتظرون مثل هذه المناسبات لتنفيذ مخططاتهم.
ومن الضروري أن نعطى للحكومة المنتخبة هدنة لاختبار جديتها في تنفيذ وعودها الجديدة. وإذا ما فشلت فإن رئيس الدولة والبرلمان مدعوّان للإعلان عن انتخابات سابقة لأوانها. لكن لا بد من منح الحكومة الحالية فرصة لإجراء إصلاحات هامة ترتكز على 3 أشياء:
1- الإعلان عن خطة مارشال للولايات الثمانية الفقيرة وطلب مساعدات من الداخل والخارج من أجل النهوض بالبنية التحتية من خلال تعميم الربط الحديدي مع كل المحافظات، وتحسين الطرقات المعبدة وتوسيعها وتطوير طاقة المواني والمطارات لأنه بدون ذلك لا يُقبل المستثمرون على الاستثمار بهذه المناطق.
وستستوعب هذه الأشغال الكبري بالثماني محافظات يدا عاملة هامة تمثل حلا أوليا مستعجلا للبطالة المستشرية في المناطق المذكورة والتي تقدر بين 25 و35 بالمائة.
ويكفي أن تعلن الحكومة رسميا عن ذلك وتشرع مباشرة في الإنجاز وتعلن للمواطنين أن المشروع الضخم للبنية التحتية يتطلب عدة سنوات لاستكماله، وبذلك يضمن العاطلون شغلا لعدة سنوات في انتظار أن يتحسن مناخ الاستثمار الخارجي وتصبح طاقة التشغيل أقوى بكثير من الوضع الحالي.
2- العودة إلى الهدوء حتى يتم الضرب على أيدي المضاربين والمهربين الذين يجدون في حالة الانفلات الأمني والاحتقان الاجتماعي فرصة ملائمة لتحقيق أهدافهم.
وإقامة شراكة قوية بين المجتمع المدني والسلطة (رئاسة وحكومة وبرلمانا) للتصدي أوّلا، لمخاطر الإرهاب الآتية عبر الحدود وعبر الخلايا النائمة في الداخل. وثانيا، لمتابعة القرارات التي اتخذتها الحكومة، ومتابعة ما سيتضمنه مشروع مخطط مارشال للجهات الداخلية إذا ما تم تبنّيه رسميا.
3- أن تسرع الحكومة في ضبط خطة أمنية وإدارية جديدة. فالخطة الأمنية تقتضي خلق 3 أنواع من الأقطاب:
قطب أمني يهتم بالمناطق الحدودية غرب وجنوب البلاد،
وقطب أمني يهتم بكل المناطق الساحلية،
وقطب أمني يهتم بالخلايا النائمة في الداخل ويهتم كذلك بالدروس والخطب الدينية التي تُلقى في المساجد ومقرات الجمعيات، وهو ما سيُمكّن من الإطباق على كل المنافذ الذي يتسرب منها التطرف والإرهاب.
أما الخطة الإدارية فتقتضي الإسراع بمراجعة جدية وحقيقية لكل التسميات الإدارية في مختلف درجات الإدارة التونسية التي وضعتها حكومة الترويكا لتفادي أي توظيف حزبي أو انتخابي لهذه العناصر في الانتخابات البلدية والبرلمانية والرئاسية القادمة.
هذه الإجراءات كفيلة أن تمثل خارطة طريق عملية يتم الالتزام مهما كانت الحكومة سواء الحالية أو أي حكومة مرتقبة.
ولا شك أن خارطة الطريق هذه كفيلة بأن تعيد قطار “ثورة تونس” إلى سكّته الأصلية، لأن ذلك سيعيد الأمن والأمان للتونسيين. وعندما تحل الانتخابات القادمة سيصوت المواطن حينذاك على مشروع لا على مجرد وعود.
وختاما نقول أن إقرار حالة الطوارئ ضروري وحبذا لو يكون الأخير حفاظا على أرواح الناس وممتلكاتهم وحفاظا على صورة تونس التي اهتزت كثيرا في الخارج.