التموضع التركي غرباً وامتحان صفقة الحبوب!
هدى رزق
شكّلت موسكو حبل خلاص لإردوغان في عام 2022، محاولةً إنقاذ تركيا من التضخم الذي وصل إلى 64%، بحيث مدّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بالغاز، مع تأجيل الدفع حتى عام 2024.
التحوّلات في مواقف تركيا وخياراتها حيال دول المنطقة تسير وسط المتغيّرات والتوازنات الدولية، وهي تعلن، من خلال رسم معالم سياستها الخارجية الجديدة، تمسكها بعلاقاتها الاستراتيجية بالغرب، وبموقعها ودورها في حلف شمال الأطلسي. منذ نهاية عام 2020 بدأت مراجعة سياساتها والبحث عن فرص استراتيجية إقليمية. أقرت سياستها الخارجية بدوافع سياسية واقتصادية وأمنية متعددة من جانب فريق عمل يضمّ خبراء في جميع الاختصاصات والتجارب الخارجية والداخلية، عبر توجيهات من الرئاسة التركية. وذهبت إلى تطبيع علاقاتها مع العواصم الخليجية والانفتاح على “إسرائيل”.
أوصلت مراجعة السياسات والمواقف أنقرة إلى قناعة ذات طابع استراتيجي إقليمي من خلال التنسيق مع سائر اللاعبين في المنطقة، بدلاً من الدخول في مواجهات واصطفافات لن تفيدها. هدف أنقرة في المرحلة المقبلة إنشاء حزام من الأمن والسلام في الإقليم مع مراجعة العلاقات الجيوسياسية والجيواستراتيجية، والتي تعني أنقرة. وهي تسعى كي تكون خزّان الطاقة الإقليمي، ومركزاً لإنتاج الأسلحة الحديثة وبيعها.
يَعُدّ بعض المعارضة التركية أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بدأ التعامل مع قضايا السياسة الخارجية بمسؤولية أكبر، فهو أحدث تغييرات جادة في سياساته مؤخراً، وبدأ يتصرف كلاعب سياسي مهتم بإرثه كرجل دولة. يأتي هذا الرأي ليُشيد بسياسة الرئيس في علاقته بالحرب الأوكرانية الروسية، وإغلاقه المضيق التركي في الدردنيل والبوسفور أمام السفن الحربية الروسية، وعزمه التزام كل نقطة من اتفاقية مونترو لعام 1936، بشأن حركة المرور البحري عبر المضائق التركية والبحر الأسود.
رؤيته الجديدة بشأن السياسة الخارجية التركية، وجرأته على انتهاك اتفاق تبادل الأسرى مع موسكو من دون إخطارها “بشأن نقل السجناء”، وتغير رأيه في عضوية السويد في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بعد أن أبدى تحفظات طوال أكثر من عام، وفرضه شرطاً في اللحظة الأخيرة يقضي بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ومطالبته بقبول أوكرانيا في الناتو، مع توقيعه اتفاقية تصنيع الطائرات المسيّرة التركية في أوكرانيا مع زيلينسكي، وإعلان مزيد من التعاون العسكري بين أنقرة وكييف، نالت جميعها رضا المعارضة التركية، التي كانت تتهمه بأنه أيديولوجي، وهي ترى اليوم أنه يعمل لمصلحة تركيا عبر التوجه نحو الغرب، وإقامة علاقات تتلاءم مع انتمائه إلى الناتو، وتَعُدّ أن أردوغان تعلّم من أخطائه السابقة، مثل شراء الأسلحة من روسيا، الأمر الذي أدّى إلى طرد تركيا من الكونسورتيوم، الذي كان يقوم ببناء طائرات مقاتلة متقدمة من طراز F-35، إلى جانب عقود الإنتاج. وهو اليوم لا يزال ينتظر موافقة الكونغرس على شراء طائرات F-16 جديدة ومعدات تحديث لها، وترى أن التكلفة، التي كانت ستتحملها تركيا من جرّاء الابتعاد عن الغرب، كانت ستكون مؤلمة بعد الأزمة الاقتصادية والزلزال.
هل تتخلى أنقرة عن العلاقة بروسيا
شكّلت موسكو حبل خلاص لإردوغان في عام 2022، محاولةً إنقاذ تركيا من التضخم الذي وصل إلى 64%، بحيث مدّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بالغاز، مع تأجيل الدفع حتى عام 2024. وساهم القمح الروسي الرخيص، والغاز والنفط الروسيان، في خفض التضخم في تركيا إلى النصف تقريباً في النصف الأول من عام 2022. ستُضطر تركيا إلى تسديد ديون روسيا، وستحاول العثور على أموال لشراء الغاز الروسي للعام المقبل 2024. لدلك، فإن أي خلاف مع روسيا يعني، بالنسبة إلى تركيا، كارثة اقتصادية وتعقيداً للوضع بالنسبة إلى روسيا. فإذا كان الخلاف مع تركيا سيؤدي إلى نوع مع المشكلات لروسيا، فإنه يعني بالنسبة إلى تركيا مشكلة اقتصادية فورية.
أطلق الرئيس التركي الوعود بقبول انضمام السويد إلى “الناتو”، وطلب دخول تركيا للاتحاد الأوروبي، وجدّد صداقته مع واشنطن، لكنه يدعم، بصورة غير متوقَّعة، مطالب موسكو بشأن صفقة الحبوب. لذلك، لا تشدُّدَ حادّ في سياسة أنقرة تجاه موسكو إلّا في حال منحت واشنطن المساعدات المالية لأنقرة. لكن، في ظلّ العجز في الموازنة الأميركية، والتوجه نحو الركود، ومحاولات خفض الإنفاق، لا يمكن لأنقرة الحصول على المساعدات المطلوبة. فهل تكفي العقود مع دول الخليج لإنقاذ الاقتصاد التركي المتدهور.
تلتقي تركيا وروسيا في أكثر من ساحة، فيها الحسابات والمصالح في سوريا وليبيا والقوقاز والبلقان والبحر الأسود. انزعج الغرب من نجاح العلاقة الثنائية بين الرئيسين إردوغان وبوتين. ومع أن الحرب الروسية – الأوكرانية شكلت اختباراً مهماً وصعباً للسياسة الخارجية التركية، ومحاولتها الموازنة بين علاقتها بالولايات المتحدة وموسكو، فهي نسجت علاقات بروسيا، طالت مشاريع الطاقة العملاقة للاقتصاد والسياحة، وتم إبرام تفاهمات في مناطق النزاع.
كان خيار أنقرة “الحياد الإيجابي” في الحرب والتمايز عن الموقف الغربي عنواناً لسياستها، فهي لم تنخرط في العقوبات الغربية على روسيا، وأدّت دور الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، الأمر الذي أثمر اتفاقاً لتصدير الحبوب وتفاهماً لتبادل الأسرى. وما زالت أنقرة تأمل أن تستأنف وساطتها سعياً لإنهاء الحرب، وهي لا تريد التصعيد في منطقة البحر الأسود. الطريق الوحيد للمحافظة على تصدير الحبوب إلى الأسواق العالمية هو البحر الأسود عبر تركيا. وكانت موسكو قامت بتفتيش سفينة الشحن “سوكرا أوكان”، وهي سفينة شحن أجنبية متجهة إلى ميناء إسماعيل الأوكراني، اتضح أنها تركية لم تستجب لطلب التوقف للتفتيش بهدف التأكد من عدم وجود بضائع ممنوعة على متنها، فاضطرت السفينة الروسية إلى إطلاق طلقات تحذيرية من أسلحة آلية. وكانت السلطات الروسية أعلنت، في وقت سابق، أنه بعد وقف العمل بمبادرة حبوب البحر الأسود وإغلاق الممر الإنساني البحري، سينظر إلى جميع السفن المتجهة إلى الموانئ الأوكرانية في مياه البحر الأسود على أنها ناقلة محتملة للبضائع العسكرية، وبالتالي ستخضع للتفتيش إذا لزم الأمر فيما عدّه بعض الاعلام التركي ردَّ فعل روسياً ضد توجهات تركيا السياسية وتموضعها، بينما فهم إردوغان الرسالة الروسية.
موسكو، التي اتخذت قراراً حازماً بانسحابها من اتفاق الحبوب في 17 يوليو/تموز الماضي، تصر على تلبية مطالبها التي رفض الغرب الاستجابة لها، وكان الرئيس الروسي أعلن استعداد موسكو للعودة إلى صفقة الحبوب بعد تنفيذ عدد من الشروط، على رأسها إزالة كل العقبات أمام البنوك والمؤسسات المالية الروسية التي تخدم توريد الأغذية والأسمدة، والعودة إلى نظام “سويفت” الدولي للتعاملات المصرفية. كما تشمل الشروط إعفاء صادرات الحبوب والأسمدة الروسية وتوريد المكونات وقطع الغيار للمعدات الزراعية من العقوبات.
وكان الرئيس بوتين أكد، خلال القمة الروسية – الأفريقية، عزمه مقابلة إردوغان، مشيراً إلى أنه “إما أن يأتي إلينا وإمّا سأزوره”. وكان إردوغان قال إن رد فعل روسيا على الأخبار المتعلقة بالإفراج عن قادة آزوف كان سلبياً في البداية، لكن “بعد أن اتضحت بعض التفاصيل أصبح الوضع إيجابياً”. يتفق الجانبان الروسي والتركي على أن تعليق “صفقة الحبوب” أو “مبادرة حبوب البحر الأسود” فترةً طويلة “لن يكون مفيداً لأحد.
هل سيكون في مقدور الرئيس التركي، الذي أعطى الناتو موافقته على عضوية السويد، وأعاد تموضعه مع الأطلسي، أداء دور الوساطة وإقناع الغرب بقبول شروط موسكو؟ أم ستبدو تركيا الجديدة متلقية وغير قادرة على إحداث أي خرق نوعي في علاقتها بالغرب، حتى لو كان الأمر في مصلحتها؟
2023-08-27