انطون سعادة..!
رنا علوان

إننا نحبّ الحياة لأننا نحبّ الحريّة ، ونحبّ الموت متى كان الموت طريقا إلى الحياة
انطون سعادة ، هو قائد ومفكر شجاع ، حارب الاحتلال من دون هوادة ، واعتقل ثلاث مرات ما بين 1935 و1937 واضطر إلى مغادرة البلاد سرًا وبسرعة بعدما كشف مؤامرة لاعتقاله للمرة الرابعة
ورغم نفيه القسري حيل بكافة الوسائل السماح له بالعودة ، وكانت التقارير عن نشاطه القومي في المغترب تصل تباعًا إلى المخابرات الفرنسية والأميركية كما ثبتت الوثائق السرية التي أصبح بالإمكان الاطلاع عليها في البلدين
ولدفي آذار/ مارس عام 1904 في بلدة الشوير في جبل لبنان ، دعا بوضوح إلى تأسيس حركة نظامية معاكسة للحركة الصهيونية ، وإلّا فإجراءات الحركة الصهيونية سيكون نصيبها النجاح ، إن لم تجد من يحول دون ذلك
وخلال عمله في الجريدة أولاً ، ثم في المجلة انكبّ أنطون على الدراسة ، فدرس البرتغالية والألمانية والروسية وتوسع في علوم التاريخ والاجتماع والسياسة
مقالاته التي كتبها بعد الاحتلال الصهيوني لفلسطين عام 1948 ، هي دروس في الجغرافيا السياسية العربية ، ودليل على صحة رؤيته أن الأمة السورية ذات مصير مشترك في فلسطين والعراق ولبنان والأردن والشام والكويت وشبه جزيرة سيناء
وهذه الأمة ، هي مناطق المواجهة والاشتباك مع الإمبريالية الأميركية ومع المشروع الصهيوني التخريبي في سورية الكبرى
في خريف 1932 ، أسس سعاده “الحزب السوري القومي” بصورة سرية من أربعة أعضاء فقط ، وكانت المواد الثقافية التي قامت عليها الدعوة في أول عهدها قليلة تقتصر على نصوص المبادئ ، أما غيرها فأتى بعد ذلك
تأسس الحزب السوري القومي ، في بيروت كحزب معادٍ للإمبريالية ، وقد لعب دورًا في السياسة اللبنانية ، وشارك في محاولة الانقلابات في عامي 1949 و 1961 وبعد ذلك تم قمعه بشكلٍ كامل
ففي الأول من حزيران/يونيو سنة 1935 ، أقام الحزب اجتماعه ، في هذا الاجتماع تعرّف الأعضاء إلى سعاده كزعيم للحزب في موقع رسمي بعد أن كانت ظروف العمل الحزبي السري وطبيعة الاعتناق التتابعي لا تسمح بظهور هذه العلاقة المميزة إلى العلن الحزبي
وبعد نجاح هذا الاجتماع وصلت إلى مسامع سعادة معلومات تفيد أنّ سلطات الانتداب تشك في وجود الحزب ، ولعل سعاده شعر بعد نجاح المؤتمر الأول أنّ الحزب قد اجتاز مرحلة الاختبارات السرية وأنّ اضطراد نموه يحتاج إلى الظهور العلني ، فبدأ يفكر بجدية في أسلوب الإعلان عن وجود الحزب لكن سلطات الاحتلال كانت الأسبق إلى العمل وقامت قواتها باعتقال سعاده وعدد من معاونيه يوم السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1935 ، بتهمة “تشكيل جمعية سرية هدفها الإخلال بالأمن العام والإضرار بأراضي الدولة وتغيير شكل الحكم”
لقد كان الاعتقال الاول ، امتحان لأهلية الحزب الجديد وامتحانًا لأهلية سعادة للقيادة والمواجهة العلنية الصريحة مع القوى المناهضة للحزب. وظهرت خلال مراحل السجن الأولى ثم المحاكمة مميزات عدة من شخصية سعاده ، إذ أعلن لمعتقليه عن مسؤوليته الكاملة عن تأسيس الحزب ، شفويًا وخطيًا ، وآزر معاونيه على تحمّل أعباء الأسر
صدر حكم المحكمة المختلطة (فرنسية ــــ لبنانية) بسجنه ستة أشهر أكمل خلالها مؤلفه العلمي نشوء الأمم
عند خروجه من السجن يوم 12 أيار/مايو 1936 ، وجد سعاده نفسه أمام عدّة متناقضات على الساحة السياسية والحزبية
علنية الحزب جعلته هدفًا واضحًا للقوى المعادية وللمؤسسات الدينية والسياسيين التقليديين
ثم إنّ العمل العلني أوجد ضرورات لتغيير أسلوب العمل وجعل سعاده يتحمل أعباء دور القيادة السياسية والزعامة الحزبية بشكل أكثر كثافة من ذي قبل. فتحوّل “الأستاذ” والمفكر العائد من المهجر والقائد السري إلى زعيم سياسي من نوع جديد
أصبح الحزب في المقاومة ضد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وخلال احتلال جنوب لبنان حتى عام 2000 مع إستمرار دعمه للوجود السوري في لبنان انطلاقًا من اعتقاده بالقومية السورية
مبادئ الإصلاح
يعتمد الحزب على مبدأ التنظيم المركزي ، ويؤمن بفصل الدين عن الدولة ، منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين ، إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب ، وبأهمية تحقيق العدالة الاجتماعية ،
إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة
وإعداد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن
للحزب فرقة عسكرية تدعى [نسور الزوبعة ] ، ونفّذت عددًا من العمليات ضد العدو الاسرائيلي إسرائيل أشهرها عملية سناء محيدلي
انقسم الحزب في السابق إلى مجموعة أجنحة ، غير أنه توحد مجددًا في قيادة مشتركة مقرها بيروت
وفي سوريا أصبح الحزب قوة سياسية رئيسية في أوائل الخمسينيات، ولكن تم قمعها بشكل كامل
وبحلول أواخر الستينيات انضم الحزب إلى اليسار وتحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية والحزب الشيوعي اللبناني ، على الرغم من التناقض الإيديولوجي الذي لا يزال قائمًا فيما بينهم
وفي عام 2005 ، تم إضفاء الشرعية عليه في سوريا
من اقواله المأثورة
مارسوا البطولة ولا تخافوا الحرب بل خافوا الفشل
إن الحياة كلها وقفة عز فقط
كل نظام يحتاج إلى الأخلاق ، بل إن الأخلاق هي في صميم كل نظام يمكن أن يكتب له أن يبقى
قد تسقط أجسادنا أما نفوسنا فقد فرضت حقيقتها على هذا الوجود ولن تزول
نحن لا نرضى إلا حياة الأحرار ، ولا نرضى إلا أخلاق الأحرار
كلنا نموت ، ولكن قليلين منا من يظفرون بشرف الموت من أجل عقيدة
نحن لا نُستفز بمُستفز بل المُستفز يُستفز بنا
إن أزكى الشهادات شهادة الدم
إن كنتم ضعفاء وقيتكم بجسدي ، وإن كنتم جبناء أقصيتكم عني ، وإذا كنتم أقوياء ، سرت بكم إلى النصر
إن سر النجاح ليس في النظام بل في القوة التي تحرك النظام
كلما بلغنا قمة ، تراءت لنا قمم أخرى
يجب أن أنسى جراح نفسي النازفة لأضمد جراح أمتي البالغة
إن العمل عظيم ولكن اذكروا دائما أن قوتنا عظيمة
لا يهمني كيف أموت بل من أجل ماذا أموت
نحن لسنا بهذه الصعوبة وهذه الصلابة في السياسة التي يتصورها الواهمون الجاهلون ، ولكننا لسنا بهذه السهولة في معترك العقائد
لا يمكننا أن نربح الأرض ونحن نقتتل على السماء
إذا كان لابد من هلاكنا ، يجب أن نهلك كما يليق بالأحرار لا كما يليق بالعبيد
إني لا أريد انتصارًا باردًا هيّنًا بدون حرب
نحن لسنا مستسلمين ، نرى في الحياة متاعب ونرى أننا قادرون على حمل المتاعب والإنتصار عليها
إن أشد حروبنا هي الحرب الداخلية ، وهي آلمها وأمرها ، لأنها بيننا وبين فئات من أمتنا نعمل على رفعها وتعمل على خفضنا ، نريد لها العز وتريد لنا الذل ، نتوجه إليها بالاحترام وتتوجه إلينا بالاحتقار ، نأتيها بالجد وتأتينا بالاستهزاء
إن الحركة القومية الاجتماعية هي حركة صراع وتقدم لا حركة استسلام وقناعة ، إنها ليست مستعدة للتنازل ، بل للانتصار
المجتمع معرفة والمعرفة قوة
إن آلامًا عظيمة ، آلامًا لم يسبق لها مثيل تنتظر كل ذي نفس كبيرة منا
نحن لسنا أمة حقيرة ، قليلة العدد ، فقيرة الموارد ، معدومة الوسائل ، نحن أمة قوية عظيمة ، قوية بمواهبها ، غنية بمواردها ، نشيطة بروحها
سعادة أعدمته الحكومة اللبنانية بعد محاكمة عاجلة إثر تسليمه من قبل حسني الزعيم ، خلال الحرب الأهلية اللبنانية الأولى
ففي فجر الثامن من تموز/ يوليو 1949 تم إبلاغ سعادة أن رئيس الجمهورية رفض العفو عنه ، وأن الحكم سينفذ فورًا
تم تكبيل يديه وقدم له فنجان من القهوة ، فشربه وطلب رؤية زوجته وبناته الثلاث اللاتي كن انتقلن إلى سوريا ولا يزلن هناك غير عالمات بمصيره ، لكن طلبه رفض ونقل بسيارة عسكرية إلى المكان الذي أعد لتنفيذ الحكم في منطقة الرمل العالي
بعد أن ربطت يداه إلى عمود ، عصبت عيناه ، وجثًا على ركبتيه ، واصطفت فصيلة الإعدام وأطلقت عليه النار
وكانت الساعة الرابعة والربع فجرًا
نقلت جثته في نعش أبيض إلى كنيسة مار إلياس في بيروت ، حيث صلي عليه قبل دفنه
وهكذا اغتال الوطن شخصًا مثقفًا ومقاومًا ، فقط لانه اراد له الكرامة والحرية
2023-07-11