يا نبض الضفة لا تهدأ!
رنا علوان

في الأول من أمس سطّر الأبطال في جنين عملية بطولية نوعية أدهشت الإحتلال الإسرائيلي ، فالتصدي لنحو زهاء الالف جندي مغتصب بسلاحهم الهندسي وطيرانهم وسياراتهم المُصفحة ودباباتهم وجرفاتهم ، وإيقاع إصابات بالغة بصفوفهم بأقل امكانيات مقارنةً بالعتاد الذي يتدرّع به جندي الاحتلال ، أمر لا يُستهان به
نعم لطالما عرف جنين ببطولاته وشجاعة أبناءه ، لكن هذه المرة كان هناك نقلة نوعية واضحة ابدى إزاءها الإحتلال مخاوفه ، حيث صرح الجنرال الاسرائيلي الغاصب زيف وهو قائد سابق لعمليات الجيش بإزدراء قائلاً
[ إن أي إجتياح للضفة مثل عام 2002 لن يفيد الإحتلال بشيء ، بل على العكس سيكبّد العدو مزيدًا من الخسائر ]
كما يُجري زيف مقارنة بين جنين وجنوب لبنان ، فيُردف قائلاً
من يظن بأن جنين كجنوب لبنان او حزب الله فهو على خطأ فادح ، بل هو اليوم كالشجاعية ، ورويدًا رويدَا سيصبح مثل غزة قبل انسحاب الجيش منها ، وهذا الأمر صعب مواجهته حتمًا
اما ايهود يعاري الذي واكب الإنتفاضات الثلاثة ، علّق على الحدث قائلاً
ان الانتفاضة الحالية تغيرت عن جميع ما سبقها ، فهي اليوم ليس لها غُرفة عمليات ولا قيادة توجهها ، وأضاف انه من المؤكد بأن هناك ضخ اموال كثيرة الى جنين والضفة الغربية غير مسبوق
فضلاً عن تدفق كمية أسلحة هائلة ، وعلى الاغلب بأنها ليبية المصدر ، بالاضافة الى السلاح الاميركي والسوري ، وان عملية تهريب الاسلحة من الحدود الاردنية لا تتوقف
وفي سياق الحدث فقد أصيبت سيارات عسكرية للعدو الاسرائيلي بأضرار جسيمة جراء العبوات الناسفة في جنين ، ما دفع بجيش العدو الإسرائيلي للعمل تحت النيران الكثيفة على إنقاذ المركبات ومن فيها
وبعد 8 ساعات من العمل تحت مرمى النيران ، حتى استطاعت قوات جيش العدو الإسرائيلية ، من اخراج 5 مركبات عسكرية مصفحة تم اعطابها ، بعد تفجيرها بعبوات شديدة ومحليّة صنعها أبطال المخيم ، في كمين محكم نصبوه للعدو ، مما ادى لإصابة 7 جنود ، وصفت جراحهم بالمتوسطة وواحد بالخطيرة…بالتزامن رأينا ركامًا من الدهشة والخيبة يكتظ فيتهاوى على رأس الصهاينة ، وهم ينظرون إلى دباباتهم (فخر الصناعة الإسرائيلية) وهي تتلوَّى تحت نقمة عبوات الأبطال المضادة للدروع
لقد فقدت إسرائيل قدرة جيشها الإستراتيجية لخوض الحروب مجددًا ، حتى هذه اللحظة ، وكُسِرَ معسكر الغرب الليبرالي ، لا أحد يريد مساندة العدو
وبعد هذا الحدث الذي فاجأ العدو الغاصب ، طالب الوزير في وزارة أمن العدو سموتريش بعقد جلسة للكابينيت لاجراء مناقشة ، والغرض منها القيام بعملية واسعة في شمال الضفة الغربية
ليعقبها بالأمس عمل بطولي لا يقل أهمية على الإطلاق عن سابقه ، أسفر عن مقتل 4 إسرائيليين وإصابة 4 آخرين في الضفة الغربية المحتلة
نجد كيف أن العمليات البطولية ، مستمرة في الضفة الغربية على وتيرة مرتفعة ، من حيث الجهد والنتائج
ففي الحصيلة المُعلنة ، تم الكشف عن ، مقتل 28 إسرائيليًا غاصبًا ، منذ يناير 2023 ، بينما في عام 2022 كاملاً قتل 32 مغتصبًا ، هذه الحصيلة تُبين لنا نتيجة ما قد تمخض عن السنوات الأخيرة الماضية من اصرار وعزيمة على المقاومة ، خصوصًا في صفوف الأعمار الشابة واليافعة ، التي باتت تتبنى خط الجهاد غير آبهة بحياةٍ يُسرّ بها صاحب ، أم بموتٍ يغاظُ به عدو غاصب ، ويملكون من الحب جمة لهذا النهج المشرّف في الدفاع والمواجهة لدحر عدو لا يفهم الا بلغة القوة
وما سيزيد الطين بلة على العدو ، هو أنه بدأ مؤخرًا في بناء “منطقة صناعية” جديدة في الضفة الغربية ، حسب ما نشره الناشط الإسرائيلي ضد الإستيطان درور اتكاس ، وقال إن المنطقة الصناعية ستقام على قطعة أرض (310.5 دونم) تمت مصادرتها من قرية صفا (غربي رام الله) عام 1989 ، عندما تم إعلانها “أراضي دولة” – أي أراض للإسرائيليين – كما قال
وحسب درور :”تمت الموافقة على خطة البناء رقم 230 من قبل الحكومة الاسرائيلية ، في سبتمبر 2016″
( وهذا بالطبع سيواجه بطريقة مناسبة ) فما كان بالأمس ليس ما هو اليوم عليه ، فالضفة تصوغ معادلة ردع كما كرست غزة معادلاتها
هذه المرة قد تكون الشرارة التي سوف يُكوى بها الإحتلال من جنين ، وعلى ما يبدو أن الأخير يسعى الى التصعيد خلال الأيام القادمة
وما يجب أن يُزاد على المُعادلة الإقليمية ، هو دور العراق ، فلطالما شكل خطرًا كبيرًا على العدو الإسرائيلي ، وقد شهد جيشا العراق وإسرائيل ، خلال حرب 1948 ، وحرب 1967 وحرب تشرين ، تحركًا ضد بعضهما البعض كجزء من الصراع العربي الإسرائيلي الأوسع
وكما أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية ، نقلًا عن موقع النصب التذكاري لضحايا إسرائيل خلال الهجمة العراقية عليها ، بأن عدد القتلى الإسرائيليين أعلى من ذلك بكثير ، ولم يتم الإفصاح عن تفاصيله
وفي إحصائية للقوات المسلحة العراقية آنذاك ، أفادت أنها أطلقت 39 صاروخًا من طراز “سكود” صوب تل أبيب وميناء حيفا والنقب ، ما أسفر عن مقتل 74 مستوطنًا إسرائيليًا وإصابة 230 آخرين ، وتدمير نحو 7440 وحدة سكنية ، وتضرر 223 محلًا تجاريًا ومبنى عام ، وتدمير 50 سيارة ، خلال الضربات
وفي تقرير عن الحرب ، كشف الجيش الإسرائيلي ، معلومات ومقاطع فيديو لآثار الدمار الذي خلفه القصف في تل أبيب وحيفا وديمونا بالنقب
وتظهر مقاطع الفيديو حالة الطوارئ في إسرائيل خلال تساقط صواريخ سكود ، حيث بقي الإسرائيليون في المناطق المحصنة ، وعاشوا حالة من الرعب في ظل سماع صافرات الإنذار في أنحاء البلاد
في المقابل شكل تعامل إسرائيل في ذلك الوقت مدعاة للتساؤل حول امتناعها عن الرد على القصف العراقي ، وحتى عدم مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بالرد
وأظهرت وثيقة نشرت ضمن دراسة أعدها المقدم شمعون جولان عام 2002 حول “اتخاذ القرارات على المستوى الإستراتيجي الإسرائيلي في حرب الخليج” وأماكن سقوط الصواريخ ، حيث بيّنت تركيز العراق على ضرب منطقة ديمونة ووسط إسرائيل ومنطقة تل أبيب وخليج حيفا
وكشفت الدراسة عن تخوف إسرائيلي من طبيعة الحرب المستقبلية ، بالقول: “اليوم ، بعد 31 عامًا،د مع دقة صاروخية عالية ، لا يسع المرء إلا أن يخمن كيف ستبدو خريطة مناطق سقوط الصواريخ في حرب مستقبلية”
لذلك نلمس اليوم بوضوح كيف أنَّ العراق د يسترجع ببطء ما كان عليه في السابق ، ومدى أهمية دوره كمصدر تهديد للعدو الإسرائيلي
وعلى وجه الخصوص لو أخذنا بعين الإعتبار ما يلي
أولاً [ أنَّ حزب الله يريد الحفاظ على حدوده هادئةً مع إسرائيل ]
ثانيًا ، [ ان نظام الأسد لا يرغب في منح إيران حرية التصرف في سورية ، بسبب خشيته من الانتقام الإسرائيلي ]
ثالثًا ، [ ان ايران نفسها اليوم في ظل التصالحات الراهنة ، لا تريد أن تقحم نفسها في حرب مع العدو الإسرائيلي ]
وبالتالي ، يصبح العراق ساحة مريحة ، يمكن إطلاق الصواريخ منها على إسرائيل دون اشتباك قاصد ، ودون أن يُلقى بالملامة على إيران قصدًا ، ومع ذلك ، فإنَّ إطلاق أي مقذوف من العراق [ سيخلق كثيرًا من الصخب ، وخصوصًا في الإعلام الإسرائيلي ]
2023-06-21