
لم يعد حرق القرآن مقتصرا على الدنماركي المتخلف عقليا راسموس بالودان. خرج علينا الآن عراقي، وآخر مصري ليفعلا الشيء المشين ذاته. هل هي حمى الربع؟ هل هي موضة؟ هل هي تجارة رابحة؟ أم ماذا؟
هذه ليست القضية
لو كان الأمر متعلقا بالصراع بين الإيمان والإلحاد، أو بين الإسلام ودين آخر، لكنا نقول إن جوهر القضية له جانبان: قراءة القرآن من جهة (والقرآن يشكل ما نراه الخط الأول في الفكر الديني الروحي، وليس الفكر الديني التجاري)، وقراءة أو دراسة ما يخالف القرآن أو يناقضه – وشر مثال على ذلك نظرية داروين في التطور من جهة أخرى.
لو كان الأمر كذلك لقلنا إننا نترفع أصلا عن الجدال في الله، فالله حقيقة مطلقة. كل ما نحتاج إليه هو أن ننقي رؤوسنا من آثار أربعة عشر قرنا من مساعي الفقهاء والشيوخ لتشويه صورة الله. أما الرسول الأكرم، فكنا سننظر فيمَ يعادونه إن لم يكن شجرة باسقة أصلها في الأرض وفرعها في السماء. وأما القرآن، فننظر فيمَ يحرقونه إن لم يكونوا متيقنين من كونه كتابا ذا قيمة استثنائية.
نعرف جميعا الجدال القديم حول ما إذا كان القرآن منزّلا، فمنهم من يتقول بأن الرسول هو كاتبه؛ ومنهم من يقول إن الرسول أخذه من الحضارات السابقة على عهده؛ ومنهم من يدعي أنه كتب بقرنين بعد الرسول؛ ومنهم من يقول إنه محرف. هل نحن حقا بحاجة إلى النقاش في هذه السفاسف؟ حسنا، لنقل كلمتين.
ما أفهمه شخصيا من القرآن يجعلني أصارح نفسي “لو أن القرآن كان من عمل الرسول الأعظم محمد …..” – لا أكمل، بل أنتهي إلى الذوبان في عشق الرسول الأعظم. يستحيل أن يوجد إنسان يحمل هذا الكم الهائل من العلم، والحكمة، والخير، والنبل! يستحيل أن يكون بشرا، لكنه بشر {قل إنما أنا بشرٌ مثلكم …}!
وإن كانت العرب قد قالت هذا الكلام حتى بعد قرنين من عهد الرسول، فإن الأمر يؤدي بي إلى عصبية قومية عميقة. إن صح ذلك فهو دليل على أن العرب أمة استطاعت قبل كل هذه القرون إنتاج فكر على هذا المستوى في النفس الإنسانية، والفلك، وطبقات الأرض، والخلق، واللغة، والمجتمع، والحقوق والتشريع في القانون الجنائي، وقانون الأسرة، والإرث، وغير ذلك. إذن، ما أروع أن تكون عربيا! وسؤالي: من كان بهذه العبقرية، فيؤلف كتابا كالقرآن، فلماذا تراه ينسب الكتاب إلى غيره؟
وإن كان محمد أخذ كل ما في الكتاب من العلوم السومرية، والبابلية، والسريانية، والفارسية، والهندية، والفرعونية، فما أعظم محمدا فهو أول إنسان موسوعي في العالم، فكان يلم بأديان، وفكر، وتاريخ، وقبل هذا وذاك بلغات كل الشعوب ذات الحضارات. ثم يصوغ كل ذلك بلغة عربية لا يرقى إلى مستواها البلاغي إنسان. أم أنه كان مترجما أيضا؟
محمد إنسان لم يُخلق مثله في البلاد، وكتابه أعجب كتاب في تاريخ البشرية على الإطلاق.
أمحمد هو القائل {يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها }؟ من أين جاء بهذا التصور؟ أنا خبرت ذلك ذات ليلة ليلاء على ارتفاع تسعة وثلاثين ألف قدم. أمحمد هو القائل {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}؟ حضرت محاضرة لبروفيسور دنماركي مرموق يظن أن أبحاثه هي الأولى في كشف حقيقة النفس الإنسانية، فيقول ما تقوله الآية نفسها. أمحمد هو القائل {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}؟ في كل الأنظمة القانونية في الدول العصرية يسري القانون حتى على الذين لا يعرفونه. في القرآن فقط هذه الالتفاتة العظيمة بأن من لم يأته رسول لا يُحاسب. أمحمد هو القائل {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا}؟ تصفح الإنترنيت لترى حجم الجدل فيما هو حق ساطع كالشمس. أمحمد هو القائل {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}؟ إذن، لم يكن محمد بشرا، ولو أني لم أكن أؤمن بالله، لكنت … – لا أكمل.
وبعد كل ما يقولون فيه، لماذا يحرقونه؟ ماذا يستفيدون من حرقه؟ إن من يعرف القرآن يزداد تمسكا به مع كل إساءة إليه.
نعود الآن إلى الوجه الآخر من الجدال متمثلا بنظرية البريطاني تشارلز داروين. إن وضع هذه النظرية مقابل القرآن لا يحمل أية إشارة تساوٍ لا في القيمة ولا في الأهمية. ما يستوجب التقابل بينهما هو أن نظرية داروين تعتبر الكتابً “المقدس” للملحدين، بينما القرآن، كما ذكرت سابقا، هو الخط الأمامي في جبهة الدين الروحي! ولعل أدق تعبير عن هذه المفارقة هو وضع الظلمات مقابل النور {أم هل تستوي الظلمات والنور}؟
عند الحديث عن داروين في سياق عربي، فلا بد من التنويه إلى أن هناك وهما كبيرا يسود في أذهان الكثير من العرب، ألا وهو أن داروين كان عالما وباحثا في البيولوجيا. ويترتب على ذلك أن علماء البيولوجيا وحدهم يمكنهم تأكيد أو دحض ادعاءاته. بعبارة أخرى أنه ليس من حق عالم لغوي، أو رجل دين، أو طيار، أو بحار، أو عالم رياضيات، أو خبير ترجمة، أو أي إنسان غير علماء البيولوجيا رفض تخريفات داروين، لأن من يفعل ذلك من هؤلاء يكون في هذه الحالة يتكلم خارج نطاق اختصاصه! هذا مجرد هذيان، فداروين لم يكن عالما، ولا باحثا، ولم يكتب للعلماء، بل كان كاتبا شعبويا على مستوى سلمان رشدي يكتب مستهدفا وعي عامة الناس! وبالمناسبة، فإن هذه الحجة الباهتة يستخدمها من لا يريد الإقرار بالحق وقد ظهر وبان في أي مجال. مثلا، المرحوم الأستاذ العلامة محمد شحرور واحد من المجددين عن حق وحقيقة في فهم آيات القرآن الحكيم. ما عمله المرحوم هو ما يحتاجه المسلمون اليوم .. فقد قضى نصف قرن وهو يبحث، ويقارن، ويجتهد. وهو بعمله وجه ضربة قاسية إلى الفقهاء من كل المذاهب. فبماذا يرد عليه هؤلاء في رفضهم أعماله الرائعة؟ حجتهم هي أن الرجل كان في الأصل مهندسا، وليس فقيها، أي أنه تخطى مجال تخصصه واعتدى على حقوق الفقهاء!
وداروين، كثير من الناس لا يعرفون أن عشرات العلماء المعاصرين له، سخروا منه ومن تخريفاته. ويسخر منه اليوم كل عالم يبحث عن دراسات جادة. ذلك أن نظرية داروين لم تكن اختراقا علميا، بل كانت قنبلة سياسية. كانت أم تلك النظرية هي حاجة الرأسمالية البريطانية الصاعدة إلى غطاء علمي، حتى لو كان زائفا، لسياساتها الوحشية في استعباد الشعوب. داروين وفر ذلك الغطاء عبر الادعاء بوجود قانون طبيعي يحكم بالبقاء للأصلح، والأصلح هو الأقوى! والأقوى هو الرجل الأبيض المتعطش إلى سفك الدماء ونهب ثروات الشعوب.
لقد كان كوبرنيكوس عالما، وكذلك غاليليو، وكذلك إسحاق نيوتن، وألبرت آينشتاين، وغيرهم كثير. ما يجمع بين هؤلاء جميعا هو أنهم قالوا، نتيجةً لأبحاثهم، بأمور قطعية، بل وربطوا اكتشافاتهم بالرياضيات التي لا تعرف التدليس. حتى عالم النفس سيغموند فرويد الذي يختلف مجال بحثه عن مجالات هؤلاء قال استنتاجاتِه بشكل لا لبس فيه. الوحيد الذي تجد في عشر صفحات من كتابه خمسا وخمسين كلمة تدل على الاحتمالية، مثل “من المحتمل”، “من الممكن”، “ربما”، “قد”، “من الجائز”، هو تشارلز داروين، ذلك لأن داروين لم يبحث في شيء محدد، بل روى حدوتة تمتد على مدى مئات الملايين من السنين، وعلى امتداد الأرض كلها بما عليها من حيوان ونبات، فخلط الأكاذيب بعضها ببعض ليقول ما يُرضي ليس فقط عتاة الرأسماليين الانجليز، بل وأيضا عتاة النازيين في ألمانيا.
من حق كل إنسان أن يقرأ القرآن، ويفهم منه ما يفهم، فالإيمان لا علاقة له بالتفسير، والإعجاز، والتفقه. سيرى الإنسان مهما تواضعت معرفته أن القرآن كتاب عجيب، فيخشع، ويستغرب لماذا يحرقونه! لنتذكر ونسأل: بأي إعجاز آمنت أم المؤمنين خديجة وهي لم تسمع غير {اقرأ باسم ربك …}؟ بأي تفسير أو إعجاز علمي آمن بلال الحبشي والآخرون الذين كانوا يتعبدون مع الرسول بسرية في بيت الأرقم بن الأرقم المخزومي؟ أي إعجاز جعل عم الرسول الأكرم حمزة يؤمن ويستشهد في أحد؟ أي تفسير أو إعجاز علمي جعل من فتى يافع مثل الإمام علي مثلا أعلى في الخلق الإسلامي؟ الإيمان أمر فطري لا يحتاج لكي يثبت إلا إلى ومضة من العقل.
ومن حق كل إنسان أن يقرأ داروين ويعطي رأيه فيه. نعم {اقرأ} ينطبق حتى على داروين ليكتشف المرء المهزلة التي أطلقت عليها “نظرية التطور”. ثم نتساءل: هل سمعتم أن أحدا يريد حرق كتاب “في أصل الأنواع”؟ أبدا. لمَ لا؟
إن الإنسان يحرق شيئا يحسب أنه بحرقه يزيله من الوجود، فكيف له أن يحرق ما هو محترق أصلا، ولا قيمة له؟
يتبع غدا
2023-07-10