النزق والإنتهازية والمراهقة اليسارية!
عماد قطنيه
هناك أحداث تستدعي أحيانا التطرق لها كحالة تفرض نفسها … النزق والإنتهازية والمراهقة اليسارية التي بعض اشكالها تكثف في الآونة الأخيرة على شكل هجوم متواصل على حزب ما من قبل محتجين بداعي الحرص والإخلاص لنهج المؤسسين بغض النظر عن حسن النوايا .. حذار من الإنزلاق بها في الوقت الذي يتأهب فيه الأعداء للإنقضاض والتصفية كمشروع دائم .
السياسة والفكر والعمل الحزبي أو التنظيمي , قضايا انتماء وليس ترفا يتداوله البعض في المنابرات أو التصيد والفذلكة الكلامية هنا أو هناك .
وليس من الفراغ إفراد عنوان رئيسي في في أدبيات الأحزاب اليسارية تحديدا , هي الإستراتيجيات السياسية والتنظيمية الهادفة الى الحفاظ على الوحدة الفكرية وصلابة التنظيم وديمومة العلاقة بالجماهير ومن ثم تأمين ظروف ومعطيات التطور على طريق الوصول الى الأهداف .
كما ليس من الفراغ إقرار النظام الداخلي الضابط للعلاقات وآليات البناء والعمل و ممارسة الحقوق والواجبات , في الهيأة الأعلى المسمات مؤتمرا وطنيا , بصفتها المرجعية العليا في كل مرحلة أو دورة انعقاد .
وطبيعي أن تُحال المسؤولية والصلاحيات القيادية في الفترات الفاصلة لهيئات منتخبة حازت على شرعية المؤتمرالوطني أو المؤتمرات الأدنى . وطبيعي ايضا أن تلتزم هذه القيادات بالبرنامج المُقر في هذه المستويات مع صلاحية الإجتهاد والمبادرة والإبداع , لتخضع لاحقا للمحاسبة في مرجعياتها , مع تأكيد حق النقد والنقد الذاتي ضمن الهيئات تحديدا , لدرء تراكم الأخطاء ومسارعة علاجها وتصويبها , كما تنص اللوائح الداخلية .
وظيفة النظام الداخلي أن يضبط الأمور في سياقها ومنع فلتانها أو النيل من فلسفة وجودها ومبرراتها , والحيلولة دون الإنفلاش أو تشكل التكتلات ونمو الطفيليات التي ستتغذى على حساب وحدة الحزب وصلابته وثبات بوصلته وتركيز جهده . لذا فإن أحد أهم شروط العضوية الحزبية هو الإقرار الطوعي بالنظام الداخلي والإسترتيجية السياسية والتنظيمية والوحدة الفكرية , وذلك من خلال فترة تدريبية على أساسها يتم القبول أو التمديد أو الرفض .
لكن هذه النصوص والإجراءات لا تلغي ولا تنفي حصول اختراقات وتجاوزات وتعديات مَرَضية تهدد وحدة الحزب وسلامته . وهي تعود لأسباب انتهازية لها صلة بالرغبات في الوصول الى القيادة بأساليب لا تنظيمية وأفكار منحرفة حاملة معها أمراضها الطبقية وطموحها الشخصي, أو نزق أساسه انعدام النفس الطويل والقدرة على العمل الجماعي متباين الآراء , أو طفولية تنجم عن عدم اكتمال ونضج تربية تنظيمية أو فكرية وسياسية , أو حرق مراحل في التراتبية الحزبية بما يسمح بالوصول الى المواقع مع خلل في الشروط .
ومن الملفت أن هذه الإنتهازية عادة ما تمتلك الأداة و القدرة على التنظير والفذلكة ( التي هي سمات البرجوازية بشرائحها) , وانتهاز الفرص أو الظروف الضاغطة للنيل من الخصوم الحزبيين والتشهير بالمواقف وإثارة الجدل والبلبلة لخلق جو ضاغط يسمح بتشكيل تيارات وتكتلات تتحلق حول بعضها من أجل كسب تنازلات لا صلة لها بالمصلحة الحزبية أو التصحيح . وهذا يتم عادة من خلال إخراج النقاش من موضوعيته و دوائره الى ما هو ابعد داخليا , وأيضا بالخروج للشارع تحت مبررات حرية الرأي والحق والحرص على منع الانحراف وصيانة المكتسبات والحفاظ على التاريخ أو امتلاك تاريخ .
إن الإنتهازية اليسارية لا تقل خطورة عن اليمينية في تأثيراتها وأضرارها كونها تستقطب قطاعا من البسطاء إضافة وتعمل على خلخلة الوحدة الداخلية , في حين أن الخصوم الخارجيين عادة ما يوحدوا صفوف الحزب في مواجهته .
إن أي ادعاء لا يبرر النزول بالخلافات الداخلية , سياسية كانت أم تنظيمية الى الشارع ووسائل التواصل التي هي وسائل اعلامية , بما يضر بصورة وحدة الحزب وسمعته وتاريخه ويشكك في قيادته ومصداقيته , سيما إذا ترافق ذلك بإدعاءات وإسقاطات لا منطقية وتفتقر الى الكثير من المصداقية , وترتكز الى ذاتية مفرطة ومزايدة في العديد من المواقف .
هناك حالة سياسية لا تعجبني أو تعجبك , نجتهد في كيفية التعاطي معها رغم اتفاقنا على ماهيتها , فنختلف دون المساس بالجوهر في التقييم والمراهنة الإستراتيجية , وهذا ما ستحكم عليه التجربة , وليس التعنت خلف الإنشداد الإستراتيجي على حساب التكتيك , كما ليس التمترس خلف التكتيك على حساب استباحة الإستراتيجي . هذا التوازن هو المنطق والقانون الذي يحكم القرار , وفي الخلاف نخضع للتصويت ونتحاسب على النتائج .
2023-08-23