ما الذي حققته زيارة بلينكن للصين ؟
فيصل النظاري
المشكلات المتراكمة والمتشعبة بين الولايات المتحدة وبين الصين ترجع بداياتها الحقيقية إلى عهد الرئيس ترامب. وتاليًا تحملت إدارة الرئيس بايدن مزيدًا من تلك المشكلات. ويتحمل وزير الخارجية الحالي السيد أنطوني بلينكن جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن إهمالها وعدم معالجتها.
ما الذي حققته زيارة بلينكن للصين ؟
فالسيد بلينكن هو راسم سياسة بلاده، منذ تعيينه وزيرًا لخارجيتها. والسيد بلينكن المعروف بكاريزميته المسالمة الهادئة، المقبولة، وبجديته ورصانته وباتزانه وتواضعه وبميله لتجنب الاستعداء والاستفزاز والإثارة في تصريحاته السياسية القليلة، المقتضبة، حتى لايُظن أنه وزير خارجية الدولة الأعظم في العالم، هو شخص ذكي فطن، وكان مشاركًا فاعلًا في رسم سياسة بلاده تجاه الصين وروسيا ودول أخرى، منذ أن كان مستشارًا للأمن القومي في عهد الرئيس باراك أوباما.
فكيف يترك كل هذا الكم من المشكلات تثقل كاهل علاقة بلاده مع الصين، حتى كادت تصل حد التصادم العسكري؟ وحتى استغلتها واستفادت منها دول معادية لبلاده، كروسيا، مثلًا، مع أن الصين دولة لها وزنها ولها ثقلها العسكري والاقتصادي. وهي شريك تجاري مهم للولايات المتحدة ؟
إلا أن كل هذا لايعني سلامة الموقف الصيني من الأخطاء، ولا يعني تبرئة القيادة الصينية من المسؤولية عن هذه المشكلات.
يأمل الوزير بلينكن، الذي زار الصين يوم الأحد الماضي، وهو الأعرف من غيره بكيفية معالجة الاختلالات الحاصلة في علاقة البلدين، ويعرف من أين يتم إصلاحها، يأمل في أن تنجح زيارته في إحداث اختراق لإصلاح ما أفسدته الأيام، على الرغم من حالات التشاؤم التي عبر عنها بعض السياسيين الأمريكيين، وحتى الصينيين من إمكانية فعل الشيء الكثير خلال هذه الزيارة، التي تأخرت كثيرًا عن موعدها المفترض ولأكثر من مرة. لتأتي زيارة نانسي بيلوسي لتايوان في عهد بايدن بمثابة صب الزيت على النار.
يقال بأن حادثة إسقاط المنطاد الصيني كانت السبب في التأجيل، بل كانت هي بداية التجميد الفعلي للتفاهمات والاجتماعات الدورية، التي كانت سائدة، وبانسجام، بين الجانبين.
وقبل حادثة المنطاد، التي وصفها الرئيس بايدن يوم الأحد الماضي بأنها( حادث مؤسف)، وكأنه أراد بذلك تقديم اعتذار غير مباشر للصينيين، قبلها كان هناك محاولات دبلوماسية بين بلينكن وبين مثيله الصيني لإعادة الثقة المتبادلة إلى وضعها الطبيعي. فكان آخر لقاء بينهما في ألاسكا، منذ خمس سنوات. ويوم أمس الأربعاء أكد الرئيس الأمريكي بايدن استمرار اختلاق المشكلات مع القيادة الصينية، إذ وصف الرئيس الصيني بالدكتاتور، الذي يتنصل عن علمه بالعملية التجسسية للمنطاد.
لم يراع الرئيس بايدن في تصريحه الأخيرهذا الانفراجة، التي أحدثتها دبلوماسية بليكن في زيارته في علاقة البلدين، ولم يترك تصريحه السابق بشأن المنطاد يذهب في سبيله كاعتذار غير مباشر. وإنما أعطى لتصريحه تفسيرًا مغايرًا تمامًا. لترد عليه الناطقة باسم القيادة الصينية بأن وصفته بالتصريح المستفز وغير المسؤول.
فهل أراد الرئيس بايدن بتصريحه الأخير الرد على رسالة حملها بلينكن من القيادة الصينية، حول رفضها للتدخلات الأمريكية المستمرة بشأن تجاوزات حقوق الإنسان أم أن ما قاله بايدن مجرد زلة لسان، ماكان لها أن تقال ؟
فأما أن تسود القطيعة وتتوقف اللقاءات طيلة خمس سنوات بين أي طرفين، فهي فترة كفيلة بتغيير المواقف وتبديلها، وإثارة الظنون السيئة وتراكمها، حتى أنه قد ينتج عنها إشكالات جديدة، متفرعة، قد يصعب التوقف عندها ومعالجتها، أخطرها فقدان الثقة.
فالمشكلات العالقة بين الولايات المتحدة وبين الصين، التي حصرها بعض المهتمين باثنتي عشرة نقطة. يصعب على وزير الخارجية الأمريكي مناقشتها كلها في زيارة واحدة كهذه. لكن الرجل استطاع بحنكته الدبلوماسية المعروفة حلحلة الأهم منها والضرورية لعودة العلاقة بين الدولتين إلى حالة من التهدئة.
المتتبع للمشكلات الصينية الأمريكية، على كثرتها وتراكماتها، سوف لن يجدها بخطورة وصعوبة، مشكلات الولايات المتحدة مع روسيا. مثلا.
الخلافات الأمريكية مع روسيا لها خلفيات عدائية آيديولوجية، تنافسية. وتستند إلى أحقاد متوارثة من زمن القطبية الثنائية، يصعب علاجها أو تجاوزها بسهولة. فالقيادة الروسية تعتبر الولايات المتحدة العدو الأول، المتسبب بانهيار الاتحاد السوفيتي، وهوالذي تجب عليها معاقبته.
بينما الصينيون لايعتبرون أنفسهم خصومًا أو أعداء للولايات المتحدة. وكذلك ينظر إليهم الأمريكيون. حتى أنه يمكننا، على سبيل الجواز إجراء التشبيه المشروع، بتصوير رؤية كلا الجانبين لبعضهما على النحو التالي: الولايات المتحدة، في الوعي الصيني، هي بمنزلة المعلِّم القدوة، الذي تدين له النهضة الصينية الحديثة بفضل الاستثمارات الضخمة والتكنلوجيا المتطورة والتقدم الحضاري المتنامي، منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي.
وأما الصين، في وعي الجانب الأمريكي، فهي بمنزلة التلميذ النجيب، الذي يدفعه طموحه الزائد إلى التهور في منافسة معلمه.
قلما تقسو الولايات المتحدة على الصين، فتتعامل معها بحدَّة وخشونة التعامل مع روسيا. نسمع تصريحات أمريكية تتهم الصين بأعمال تجسسية أو بهجمات سيبرانية أو بسرقات للتكنولوجيا..، لكن من النادر أن تتخذ واشنطن عقوبات اقتصادية موجعة ضد بكين. والمتابع لتطورات قضية كوفيد – ١٩، سيجد أن الأمريكيين تسامحوا في تحميل الصين مسؤولية ما حل بدول العالم من موت وخسائر مالية كبيرة. كان بإمكان الأمريكيين تأليب دول العالم وإلقاء تبعات ذلك على الصينيين. ولكم لمحوا لاتهام المعامل البيلوجية في مدينة كوهان الصينية بذلك. إلا أنهم لم يفعلوا. فقيدت القضية ضد مجهول.
مهندس السياسة الأمريكية رأى مؤخرًا، وجود أسباب ودواعٍ خطيرة، تكاد تدفع الدولتين النوويتين ( الولايات المتحدة والصين) إلى حد المواجهات العسكرية على بحر الصين؛ منها الاحتكاكات بين جيشي الجانبين، التي تمثلت أولاها باعتراض طائرة صينية لطائرة أمريكية. وثانيها اعتراض سفينة صينية لمدمرة أمريكية، الأمر الذي أوشك أن يوقع الجانبين في مواجهات عسكرية مباشرة، لايرغب بها أي منهما.
أما السبب الثالث، الأشد خطرًا على الولايات المتحدة، فهو المعلومات الاستخبارية حول سعي بكين للحصول على موطئ قدم لعناصرها التجسسية في كوبا، على بعد ١٠٠ ميل من ولاية فلوريدا الأمريكية.
نعتقد بأن هذه النقاط الثلاث هي التي دفعت بلينكن لزيارة الصين في بداية الأسبوع.
صحيح أن هناك نقاطًا خلافية عديدة بين الدولتين، على رأسها قضايا تايوان وقضية المنطاد وقضية الحرب في أوكرانيا ..، لكن كل هذه القضايا لم تكن بحساسية النقاط الأمنية الثلاث السابقة.
فضلًا عن نقطة مهمة رابعة تعمل الدبلوماسية الأمريكية، منذ أشهر، على إثارتها وإحراز النجاح فيها. إذ يسعى الأمريكيون، بجدية، لفرض حصار كامل على الرئيس الروسي بوتين، لمنعه من مواصلة حربه على أوكرانيا، ولإجباره على الخضوع للحوار.
والصين إحدى الدول المشتبهة بدعمها للجيش الروسي بالذخيرة وببعض الأسلحة وبتعاونها مع إيران في إنتاج الطائرات المسيرة، المباعة لروسيا. فكانت مسألة عزل روسيا إحدى أهم أهداف الزيارة، وإن لم تجر الإشارة إليها.
قال مسؤولون أمريكيون إن أهم أهداف زيارة بلينكن إذابة جبل الجليد الدبلوماسي، الذي تنامى بسبب انقطاع الزيارات، ثم بسبب الاتهامات المتبادلة بين الجانبين. لكن سياسيين صينيين قالوا إن المطلوب من الأمريكيين في هذه الزيارة هو إعادة الاحترام المتبادل. وعلى رأسه إلغاء العقوبات على وزير دفاعه، كدليل على ذلك. وبعد الزيارة قال بلينكن إنه يمكن التحاور مع وزير الدفاع، على رغم الحظر. كما طالب الصينيون بتوقف الأمريكيين عند الخطوط الحمراء في قضية تايوان. والتعاون في حل المشكلات الدولية، عن طريق التعاون المتكافئ وتخفيف حدة التوتر في جنوب شرق آسيا. سيركز الأمريكيون على تلبية مطالب الصينيين، من أجل فصل بكين عن موسكو. واضح جدًا من مطالب الجانبين توقهما لإعادة الدفء الحقيقي لعلاقة البلدين، واستعادة اللقاءات السنوية، بين القيادات.
هناك حالات من سوء التفاهم عقَّدت العلاقات بين الأمريكيين والصينيين، وبات من الضروري التوقف عندها وتوضيحها. فالأمريكيون يفصلون في سياساتهم بين القضايا، ولا يربطونها ببعضها. بينما يجد الصينيون صعوبة في فهم وتقبل ذلك الفصل.
فالأمريكيون – مثلًا – لايرون مشكلة في تزويد تايوان بالأسلحة الدفاعية لحماية نفسها من أي تهور صيني. لكنهم لا يعترفون باستقلال تايوان ولا يرون أن من حق تابيه أو بكين تغيير الوضع الحالي بقوة السلاح.
الصينيون لايجدون منطقية في هذا الموقف الأمريكي. لذلك يتهمون واشنطن باتباع سياسة نفاقية. ويطالبونها بموقف واضح من هذه القضية. وهناك قضايا مشابهة كثيرة، يعتريها سوء الفهم.على الجانب الأمريكي توضيحها للجانب الصيني ليطمئن .
الصينيون، أيضًا، الذين تجنبوا إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا ورفضوا فرض العقوبات على موسكو، لايرون بأسًا في موقفهم هذا الذي يعتبرونه حيادًا. يراه الأمريكيون تعصبًا مع الروس ضد أوكرانيا، ليس له أي مبرر منطقي ولا أي مسوغ قانوني. والحقيقة أن الموقف الصيني من قضية أوكرانيا جاء على سبيل العناد للأمريكيين، من جهة وعلى سبيل التقارب مع روسيا من جهة ثانية. وهكذ استدعى الأمر تقاربًا عاجلًا يجمع سياستي البلدين.
وصف وزير الخارجية الأمريكي زيارته للصين، بأنها بناءة وناجحة. وربما كان عليه في بكين طمأنة الجانب الصيني حول العلاقة الأمريكية – الهندية، الآخذة بالتحسُّن، حيث يزور رئيس الوزراء الصيني اليوم الخميس. وستبقى قضية حقوق الإنسان في الصين مشكلة قائمة، غير قابلة للحل. وستبقى روسيا هي المستفيد الوحيد من أية خلافات أمريكية – صينية.
fisal7775560@gmail.com
الخميس ٢٢ يونيو ٢٠٢٣ م .