الحديث قي تفاصيل النكبة الفلسطينية يشبه النقد الأدبي للرواية الملحمية . وأية رواية مهما جنحت سردياتها نحو محاكاة الواقع ، تظل نوعا من المؤامرة بين المؤلف وعالمه الخاص . قد تفرض شخصياتها على المؤلف ، من حيث كونها نماذج محددة لوجود واقعي محيث سلفا وليس اختلاقا مجردا ، نوعا من موالاة النمط بهدف الإقناع النصي ، إلا أنه يظل البطل الوحيد لنصه الروائي . والحادثة الفلسطينية لم تبدأ ولم تعامل وقائعها على خلفية أي إشكال حقيقي في المكان أو الزمان الواقعيين ، بين طرفين متورطين جدليا في الصراع ، وإنما على خلفية إشكال مختلق للقوة والمصلحة . أي أن القضية من بدايتها وفي سياقها اللاحق هي مشروع للغزو مبرر باجتماع القوة والمصلحة في جانب واحد ، وعدوان طرف اختلاقي على طرف واقعي فصله مشروع القوة سلفا وتماما عن نموذج وجوده الفعلي ليحوله إلى اختلاق مقابل يصنع مع نقيضه المختلق تأسيسا ، وضعية من التوازن الكاذب تحول العدوان إلى صراع جدلي والإقتحام إلى إشكال متبادل . وهكذا فإن تعقب النكبة الفلسطينية لا يحتاج أن تبحث وقائعه بالتاريخ فكل شيء مختلق ، من الشعب العائد إلى وطن الآباء والأجداد إلى الجماعة الحقوقية الأخرى التي كانت تملأ الفراغ . الأول حقيقي اختلاقا والثاني غير حقيقي بما فيه الكفاية اختلاقا أيضا . لنقل ، برؤية المؤلف ” الإنسانية ” ، شعبان متورطان في نفس الحق على أرض واحدة . هذه هي الواقعة الإشكالية التي يحملها السرد الإختلاقي أي الروائي للمؤلف الصهيوني الغربي . ومن المنطقي روائيا أن يحل الإشكال بمنطق حقوقي عادل هو التقسيم . هذه الحيلة الروائية هي ما اعتمد عليه مشروع الغزو ، بدعم من القوة العسكرية ، وتلفيق وجود يهودي شرعي ( غير مهاجر) في فلسطين ، لاقتحام فضاء السياسة والرأي العام بشرعية تأسيسية .
فالتقسيم إذن له خلفيته الروائية الوثيقة الصلة بعقل المؤلف الواقعي الذي يقف وراء عقله أو مشروعه الروائي ( الإختلاقي ) . ففيما هو ، أي التقسيم ، في النص الروائي من مخارج الحل العادل ، فإنه في خفايا النص الواقعية مجرد حيلة تطبيعية مبكرة يتوقف عليها مصير المشروع على أي مدى لاحق . فالعقل الواقعي يعرف منطقيا أن التقسيم وقبول الفلسطينيين به هو الخطوة الحاسمة لتأسيس السياق التالي للمشروع على مبدأ التحول من الرواية إلى التاريخ ومواصلة مشروع النفي والتصفية من موقع التفهم الدولي . وما لم يقبل الشعب الفلسطيني بنوع من الخصوصية للمستوطن فسوف يظل مستوطنا ، ويظل المشروع حالة صراع بين الفلسطينيين وواقع الإقتحام ، ولن يحقق استقراره التطبيعي المنشود في المدى الذي تحدده المصلحة . ولكن إذا حدث مثل هذا التحول الإنقلابي لدى الفلسطينيين ، فستبدو الأمور بعده ، وخلال فترة سياسية وإعلامية قصيرة ، وكأن الصراع يمارس طبيعته مثل أي صراع آخر ، تمارس فيه القوة شرعيتها في الحسم . أما إذا ظل الفلسطينيون على رفضهم فإن المشروع سيقوم بإنتاج شرعيته الإختلاقية بنفسه إعلاميا . سيقفز بالقوة فوق الحقيقة الإستيطانية للمستوطنين ويصبح اسمهم في التداول السياسي” سكان فلسطين اليهود ” ، رغم أنهم نتاج حلقات قريبة جدا من الهجرة المنظمة ، التي كانت تتم برعاية وحماية انتدابية مباشرة . وسوف يصبح الفلسطينيون متطرفين وإرهابيين ، والسكان اليهود ضحايا في حالة دفاع عن النفس .
لقد كان التقسيم قائما من الناحية الفعلية منذ بداية الإنتداب على فلسطين . كان للمستوطنين اليهود دولتهم وجيشهم ومؤسساتهم العمالية والخدماتية المستقلة عن الإنتداب إداريا . كل ما كان ينقصهم هو الشرعية التي عوضت عنها القوة والحماية الإنتدابية . وفي حين كان الفلسطينون ينتظرون دخول الجيوش العربية إلى فلسطين عند رحيل الإنتداب ، كان المستوطنون قد انجزوا منذ زمن طويل رسم الخريطة الجديدة للتقسيم ، وتعيين الخطوط والمواقع التي ستتوقف عندها مطاردة الجيوش العربية .
بعد استقرار خطوط الهدنة ، لم تعد الشرعية ذات علاقة مباشرة باستمرار مشروع الغزو . لقد حقق شرعيته السياسية من خلال القرارات المتعاقبة للأمم المتحدة التي كانت تتبع الأمر الواقع على ساحة الصراع وتحاول تثبيته بحجة الدفاع عما تبقى من حقوق للفلسطينيين . وكانت القوة من جانبها تتدخل في مفاصل مرحلية محددة للسياق لتغيير حدود الأمر الواقع شرقا ، بينما يقوم الشريك الدولي في المشروع باستصدار الجمعية العامة ومجلس الأمن قرارات ” ملزمة ” تناسب الأمر الواقع الجديد ، والتي لن تعود ملزمة بعد تغييره من جانب القوة . ولم يكن هذا السياق لإنتاج الشرعية سحريا ، أو استقواء صريحا فقط، مفصولا عن جدله الواقعي مع تكوينات السياسة والرأي العام العالمي . هذا ما يحدث اليوم فعلا ، ولكن ظروفه عندها لم تكن بعد قد تهيأت على صعيد الإنضباط السياسي النسبي لعصر الهيمنة النسبية . لقد تهيأت له كل آليات الحراك المساندة على الصعيد المحلي والعالمي ، ولكن من خلال أخذ الآخر السياسي دوليا بنظر الإعتبار ، حيث أن الرأي العام العالمي لم يكن قد أصبح بعد إقطاعا لشركة العولمة الغربية . لقد حرص مشروع شرعية الأمر الواقع على توفير كل حيل وآليات خداع الرأي العام لتبني هذه الشرعية . كان على رأس هذه الآليات بالطبع الأمم المتحدة كما قدمنا . وكانت هناك أدبيات الضمير الأوروبي الشعبي بعد الحرب العالمية الثانية . وكانت هناك التبعيات السياسية الدولية للغرب من معظم دول العالم الثالث وعلى رأسها ” الدول العربية ” . ولكن هذه التبعية ، فيما عدا الدول العربية ، لم تكن بعد قد أصبحت كما هي الحال اليوم إطلاقا عدديا ونوعيا للتبعية للغرب . فقد كان هناك قطب دولي آخر يجمع في فلكه دولا أخرى . كما أن مفهوم التبعية لم يكن بعد قد أصبح في مستوياته كلها ولاء أعمى . كان لكثير من الدول والحكام مصالحهم وانحيازهم مع الغرب ، ولكن الولاء التام كان لشعوبهم وحرية قرارهم السياسي أولا . ولكن أكثر الولاءات خطرا ومباشرة ميدانية على الفلسطينيين كان الحكام العرب واليسار الفلسطيني والعربي . لقد لعب الطرفان لعبة الطابور الخامس بكمال ميداني تام . وفي حين أن الحكام العرب كانوا دمى محلية الصنع للمشروع الغربي الصهيوني يعملون معه في الخفاء ، فإن خلايا اليسار العربي كانت صناعة دولية وصهيونية محكمة الصنع والتوجيه ، وظفت أخلاقياتها الثورية علنا مع المشروع في ظاهره اليهودي الروائي . بل وظفت حتى ” انحياز ” الغرب لليهود على ” العرب ” ، بكونه ظاهرة انتهازية يجب أن تدفع الفلسطينيين إلى إفشالها بقبول التقسيم والتحالف مع التقدميين اليهود في حركة تحرر واحدة للشعبين . وعندما أصبح التقسيم أمرا واقعا بحدوده الجديدة عدلوا نشاطهم في اتجاه اعتراف فلسطيني وعربي بإسرائيل ، محتجين أن التجاوزات الحدودية التي حصلت كانت نتاجا للتطرف الفلسطيني وعمالة الحكام العرب . وبهذا يمكن القول أن الخدمات التبريرية التي ظل هذا اليسار يقدمها لإعلام المشروع الغربي الصهيوني لعبت أهم الأدوار في التأثير على الرأي العام الغربي في كل مفاصل السياق الحاسمة ” للصراع ” ، والتي وصلت بشرعية الأمر الواقع أوجها الإنقلابي في ما يسمى الآن مشروع التسوية والدولتين حيث أصبح الإشكال القائم سياسيا ” مئة في المئة ” يدور حول قضية نظرية مفادها كم بإمكان المستوطن أن يقدم من التنازلات للفلسطيني قي الضفة الغربية من أجل السلام . أي أن قضية الثنائية والشعبين هي مفاهيم تجاوزها الواقع السياسي ولم يعد هناك شيء أسمه ” حق ” فلسطيني سواء على مستوى الرواية أو الواقع من الناحية الفعلية . ومع ذلك فالمستوطن ما زال مستوطنا ولم يصبح ولن يصبح منتميا إلى حقيقة المواطنة إلا بقبول ألأكثرية الفلسطينية في الشتات بمبدإ التقسيم . وهذا يفسر تمسك المشروع وكيانه السياسي بحيلة الدولتين ، أي التقسيم ببزته الجديدة التي تطالب الفلسطيني أن يكون مهرج بلاط في الدولة اليهودية . يجب أن ” يعطى ” الفلسطينيون دولة على حساب وطن الشعب اليهودي من أجل السلام فقط . وهي تعرف من جانب مشروع الإقتحام بأنها ” دولة قابلة للعيش ” . أي أنها في الحقيقة النظرية يمكن أن تتألف من عشرة منازل مزودة بالماء والكهرباء ، وميزانية جارية ومرقص تديره السلطة الفلسطينية . يمكن أن تسمى الدولة سياحيا فلسطين ، وأن يكون لها علمها الخاص ، ونشيدها الوطني بشرط ألا يكون مارشا عسكريا وأن تشترك المرأة في تأديته حسب إصرار نايف حواتمة . هذه هي التسوية ( تقسيم دولة اليهود ) الذي يوافق عليه المشروع مقابل اعتراف دولي وعربي وفلسطيني بإسرائيل دولة يهودية ، ليصبح المستوطن أشد عراقة في الشرعية والوطنية من التراب نفسه . ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بتسوية دولية مباشرة مع الشتات الفلسطيني باهظة التعقيد والتكاليف ، ولكن يبدو أنها ممكنة حسب واقع الحال السياسي السائد ، وبخاصة إذا نجح المجتمع الدولي بإقناع سعد الحريري . ورغم الطابع الهزلي لهذا الكلام ، إلا أن الواقع السياقي للمهزلة الروائية أبعد منه بكثير . لقد مات بعض الفلسطينيين وهم يرثون فرصة التقسيم التاريخية التي رفضها الفلسطينيون ، معتبرين أنها كانت حلا يساريا دائما ، وليس حيلة مرحلية لدخول التاريخ من الباب بعد أن دخلوه من النافذة .
لقد أعطي الفلسطينيون في الرواية دور الضحية التي تم قتلها سريريا منذ بداية الفصل الأول للرواية . لم يكن لهم أي دور فيما حدث لهم سوى شخصية الحضور الغائب على المسرح . منذ عرفات وحتى عباس لم يكن للشعب الفلسطيني أي دور سوى تقديم الشهداء الذين كانت الرواية الرسمية للمشروع تحولهم إلى قرابين درامية في السياق تمثل مأساوية التطرف . ولكن الحقيقة المأساوية كانت في أن الفلسطينيين كانوا متساهلين مع مصيرهم المرعب الذي ليس له سابقة في النفي والوجود . لقد هيأهم المؤلف ليكونوا كذلك . وهم اليوم في حالة موت سريري مكتسب بالإعتياد . من استيقظوا منهم قام المشروع بإيقاظهم ليؤدوا أدورا تمهد لما بعدها من مراحل التصاعد الدرامي لسياق المصير الذي أعده لهم المؤلف . كل شيء تم علنا . وهو اليوم أكثر علنية مما قبله . فهذه هي طبيعة النص الروائي في تطوره السياقي من الغموض إلى الوضوح … إلى النهاية المرسومة . يصر النص الروائي ومعه الشعب الفلسطيني على بقاء منظمة التحرير ، أخطر آليات النص في السيطرة على على كل الخيوط “الشرعية ” التي بدونها لن يكتمل أهم الفصول وهو الفصل الأخير ، الذي سيتم فيه توقيع ” الشرعية ” ، على عقد زواج الرواية من التاريخ بعد موت الزوج . لا يريد شعبنا أو لا يستطيع أن يفهم أنه عاش ويعيش حالة عداء مع الذات خلال نكبته ، وأنه أصبح أسيرا لوعي مدبر يقوده إلى الموت الطوعي ، تتداوله أيدي العملاء الشرعيين والخونة السلاليين من شخوص الرواية في الطريق إلى غيابه الأبدي عن النص .
ترى ألم يحن الوقت ، أم أنه لن يحين أبدا لأنه أصبح خارج سياق الحقيقة ، لنبدأ تجربتنا الوحيدة للخلاص ، وهي استعادة نصنا الشرعي والتاريخي بحذافيره ، وإشهاره في وجه مشروع التصفية ، ونوقف الرواية عند حاجز الصد التاريخي والأزلى لوجودنا الفلسطيني الذي لا شراكة فيه لأحد ؟ ترى هل ينزع الشتات غفوته وغفلته ويدوس نخبه ” الشرعية ” وفصائله التسووية ، ويهدم وكرهم المسمى منظمة التحرير على رؤوسهم قبل أن يقيموا أحزابهم اليسارية الجديدة على التحالف مع الليبرالية ، كما قامت مرة على التحالف مع الصهيونية ، على أساس فلسفة التقسيم الذي أصبح الآن يسمى التسوية ؟ نحن مطمئنون إلى أن ألمشروع لن يقبل بأية تسوية قد تدور بخلدهم ، وأن قطار التسوية قد تجاوز أوهامهم إلى التصفية ، ولكن خزعبلاتهم الكلامية ، كما حصل سابقا ، ستصب في صالح شرعية المشروع وفي صالح انتقاص الحق والوعي الوطني .
إذا لم يوقفهم الشتات الفلسطيني عند حدهم فسوف يصبح التمسك بالوطن والذاكرة عبثا ، بعد سنة من اليوم . والوحيد الذي سيستفيد من صعودهم اليساري هو الإستيطان وحرية المرأة .