مفاجآت غسان كنفاني المدهشة
التغيير و”اللغة العمياء “!
( الجزء الأول )
نصار ابراهيم/فلسطين المحتلة
11 آذار 1968
شهد هذا المنبر أساتذة أكفاء، استعرضوا جوانب مختلفة من أسباب الهزيمة وحوافزها ووسائل الارتفاع إلى مستوى التحديات التي أطلقتها، والواجبات العاجلة
التي تفرضها على هذا الجانب أو ذاك من مجتمعنا. وكل ما قيل، يبرهن على شئ واحد على الأقل متفق عليه تماما، هو أن رصد ما حدث وما يحدث وما سيحدث ينبغي أن يبدا من جوانب مختلفة، فليس ثمة رواية رصد واحدة. وليس ثمة خطأ واحد، والهزيمة لا يمكن اختصارها بشعار أو التنصل منها باتهام. إن ما يحدث على هذا المنبر يلخص ما يحدث عمليا على الأرض العربية كلها في أعقاب الهزة العميقة، إن الحوار يتفجر من كل جانب، وحصيلته كلها هي الصورة، فالجوانب المختلفة لا يمكن التعبير عنها من قبل جبهة واحدة أو شخص واحد، وأفضل ما نستطيع أن نفعل هو أن نستوعب كل ما يقال آنذاك، هذا وحده هو الذي يعطي الحوار معناه وجدواه ومستقبله. ولذلك كله لدي ملاحظة واحدة لا بد من تثبيتها قبل أن أبدأ حصتي من هذا الحوار، إن الزاوية التي أتحدث عنها هي جزء من الموضوع، لا تكتسب معناها إن كان لها أي معنى، إلا بإضافتها إلى مجموع الأبعاد التي اشترك الزملاء على هذا المنبر في تحديدها. ثمة نقاط سيبدو أنني تجاهلتها، ثمة أسباب ربما تكون أكبر من تلك التي أشرت إليها، ثمة وسائل تصحيح قد تكون سباقة عن تلك التي سأراها في سلم الأولويات.
إلا أن الصفحات التالية لا تدعي أن ذلك صحيح فهي تشكل حلقة في سلسلة معناها الحقيقي في ربطها إلى الحلقات الأخرى. هناك دور القوى الخارجية في القصة وسبر غورها. هناك دور القوى المضادة في الداخل وقيمة لعبتها، هناك الحصيلة التي تجئ من تفاعلات القوى الاقتصادية والاجتماعية، هنالك أسلوب العمل العربي السياسي خلال السنوات العشر الماضية، هنالك أسباب وأمور أخرى قد لا يكون العدو قادرا على حصرها وإنكارها، فبالإضافة إلى أنه غير ممكن فهو غير وارد أيضا.
من هنا فإن هذه المحاولة يمكن أن توصف منفردة بأنها جزئية، فإذا وضعت في مكانها من قصة هذا المنبر وأصواته الستة عشر تصبح لوشئتم كاملة.
إن فترات الهزائم في تواريخ الشعوب تشهد نموا سريعا في الحس النقدي، يتطور في أحيان كثيرة نحو تيار من النقمة والغضب، ومما لا شك فيه أن ذلك الحس النقدي حتى لو اتخذ صورة النقمة والغضب، يظل ذا طاقة بناءة لا غنى عنها. إن قدرة الإنسان على تجاوز السقوط هي ذات قدرته على الإدانة، وطاقته على تصحيح الخطأ هي ذاتها طاقته على اكتشافه. ولذلك فإن فترات الهزائم عند الشعوب تتخذ طابع المراجعة الصارمة والقاسية في
نوع ضمتي من عقاب الذات غايته الأساسية التزود بقدرة إضافية على الدفاع عن النفس. إن تيقظ الحس النقدي في فترات الهزائم يشبه تيقظ حواس الإنسان دفعة واحدة لحظة تعرضه للخطر، فهي تضاعف طاقتها على الالتقاط لتضاعف بالتالي قدرتها على المواجهة. وذلك كله، بلا ريب يشكل ظاهرة بناءة لا بد منها ولا غنى عنها طالما أن الحافز في جوهره هو الرد على الخطر، والتخلص من الهزيمة. ولكن فترات الهزائم لا تشهد فقط هذا التيقظ في حس النقد والمراجعة، بل تشهد أيضا ظاهرة أخرى شديدة الارتباط بذلك التيقظ، وهي تجاوز الحس النقدي لحدوده، وتحوله إلى نوع من التنصل عن طريق المبالغة في عقاب الذات.
وهذه الظاهرة هي التي تشكل الوجه الأخطر في فترات الهزائم، وطالما أننا استعملنا مثال الإنسان الذي يواجه الخطر، فتتضاعف قدرات حواسه على الالتقاط والمواجهة لوصف تيقظ الحس النقدي، فإن تجاوز الحس النقدي لحدوده يمكن أن يلخص في إنسان مماثل أفقده الخطر المحيق به شجاعة تنقذ الحس، فأضاف إلى الخطر الذي يواجهه أشباحا من الأوهام، وأفقد نفسه التقييم الحقيقي لقدراته وبالتالي تصويب هذه القدرات .
إننا بصورة ما نواجه حاليا امتزاجا بين الحالتين، فأمام تيار من المراجعة الشجاعة، نشهده هنا وهناك، يوجد تيار آخر من العويل الذي لا يرمي في نهاية المطاف إلا إلى التنصل وراء ستار النقد باسم النقد والمراجعة- في فترات الهزائم – يمارس التيار الأقل قدرة على الصمود لعبة الانتحار، فيدخل في فوضى تقييم الأشياء والأمور والمواقف، ويرتكب أخطاء جسيمة في إدراك حجومها الحقيقية وأمكنتها في الصورة المهزومة برمتها، وتلقى هذه اللعبة أرضا خصبة للاستقبال، وسط الانكسار الذي تعممه الهزيمة، ومن هنا يكتسب خطورته وطاقته على الهدم.
في هذه الفترات الدقيقة تكتسب مهمة الباحث دورا أعمق مما كان لها في أي وقت مضى، فهي مطالبة بالتزود بشجاعة مضاعفة، من جهة القدرة على النقد ومن جهة أخرى للتمسك بما لا ينبغي أن يُدمّر. والفارق بين هذين الجانبين من المهمة فارق دقيق جدا، ويكفي أن يخطو الباحث خطوة أخرى إضافية إلى جانب النقد ليسقط في فوضى التقييم، أو خطوة إضافية إلى جانب التمسك بالمعطيات التقليدية ليسقط في الجمود والاستسلام لما أضحى غير مقبول. على أن خطورة فترة الهزيمة، من حيث أنها تحمل في مناخها في آن واحد بذور
البناء وبذور الدمار، تستلزم إدراكا حقيقيا لما يستحق أن يُنبَذ ولما يستحق أن يُدَافع عنه، فليس أسهل من الولاء المطلق إلا الرفض المطلق. لقد رأى هذا الجيل في الكتب التي قرأها في المدراس صورة فوتوغرافية لا تنسى، لقد التُقِطت الصورة في أواخر العقد الثاني من هذا القرن، وهي لرجل يمتطي صهوة جواد مندفع بكبرياء، يلوِّح بين أذنيه سيفا لامعا ليواجه بهما – بوضوح لا يحتمل التردد – طائرة تركية تنقض عليه.
لقد كانت تلك الصورة حقيقية، لم تكن فيلما، ولم تكن معدة سلفا للإعلام، كانت تلخيصا فذّا ومروِّعا للحقيقة، كانت تمثل كيف أطل العرب على القرن العشرين من خلال الثورة العربية الكبرى. بين تلك الصورة الرمز وبيننا نصف قرن تماما، وإذا اجتذبنا أنفسنا بعيدا بعض الشئ عن الدوامة التي تستغرقنا وتشغل أيامنا لرأينا فيما حدث خلال نصف القرن هذا تطورا يشبه المعجزة.
ومع ذلك إنه لم يكن نصف قرن تماما، في الواقع إن الإطلالة العربية على العصر لا تزيد كثيرا عن ربع قرن، لقد تسلم الرجال المحليون دفة بلاد شاسعة خارجة من العصور الوسطى قبل ربع قرن تقريبا.
إن الذي حققه العربي لنفسه خلال هذه الفترة الوجيزة هو شئ كبير في قياس التاريخ، لقد كان خارجا لتوه من تحت العباءة السوداء التي ألقاها فوقه الحكم العثماني المتخلف، طوال قرون كانت ذات قيمة جوهرية في تاريخ الإنسان المعاصر، وإذا كان التاريخ قد شهد أمثلة عديدة ليقظات سريعة في ألمانيا واليابان مثلا، فإن تلك اليقظات لم تكن لتنطلق من الصفر، كانت تنطلق من طبقة موجودة تكنولوجيا وسياسيا وعسكريا، حتى وإن كانت طبقة شنت الحرب، أما بالنسبة للعرب فقد بدأ الدخول إلى العصر من نقطة الصفر.
لقد شهد جيلنا نحن على سبيل المثال تطورا مذهلا، قد يكون اقترابنا منه قد أفقده في نظرنا قيمته الكبرى، لأن الفروق الجذرية التي تفصلنا عن آبائنا ليس لها مثيل قط، ومن النادر أن شهد التاريخ مثل هذا البون الشاسع بين الأجيال المتقاربة، بل وتلك الفروق التي نستشعرها حتى إزاء إخواننا، فالعجلة تجري بأسرع مما يمكن الاستيعاب. إن هذه الحقيقة مهمة فقط من حيث كونها تلغي نظرية عدم الجدارة، وضعف قابلية العرب للتطور، وهي نظرية لا يبنى عليها جزءا أساسيا من دعوى تبرير غزوه فحسب، ولكنها باتت تستخدم كمنطلق نظري لدى بعض كتابنا تحت ستار النقد. إن المسافات بين أجيالنا الراهنة لم يعد ممكنا بعد قياسها بالسنوات، فالتطور بات
أسرع من أن توضع له حدود، ومن هنا تنبع واحدة من أهم مشاكلنا المعاصرة، فهذه الحقيقة على بساطتها تتناقض تناقضا جوهريا مع قاعدة اجتماعية موجودة في حياتنا، وليس بالوسع التخلص منها بسهولة، وهي القاعدة التي سنطلق عليها مبدئيا قاعدة الأبوة. فالأكبر عمرا تقليديا يطلب من الأصغر دائما حق الاحترام والتسليم، وإذا كان هذا التقليد قد شكل جوهر المؤسسة الاجتماعية في فترات الركود، فإنه يشكل الآن وسط الديناميكية التي تتجاوز نفسها كل يوم قيدا صعبا يؤدي إلى نتائج شديدة الخطورة. ولا يعني هذا على الاطلاق التخلي عن المؤسسة العائلية، ولكن يعني حتما أن يضاف إليها بند حيوي وأساسي، هو أن يبادل الكبير الصغير الاحترام. إن ما أسميناه بقاعدة الأبوة، تعكس نفسها إلى أبعد من الإطار العائلي، ومع ذلك فقد يبدو الإطار العائلي أفضل مثال عنها ولكن ليس أهمها، إنها تعكس نفسها كقاعدة على حياتنا الاجتماعية والسياسية أيضا، فهي تؤخر في اندفاع الطاقة الشابة إلى القيادة، في وقت تتميز فيه حركة المجتمع بالسرعة، وتستلزم بالتالي التصاعد معها لا تكبيلها. سنسارع إلى القول بأن هذا الكلام لا يعني على الاطلاق التقيد بالمعنى المباشر لصيغة – العناصر الشابة – إذن المقصود ليس بالضبط العمر بالسنوات على الرغم من أهمية ذلك، ولكن اصطلاح – الصيغة الشابة – يتجاوز التعريف المحدود إلى ما هو أبعد منه، إلى الصفة العقلية للعنصر الشاب، أي إلى العقلية الشابة التي توازي مستوى العصر وتتجاوب معه بغض النظر، لو استلزم الأمر، عن شهادة الميلاد. ومع ذلك فإنه في وضعنا التطوري الراهن، غالبا ما تتوازى العقلية الشابة مع العمر الشاب، فإذا وضعنا هذا في الحسبان فإنه ينبغي أيضا عدم إلحاق أي ظلم بالاستثناءات التي قد تكون كبيرة جدا. وسواء أكان الوضع خاصا بهذه الفئة أو تلك ممن تمثل العقلية الشابة، فإن هنالك سدودا غامضة واقفة في طريقهما يتبعهما الانتظار أمامهما لحد التخلي أحيانا، وإذا تهيأت لهما فرصة تجاوز تلك السدود فإنهما يجدان من الصعب أن يتركا مكانهما الجديد بعد أقل وقت ممكن، وقت ممكن للجيل الأحدث الذي وصل لتوه بعدهما. لقد أدت هذه الحقيقة إلى سلسلة من النتائج، قد يكون أبرزها هذا الاستسلام في قبول مبدأ أن يظل صاحب السلطة أطول فترة ممكنة على رأس السلطة، بدل أن يكون التبديل تجاوبا مع ديناميكية التطور، ودفع رجال العصر في تطورهم الدائب إلى القيادة على مختلف المستويات. مرة أخرى سنسارع إلى القول أن ما نقصده بالقيادة لا يعني على الإطلاق زعامة
الدولة، لأن المسألة ليست ولا ينبغي أن تكون مسألة فرد أو مسألة مجموعة من الأفراد، إن المقصود بالقيادة هو كل المستويات التي يمارس منها الإنسان في مجتمع معافى قدرة التأثير.
الواقع أن رئيس الدولة أو زعيم الحزب هو من حيث الواقع محصلة لمجموع القيادات الموجودة في الجسم الاجتماعي والسياسي الذي يترأسه. ومن الظلم النظر إلى هذه المسألة نظرة ذاتية. إن تغيير قمة الدولة ليس على الإطلاق تغييرا بالمعنى الذي تعنيه الكلمة.
وطالما أن مجموع القيادات التي تشكل الهرم السياسي ليست في وضع سليم، فإنه من العبث أن نطلب من ذلك التغيير أن يلبي مطامحا. إن القضية وراء هذا الكلام أعمق من مجرد التحرك الشكلي، فقد آن لنا ألا نوجه طاقتنا إلى سطح الإشكال وإلى الجزء الظاهر على صفحته الخارجية، وحين نتحدث عن التغيير فنحن نقصد التغيير العميق في البنى التحتية للتكوين السياسي والاجتماعي، وهو ذاته التغيير الذي يعطي رئيس دولة ما، أو زعيم حزب ما أو القيادة المشتركة لتنظيم ما، طاقته الحقيقية وقابلياته وأداة وسلطة وإمكانية تحقيق مطامحه وخطته. ولذلك فإننا حين نقول إن ضعف القدرة على استيعاب العناصر الشابة تجعل من المسلم به قبول مبدأ أن يظل صاحب السلطة في منصبه مدة طويلة، يشكل خلالها سدا في وجه العناصر التي تتجاوب أكثر مع تطور العصر، فإننا إنما نشير إلى جميع الأجهزة والمؤسسات والتنظيمات والأحزاب والإدارات والهيئات بصيغها السياسية والاقتصادية والثقافية.
إن هذه الظاهرة تشكل سدا غير مرئي يعرقل نقل قدراتنا العالية على التطور إلى صعيد الممارسة اليومية.
ذلك هو بالذات ما نراه مجسما في ظاهرة الهجرة والاغتراب، فالاغتراب ليس بحثا مجردا عن المال ولكن عن القيمة أيضا.
وذلك بالذات ما يجعلنا نرى مديري دوائر أقدم على مقاعدهم من الأوراق في أرشيف مكاتبهم.
وذلك بالذات ما يجعلنا لا نرى وجوها شابة بالصورة التي تعكس حقيقة التطور الذي نعيشه على مقاعد سلطاتنا التشريعية والتنفيذية. وذلك بالذات ما نسميه تجاوزا بأنه انعدام المبادرة والخيال والاختراع، في الواقع إن هذا الانعدام يخص الفرصة وليس القابلية. وذلك بالذات السبب في تخلف مناهجنا عن اللحاق بروح العصر، وتخلف إطارات الإدارة عندنا عن مماشاة سرعة الحركة في المجتمع .
وذلك بالذات أيضا الذي ألغى من حياتنا السياسية ظهور بادرة تطوع الأنظمة على اختلاف أنواعها في التجاوب مع تلك الديناميكية والقدرة على امتصاصها. سيخيل إلينا لأول وهلة، عند استحضار صور الأنظمة في دول العالم المختلفة، أن الجيل الشاب هناك أيضا لا يتمتع بهذه الامتيازات، هذا التصور في الحقيقة ليس صحيحا لاعتبارين هامين أولهما: أن الجيل الشاب يأخذ في الواقع فرصته كاملة في المؤسسات السياسية والإدارية.
وثانيهما: إن حاجتنا نحن، في غمار تطورنا السريع والشديد الحركة لدفع العناصر الشابة إلى مراكز القيادة أكثر بكثير من حاجة المجتمعات الغربية، التي لا يوجد بين أجيالها المتقاربة ذلك البون الشاسع من فارق التطور الذي يوجد بين أجيالنا.
هذه الحقيقة ستقودنا إلى نقطة جوهرية أخرى هي مسألة الديمقراطية. إن المؤسسة الديمقراطية ليست ترجمة للمؤسسة البرلمانية، وفي الواقع إن البرلمان هو مظهر واحد من مظاهر الديمقراطية وليس الديمقراطية.
إن الديمقراطية حس موجود بمقدار متساو، من البرلمان إلى العائلة مرورا بالمؤسسات السياسية والإدارية والثقافية التي تشكل الدورة الدموية للحالة الديمقراطية. وأي استعاضة عن تلك الدورة الدموية الكاملة بمجرد الشكل أو بجزء من الشكل، هو في ذاته انتهاك للديمقراطية. ولذلك فإنه حين تكون مؤسساتنا الإدارية والسياسية والثقافية قادرة على استيعاب الطاقة الشابة تلقائيا والتأثير فيها، فإن هذه الحالة هي حالة ديمقراطية، وعكسها لا يمكن أن يكون بأي شكل من الأشكال ذا علاقة بالديمقراطية. إن ذلك كله سيضيف إلى نقطتنا الأولى عن قاعدة الأبوة، معنى جديدا، فقابليلتنا لاستيعاب الجيل الشاب مرهونة في الواقع، بقدرتنا على قبول تأثيره بمؤسساتنا وإخضاعها لفهمه الجديد المتنامي، والصحيح هو أن قابليتنا تلك ما تزال إلى الآن محدودة. إن ما نسميه تخلفا تكنولوجيا، وهو ما يركز الكثيرون على الحديث عنه في هذه الآونة هو في الواقع في جزء كبير من أسبابه ناتج عن هدر في طاقة جيلنا الشاب، ولما كان المتمسكون بالسلطة عاجزين عن التجاوب مع الحركة السريعة لتطور العصر، فإنهم يفضلون أن لايفتحوا على أنفسهم أبواب الإنجازات العصرية.
كي لا يفقدوا سلطتهم بسبب عدم قدرتهم على التجاوب معها. إن هذا الكلام لا يعني بالطبع أننا متقدمون تكنولوجيا، ولكنه يعني أننا لا نكتفي بعدم تقدمنا ذاك، بل إننا نضع السدود أمام الإمكانية المتوفرة عندنا لتبديل هذه الحالة
بسرعة. وينتج عن ذلك أن طاقتنا التي يمكن لها أن تشكل بداية هامة وأساسية نفقدها دون أن ندرك تماما معنى ذلك، إن الإحصاءات الأولية التي تحكي عن شبابنا المزود بمستوى علمي ممتاز، والذي اضطر إلى الهجرة، جديرة بأن تصيبنا بالذهول أمام ضخامة الشكوى من تخلفنا التكنولوجي، ولكن الإحصاءات الأخرى غير المتوفرة التي نود لو أنها تقول لنا كم من خبرائنا العلميين يعملون – لو اضطروا للعمل – في ميادين لا علاقة لها باختصاصاتهم جديرة أغلب الظن أن تصيبنا أيضا بالذهول.
إن هذا العصر يشهد ظاهرة فريدة من نوعها، وهي أن الغالبية الساحقة من العناصر التي تشكل جسد المجتمع العلمي والتكنولوجي هي غالبية شابة. وهذه الظاهرة نتاج حتمي لسرعة التطور.
فإذا طبقنا هذه الظاهرة على مجتمعنا الذي يشهد سرعة مضاعفة في حركة التطور لرأينا ببساطة كم هي خطيرة وأساسية المشكلة التي يواجهها. إن استيعاب هذا التطور يحتاج منا إلى قدرة غير عادية على التجاوب، وعلى طاقة هائلة لتبديل الإطارات التقليدية لمسايرته والارتقاء معه، وهذه القدرة والطاقة تفرضهما الطبيعة المزدوجة للسباق الصعب الذي نخوضه، فنحن من جهة نسابق تخلفنا، ومن جهة أخرى نسابق للحاق بحركة العصر السريعة.
والسؤال الآن هو: لماذا رغم كل شئ لم يحدث هذا الانقلاب؟ لماذا رغم كل شئ لم يفرض الجيل الشاب وجوده بالصورة التي يستلزمها هذا الواقع الديناميكي؟ أليس تبديل الإطارات التي نتحرك من خلالها هو حتما مؤكد نتيجة لتلك السرعة المتنامية في تطورنا؟.
إن الأجوبة عن هذه التساؤلات هي بدورها قضية زمن، ومجتمعنا في الحقيقة هو في طور الولادة، ومن غير الحكمة الاعتقاد بأن حركة التاريخ لن تفرض نفسها في نهاية المطاف.
ومع ذلك فإنه لا بد من الاعتراف بأن الواقع الاقتصادي والواقع السياسي الناتج منه يجتمعان بثقلهما فوق هذه الحركة، ويؤخران قدر طاقتيهما من لحظة الانعطاف الجذري. ومن هنا لم يكن من المصادف أن تشهد المنطقة، على اتساعها، سلسلة من المحاولات لفرض لحظة الانعطاف تلك بمقادير متفاوتة من النجاح والفشل ومن الفشل المر، ولكن مهما يكن فإن تلك المحاولات بمقادير متفاوتة أيضا قد عادت فأضحت أسيرة تقييمها الذاتي لنفسها، وبنت من تلقائها ذلك السد بعلو أو آخر أمام الحركة السريعة المتجهة دائما للأمام للجيل الشاب .
في هذا المخاض الصعب، العنيف طورا والمرتد إلى السكون طورا آخر، برزت ظاهرة حرِيَّة بالتأمل والتحليل شاعت في المنطقة بغض النظر عن الأنظمة المختلفة التي كانت تعيشها بصورة متشابهة تقريبا. ولم تكن هذه الظاهرة في نهاية المطاف، إلا نتيجة حتمية لمجموع تلك التناقضات التي تكمن خلف وفي المحاولات المتعددة التي شهدتها دول المنطقة في الفترة الماضية.
لقد ولدت في المنطقة خلال السنوات العشر الماضية ما نستطيع أن نسميه لغة عمياء، وليس ثمة شئ يستعمل في حياتنا اليومية أكثر من هذه اللغة العمياء. لقد باتت الكلمات التي لا قيمة لها، إلا إذا كانت معبرة، لا تعني شيئا على وجه التحديد، إن التعريف لم يعد موجودا وبات لكل كاتب قاموسه الخاص يستعمل كلماته في ضوء فهمه الخاص لها، وهو فهم غير متفق عليه، ولذلك فهي لا تعني شيئا. إن المعاني التي تحملها إصطلاحات مثل الثورية والناصرية والاشتراكية والعدالة والديمقراطية والحرية لا حصر لها في الكتابات التي نطالعها كل يوم، ولذلك فإنه يبدو من مجرد رصد هذه الكلمات ومصادرها أن جميع الأطراف متفقة تماما على كل شئ، ومما يثير الدهشة أن أحدا غير متفق عمليا مع الآخر. يبدو أننا في حاجة ماسة إلى إعادة القيمة للكلمات كتعاريف محددة تعني شيئا متفقا عليه، وهي خطوة كانت لازمة لجميع شعوب العالم في أواخر القرن التاسع عشر وهي على عتبة انطلاقها نحو العصر. ومضى الإشكال إلى أبعد من ذلك، فصار بالوسع أن يستخدم إنسان ما اللغة ليستر عجزه أو ليخفي مقصده، وصار بين أيدينا الآن تراث من اللغة العمياء التي أفقدت الحوار قيمته الفعلية، ومن الممكن أن تستخدم لأغراض متناقضة في وقت واحد. إن الاختباء وراء غموض الكلمات هو سلاح أساسي للذي يشعر بعجزه عن تحقيق هدفه، أو الذي لا هدف على التحديد لديه. وقد أدى العجز وغياب الفكر الواضح، وما صار يسمى باستراتيجية العمل، إلى ظهور هذا الطابع الذي يغرقنا حتى الأعماق بما يمكن تسميته بالفكر العمائي، الذي يستبدل الوضوح بالتعمي ويرشق غياب الهدف بالكلمات الطنانة التي ترضي الشاعرية الموجودة في أعماق كل منا من دون أن تزيد رؤياه. إن هذه اللغة العمياء قد تكون، في نهاية التحليل، مبعث اطمئنان أولئك الذين يخشون التغيير، فهي ستار من ضباب أمام الحركة التي تخيفهم حقا. وإذ نلاحظ أن ممثلي طبقة معينة يروقهم كثيرا تشجيع هذه الظاهرة التي يعتبرونها- تحت ستار الوطنية – تعبيرا صحيا، فإننا نرى في الواقع أنها ليست سوى درع يؤدي في نهاية المطاف إلى
حماية أولئك الذين يجثمون بنفوذهم الاقتصادي والسياسي على صدر حركة التغيير. هل يمكن أن نسمي هذا المجتمع تمشيا مع رفضنا للطبقة المستغِلة استغلالا للغة؟ ذلك ممكن بالطبع شرط أن لا ننسى بأن مسألة الاستغلال ذات حدين؛ المستَغِل والمستَغَل، فإذا كانت تلك وسيلة المستَغِل فما هو دفاع المستَغَل؟.
إذا كانت للمستَغِل استراتيجيته الأبعد مدى عن اللغة بالطبع، والتي تخضعها لخدمة ذلك الهدف، فما هي استراتيجية المستَغَل؟ إن ذلك هو الوجه العلمي من الإشكال الذي نستعرضه، وهو يطرح على الفور القضية الأكبر التي ينبغي أن نكون الآن بصددها، إن اللغة العمياء أفقدتنا – بالتدريج – القدرة على وضع استراتيجيتنا الواضحة في مواجهة التحديات التي تندفع نحونا على جميع المستويات. للعدو الذ يواجهنا على الصعيد الأخطر، والذي ينبغي أمام خطره الماثل أن نخضع جميع تناقضاتنا لمصلحة حل التناقض الرئيسي معه باستراتيجيته المحددة، التي تشكل خط سيره المندفع بشراسة لا تعرف الهوادة .
2016-01-27