تركيا تتهاوى إقتصاديًا ، وأردوغان يستنجد ببوتين!

رنا علوان
شهدت تركيا ارتفاع كبير في مستوى التضخم ، عقب الانتخابات الرئاسية بنسبة 9.1% ، أي ( من 38.2% في يونيو إلى 47.3% ) ، ويتوقع الخبراء انه مع حلول نهاية العام ، سيزداد الوضع سوءًا ، حيث يتوقع البنك المركزي التركي أن يعود التضخم إلى حوالي 60%
وقد ازداد الشح المالي في تركيا على نحو ملحوظ منذ الانتخابات ، فقد رفع رجب طيب أردوغان من الضريبة على البنزين ثلاث أضعاف ، إثر فوزه في الإنتخابات ورفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 2%
ومع نهاية هذا العام ، ستنتهي أيضًا فترة السماح لسداد الديون إلى روسيا مقابل الغاز ، وهذا ما دفع الاخير الى عقد اجتماع مع روسيا
فقد زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مدينة سوتشي الروسية للبحث مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين (العودة إلى مبادرة البحر الأسود) لتصدير الحبوب ، أي المبادرة الروسية لتصدير الحبوب إلى الدول المحتاجة
ويأتي هذا اللقاء بين الرئيسين منذ (أكتوبر/تشرين الأول الماضي) وسط توتر متزايد في منطقة البحر الأسود ، (أعقب إنهاء روسيا العمل بإتفاق سابق) ، يفضي بالاتاح للسفن بشحن وتصدير الحبوب عبر ممر بحري آمن ، مشترطة أخذ مصالحها في الاعتبار ، لإعادة العمل بها
ووعد أردوغان بإدلاء إعلان بالغ الأهمية بشأن تصدير الحبوب في المؤتمر الصحفي الذي يلي اللقاء ، قائلًا إن الرسالة ستكون مهمة للدول الأفريقية النامية التي تمكنت من تلقي حبوب أوكرانية بموجب الاتفاقية قبل أن تنهي روسيا العمل بها في يوليو/تموز الماضي
من جهته ، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن ممرات الحبوب يجب ألا تُستخدم لأغراض عسكرية ، وأضاف خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي اردوغان أن خطوط أنابيب الغاز الروسية إلى تركيا تتعرض لهجوم مستمر
ما يجب الانتباه له هو انه يوجد تضارب في المصالح بين الطرفين ، لأن مصير السياسة الاقتصادية الجديدة يعتمد إلى حد كبير على
قدرة تركيا على الحصول على الطاقة الروسية الرخيصة (أو المجانية) ، والحبوب الروسية والأوكرانية الرخيصة
في المقابل قدرة روسيا على تحمل أعباء هذه المساعدة ، فقد تفاقم وضع الميزان التجاري الروسي لعام 2023 بشكل كبير ، ما أدى إلى هبوط كبير للروبل
وعليه فقد ارتفع ثمن فترة (سماح جديدة) لسداد ديون تركيا مقابل الغاز الروسي لكلا الطرفين بشكل كبير ، فيما تضاءل احتمال منحها
لكن روسيا ستكون مع حلول نهاية العام 2024 بحاجة الى تركيا لان عقد ( شركة غازبروم ) سينتهي ، وبالتالي ستكون تركيا هي الطريق الوحيد لتصدير الغاز الروسي عن طريق الأنابيب من الجزء الأوروبي من روسيا ، ويُعدّ إنشاء مركز غاز محتمل في تركيا مفيدًا للغاية لكلا البلدين
كما يمكن لمحطة الطاقة النووية التي تبنيها روسيا في تركيا أن تقلل بشكل كبير من احتياج تركيا لواردات الطاقة ، ما يحسن الميزان التجاري للبلاد
فضلاً عن نتيجة التعاون السابق ، فقد ارتفعت حصة روسيا في الصادرات التركية من 1.9% عام 2022 إلى 5% عام 2023 ، فيما تكسب تركيا مليارات الدولارات من خلال إعادة بيع البضائع الغربية إلى روسيا
ما يدفع روسيا لأخذ الحيطة والحذر هو مكر اردوغان فهي باتت تواجه مشكلة ثقة معه ، بعد ان قدمت له الدعم قبل الانتخابات ، وبعد الانتخابات بدأ أردوغان يبتعد عن روسيا
بالطبع ، في العديد من القضايا ، لدى أردوغان علاقات معقدة مع الولايات المتحدة ، لكنها قريبة في العديد من القضايا الأخرى أيضًا
كما ان اردوغان قام بتسليم مقاتلي آزوف لأوكرانيا ، ولم يتهاون ايضًا في التأكيد بمعظم خطاباته على حقيقة أنه لا يعترف بملكية روسيا لشبه جزيرة القرم وما إلى ذلك
والجميع يدرك إهتمام تركيا أيضًا بالحفاظ على وصول أوكرانيا إلى البحر ، والقضاء على بريدنيستروفيه الموالية لروسيا
بل إنها مهتمة أكثر برفع رهانات الغرب في الحرب ضد روسيا ، وربما تكون موسكو على استعداد لدفع المزيد للحفاظ على نافذة التجارة التركية وحيادها
كما انه في الآونة الأخيرة ، قامت روسيا بتدمير البنى التحتية للموانئ المتبقية في أوكرانيا ، بينما لم يعد هناك معنى اقتصادي كبير في ممر النقل ، وإن إنشاء ممر بحري من شأنه أن يسبب ضررًا كبيرًا لسمعة روسيا، ويخلق احتمالًا لنشوب صراع آخر بالوكالة ، ما سيفتح الباب أمام مزيد من الصعوبات لروسيا في سياق الوضع العام
ناهيك عن اقدام فلاديمير زيلينسكي على تعيين رستم عمروف من تتار القرم المعروف بعلاقاته مع تركيا وزيرًا للدفاع ، ما يشير إلى جهود تبذل لإشراك تركيا بشكل أكبر في الحرب إلى صف أوكرانيا
ما تتخوف منه روسيا ايضًا انه في حالة عدم تجديد صفقة الحبوب ، فقد تقرر تركيا استخدام أسطولها لتأمين ممر بحري إلى أوكرانيا
وعليه يدفع الوضع الجبهة الروسية إلى ضرورة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وفعالية ، ما يقلل من احتمالية التوصل إلى تسوية مع تركيا بشأن صفقة الحبوب ، في الوقت الذي لا يسمح الوضع الاقتصادي في روسيا بمزيد من الكرم المفرط
في الختام ، لقد صرّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يومًا بحق اردوغان قائلاً [“حينما تلتقي مع اردوغان لا تشعر بأنّك تقابل زعيم دولة بل تشعر بأنّك تقابل زعيمًا لكوكب آخر”]
فمهارة هذا الرجل ومكره في لعبة السياسة تتلخّص في قدرته على فعل ثلاثة أشياء متناقضة ، لا بل وشديدة التعقيد
أولاً ، قدرته على فعل الشيء ونقيضه [ إشعال الحرب ثمّ الدعوة إلى السلام ، الهجوم ثمّ الانسحاب ، الدعم ثمّ المنع، التقدّم ثمّ التراجع ، الهزيمة ثمّ الانتصار ]
ثانيًا ، قدرته على استغلال الأزمات المحليّة والإقليمية أو الدولية وتحويلها إلى فرص لتحقيق المكاسب
ثالثًا ، قدرته على الالتفاف الكامل والتراجع عن أيّ موقف شريطة أن يحصل في النهاية على الثمن المناسب محقّقاً الأهداف المنشودة
2023-09-07