الليبرالية الأمريكية تسقط أصنامها ..!
توفيق سلاّم
تعاني الدول الأوروبية من حالة عوز لا يسمح لها بمواجهة حرب عالية الكثافة، هذا يفسر جزئياً لواقع الحالة الراهنة، علاوة عامل الخوف من التصعيد، والتلكؤ الذي يميز تقديم الأسلحة لأوكرانيا. وتجد الولايات المتحدة صعوبة في تموين القوات الأوكرانية بالذخيرة إلى حد جعلها تطلب من إسرائيل ومن كوريا الجنوبية سحب كميات منها من مخزونات الأسلحة الأمريكية، لكن ذلك لم يمنعها من اتهام روسيا بجلب أسلحة من الصين وكوريا الشمالية ومصر، وقبل ذلك من إيران.
تآكل الاقتصاد الأوروبي
لم يعد الغرب كما كان الكتلة الكبرى على الصعيد الاقتصادي المهيمن على السوق العالمية، فالصين تحتل المراكز المنافس للولايات المتحدة والغرب عموماً على صدارة الاقتصاد العالمي. يظهر تقييم الإنتاج الإجمالي المحلي بالدولار الاسمي لكلا البلدين بأن الصين لا تزال تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، لكن مقارنتهما، من حيث تعادل القدرة الشرائية تظهر أن الصين تتقدم على الولايات المتحدة بعدة أشواط. من جهة أخرى تقول المؤشرات الاقتصادية أنه من المتوقع أن يبلغ الإنتاج الإجمالي المحلي في بلدان “بريكس” نسبة 50 % من الإنتاج الإجمالي المحلي العالمي بحلول عام 2030، دون حساب حصص البلدان المرشحة للحاق بالمجموعة.
في الوقت الحاضر، تحاول الدعاية الغربية طمأنة نفسها بنفسها بالقول إن لروسيا إنتاجاً إجمالياً محليا يقارب نظيره في إسبانيا، لكن كيف نفسر قوتها العسكرية المعتبرة، وقدرتها على مواجهة مجموع البلدان الغربية من ناحية، وتأثر الغرب نفسه بالعقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها من ناحية أخرى؟ للإجابة يتعين أن نأخذ بالاعتبار هنا الاقتصاد الحقيقي، أي إنتاج الثروات المادية، فإذا قارنا الناتجين الإجماليين المحليين للبلدين المذكورين، من حيث تعادل القدرة الشرائية، نجد روسيا في المرتبة السادسة عالمياً. وفي النظام الجديد قيد التكوين، تبدو آفاق التعاون الاقتصادي تزداد تصاعداً مع دول مثل الهند، الصين، روسيا، البرازيل، إيران، آسيا، إفريقيا، أمريكا اللاتينية، وفيما بين هذه الدول، بدأ التعامل بالعملات الوطنية، وهو الأمر الذي أدى لأن يفقد الدولار سيطرته ومعه دكتاتورية النظام المالي الغربي.. فالدولار هو آخر ماتبقى من مظاهر الهيمنة الأمريكية على اقتصادات العالم. ومؤشرات ذلك تبدو خطيرة مثل ما حدث مع العديد من الدول ومنها روسيا: بتجميد – أو سرقة- احتياطات روسيا النقدية من الدولار، لتبدأ روسيا بشكل جاد في تعويض الدولار بعملاتها المحلية في تعاملاتها التجارية البينية، فقط قبل أسابيع الصين والبرازيل اتفقنا على تحييد الدولار من تعاملاتها البينية ونفس الشيء بالنسبة للمعاملات بين الهند وماليزيا ومجموعة دول آسيان التي تبحث إنشاء عملة موحدة بينها لتعويض الدولار. لذلك فإن النظام النقدي الدولي الذي تمخض عن اتفاقيات بروتن وودز يحتضر ويبدو أن السعودية التي أطلقت في يوم ما المارد من قمقمه، وجعلت من أمريكا دولة مهيمنة عالمياً بعد ربطها الدولار بالبترول، قد تدخل التاريخ مرة أخرى إن رضخت للضغوط الروسية الصينية المحرضة على فك الارتباط بين البترول والدولار، عندئذ يمكن القول إن عصر الليبرالية يضمحل.
تقول الولايات المتحدة إن الحرب في أوكرانيا وحدت أوروبا، والعكس هو الصحيح تماماً، فهناك اختلاف في وجهات النظر والمواقف، لكن في المجمل تبدو أوروبا تابعيات للسياسة الأمريكية.
عقب انتهاء زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى الصين التي امتدت ما بين 5 و7 أبريل/نيسان الجاري أدلى الرئيس الفرنسي ماكرون بتصريحات اعتبرت صادمة لعدد من حلفائه الغربيين، بعد أن حث نظراءه في الاتحاد الأوروبي على تبني الحياد، والابتعاد عن التبعية لأمريكا في ما يخص ملف تايوان المتنازع عليه، وشدد ماكرون على ضرورة عدم انحياز أوروبا إلى واشنطن أو بكين في هذا الملف، وقال: “أسوأ شيء هو اعتقاد أننا نحن الأوروبيين يجب أن نكون تبعيين في هذا الموضوع، والتكيف مع الإيقاع الأمريكي ورد الفعل الصيني المبالغ فيه”. وأردف معتبراً أن “الخطر الكبير” الذي تواجهه أوروبا، هو أنها عالقة في أزمات ليست من أزماتنا، ما يمنعها من بناء استقلاليتها الاستراتيجية.
هذا قبل أن يضيف بنبرة غاضبة: “نحن الأوروبيين بحاجة إلى أن نستيقظ.. أولويتنا ليست التكيف مع أجندة الآخرين في جميع مناطق العالم”،
وأضاف يجب على الأوروبيين التشبث بتحقيق السيادة الاستراتيجية الأوروبية عبر تخفيض التوتر في مضيق تايوان، وقال “إذا كان يوجد تسارع في قيام قطبية ثنائية، فلن يكون لدينا الوقت، ولا الوسائل لتمويل استقلالنا الاستراتيجي، وسنصبح تابعين، بينما يمكننا أن نكون القطب الثالث إذا كان لدينا بضع سنوات لبنائه”.
هذه التصريحات التي أثارت انتقادات كثيرة وسخطاً واسعاً من حلفائه التقليديين المنبطحين لأمريكا، اعتبروها “هدية مجاملة” للرئيس الصيني، فيما وصفه البعض بـ”العمى الجيوسياسي”.
عسكرة أوروبا
وبالنظر إلى عسكرة أوروبا، لا سيما بعد انضمام فنلندا البلد المستقر منذ أكثر من سبعين عاماً، منذ الحرب العالمية الثانية بوضعه على “الحياد” اليوم يفتقد هذه الخاصية، بعد انضمامه لحلف الناتو، فحدود هذا البلد، قابل للاشتعال، وقد أظهرت تقارير إعلامية أن حلف الناتو بدأ على خط الحدود مع روسيا بأنشطة عسكرية واستخبارية ولوجيستية، وهو ما جعل روسيا تقوم بأنشطة مقابلة.
ومهما كانت التبريرات في الدوافع بانضمام فنلندا للناتو، إلا أن ذلك لا يبرأها من الاشتراك في الخطط الأمنية لحلف الناتو لتطويق روسيا، وزيادة وتيرة التصعيد. وبهذا تكون فنلندا قد وقعت بنفس الخطأ الذي وقعت فيه أوكرانيا، أي أن فنلندا ستكون طعماً في خارطة الصراع، ومثلها السويد.
هندسة الشائعات
يتجلى أحد أبرز المؤشرات على انحطاط الهيمنة الغربية في تدهور آداب الإعلام والاتصال في العديد من الوسائط الغربية. بدا هذا التدهور قبل عدة عقود، بالتزامن مع تعزيز سيطرة الولايات المتحدة المنفرد على العالم، وتعمق في ظل النزاع الأوكراني بطريقة فظيعة، فلم يعد الإعلام الغربي سوى دعاية فظفاظة خشنة، وأحادية اللون، وعدوانية مشوشة إلى أقصى درجة من الاستخفاف في توجيه رسائله.
الجميع يتذكر أنهم لجاؤوا لنفس التقنيات ولنفس الذرائع ضد الرئيسين صدام والقذافي، وها هم يعيدون تدويرها ضد بوتين، بالرغم من اختلاف حجم وقوة الخصم الماثل أمامها. هذه المرة، في روسيا، أهو انعدام وعي وهلوسة أم إرادة الحط من شأن الخصم؟ كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يلجاؤون أيضا للترديد بلا هوادة أن صدام والقذافي كانا يكذبان عندما وافقا على شروط الأمم المتحدة، وذلك خوفاً من أن تتسبب موافقتهما في عرقلة أنصار التدخل ضدهما. بنفس الأسلوب كانوا يثيرون موضوع محاكمتهما، وبنفس الأسلوب يقدمون أرقاما خيالية عن ثروتهما الشخصية، أرقام تتطابق على نحو غريب مع أرقام أرصدة الدولتين العراقية والليبية المجمدة في الولايات المتحدة وفي غيرها في بلدان الغرب، وهو نفس الأسلوب الدعائي الذي يستخدم ضد بوتين، وهذه الدعايات لن تسقط روسيا، ولن تجعل العالم يقاطع روسيا وفقا لهذه الثرثرات الخادعة، التي تخفي دور أمريكا الخبيث في استعمار العالم. ألم يكن هتلر سباقاً، ويحمل نفس هذا الحلم للسيطرة على العالم، وأخيرا اصطدم بجدار الاتحاد السوفيتي.
عندما تقوم شعوب العالم بتذكير الغرب بتلك الوقائع، فهي لا تخرج إذن عن الموضوع، إلاّ أن هذه المقاربة تزعج قادة الغرب. والشعوب لا تخطئ في تقديرها، وهي تشير ببساطة إلى أن الماضي يفسر الحاضر، وأن نفس النزاع يتواصل. الأغرب بأن صحافيي الغرب يتحدثون، بلا تحفظ عن تهجير 200 ألف إلى 700 ألف طفل أوكراني إلى روسيا، عن أطفال عمرهم أربع سنوات تعرضوا للاغتصاب.. الشيء الوحيد الذي لم يأت هؤلاء على ذكره حتى الآن؟ هو أن الروس… يأكلون البشر…! واليوم يخرج لنا اليهودي زيلينسكي ليقول أن الروس قطعوا رأس جندياً أوكرانياً، وهو بذلك يحاول الهروب من جرائم العمليات الإرهابية في روسيا ضد ابنة المفكر الروسي دوجين وكان يستهدف تصفية دوجين نفسه، لأن الغرب يرى في دوجين العقل المدبر لبوتين، وقبل أيام ضد المراسل الصحفي الروسي ( فلادلين تتارسكي ).
أصبحت الفضائيات الغربية منابر للثرثرة ونسج الخرافات، منابر لا تمنح فيها أهمية لترابط الأفكار، للمنطق ولا احتمالية الخطأ والصواب، أما الخيال فلا حدود له، بحيث يجد المرء نفسه أمام إعلام جماعي متآمر، هناك من حين لآخر لحظة، أو عثرة تنكشف من خلالها الحقيقة فجأة ودون إرادة من أصحابها، مثلاً أعرب الجنرال الفرنسي نيكولا ريشو، عن انزعاجه من بعض التحفظات التي أبداها الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة بشأن تمويل الحرب في أوكرانيا، وصرح بأن ” الجيش الأمريكي في طريقه إلى القضاء على الجيش الروسي ب5 % من ميزانيته، أي ب 40 مليار من أصل 800 مليار.. من يكون ضد نتيجة كهذه في الولايات المتحدة ؟ هذا ما جاء في القناة الإعلامية “أل سي إي 7 يناير 2023”.
ولتفسير الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها بوتين عند شعبه، وفي العالم تلجأ النخبة الفكرية العضوية الغربية من جامعيين، محررين، محللين مدنيين وعسكريين، على صلة بديهية بجهات استخبارية وأمنية وغيرها، إلى القول بأن الأمر يتعلق بعقلية الخضوع لدى الروس، بصفات تميز الروح السلافية، ثم يرجي تأكيد ذلك الوصف من قبل المنفيين السياسيين الروس تحرص قنوات غربية استضافتهم، فيقوم هؤلاء بالمطلوب وزيادة بهمة ونشاط. هنا كما في حالات أخرى، ينتج الغرب على مدى قرون هيمنته، على هذا النوع من النخب التغريبية، المشحونة بكره الذات. إنه لدليل دامغ على أن الإيديولوجية الغربية اشتغلت في كل مكان بهذا النفس العدائي.
كل ذلك لأن روسيا نهضت من كبوتها، وأصبحت لاعباً دولياً قوياً، واعتبار بوتين معبراً عن إرادة شعبه، وأن الثقة الموضوعة فيه مصدرها تمكنه من النهوض بروسيا على إثر الأزمة الرهيبة الناتجة عن انهيار الاتحاد السوفيتي.
يواصل الأمريكيون بث تقنياتهم الإعلامية الجديدة، المرتبطة بنظرية “الكذب المفيد”، في الغرب بأسره، والتي يجري بمقتضاها أن الكذب قد يكون مفيداً، إذا كان يسمح بالوقاية من وقوع حدث خطير. هكذا جرى -مثلاً – اتهام الصين بتقديم أسلحة لروسيا، كما أعلنت الولايات المتحدة أنها متأكدة، بأن الصين تقدم معلومات لميليشيا فاغنر صادرة عن أقمارها الصناعية، اعتماداً على تصورات كهذه حول حقيقة افتراضية أو محتملة، بالإمكان اعتبار الخلاصات، في التنبوءات المستنتجة من تحليل نظري بحت، أو حتى مجرد فرضيات على أنها معلومات بما أنها قابلة للحدوث.
في هذا المجال يرتكب الغرب عامة والأمريكيون خاصة تصورا خاطئا، كونهم يعتبرون وسائل الإعلام قادرة على كل شيء، وأنه يكفي ببساطة الاستيلاء على عقول العامة، أو التأثير عليها، ومع ذلك فإن الوقائع عنيدة في كثير منها، ولا يمكن صناعة الرأي العام، خاصة إذا تعلق الأمر بمصالح الأمم بالذات. ولابد أن يكون هناك رأياً مغايراً للسياسة الغربية ومناوئا لها، رغم الجهد الهائل في انفاق الأموال للدعاية الغربية أو على الإعلام بشكل عام. وإذا كان لهذه الدعاية بعض التأثير في الغرب، إلا أن هناك الكثير من يعتقدون بأن وسائل الإعلام لا تقول الحقيقة.
الغرب يعزل نفسه
في الحقيقة، بلغ تذبذب الغرب أوَّجه، إنه معزول، أو بالأحرى يواصل بلا تبصر عزل نفسه عن بقية العالم، حتى الألفاظ التي يستعملها، تنم عن شعوره بالعزلة، إذ لم يعد ينظر لنفسه على أنه العالم. الغرب وحداني أكثر فأكثر، الغرب يجتمع مع الغرب، والغرب يصفق للغرب. الجولة الأخيرة للرئيس زيلينسكي التي قادته إلى برلمانات الولايات المتحدة، قدمت للعالم صورة مثيرة للدهشة في هذا المضمار، الكل كان يهم بأخذ صورة مع الرئيس زيلينسكي، ويصفق بحرارة، وكأن زيلينسكي يتحدث عن خوارق، أو مشاهد كوميدية على خشبة مسرح تستدعي ذلك التفاعل، ومع ذلك كانت تلك الغوغاء تطلق للتنفيس عن أزمة انكسارات داخلية في متوالية الاخفاقات والفشل التي تحصدها. وما قام به الغرب من عقوبات كانت كفيلة ببطح روسيا أرضاً، وبعدها يسهل اجتياحها عسكرياً. وما حدث لا يصدق …! واجهت روسيا كل ذلك بصبر وحكمة، فالإجراءات التي اتخذتها هزت أركان الغرب، وتركته يصارع قراراته بإرتداداتها التي مازالت تحفر أعماقاً للاقتصاد الغربي لدفنه حياً.
اليوم يجد الأوروبيون أنفسهم بأنهم وقعوا في مخدع اقتصادي وتجاري، عندما حلت أمريكا نفسها بديلاً لتبيع شركاتها، الغاز بأربع أضعافه، هذه هي هول الكارثة التي صدمت الجميع…! حينها بدأ الغرب ينطوي أكثر فأكثر على نفسه، ويعض نواجده، يبكي سنوات رفاهيته.
وعندما يتحدث الأمريكي عن نفسه، يقول صراحة “الغرب”، وأحياناً ينفصل عنهم، ويقول مصلحة أمريكا أولاً.. أما إذا ذهب نحو أوكرانيا فيقول” أنه يدافع عن قيم الحرية”، ولا يخجل أن يتحدث عن “الأمن القومي الأمريكي” عند أقدام روسيا….!
أمريكا تسقط أصنامها
الغرب حائر الآن، فقد مل وهو يترصد في كل لحظة ظهور مؤشرات، على وجود اختلاف، أو تباعد بين الصين وروسيا، أو حركة تمرد في هذين البلدين.. ما أقدم ذلك العصر الذي كان فيها الغرب واثقاً من نفسه، عصر الأيديولوجيا الغربية، كان الغرب يصور نفسه من خلالها أنه العالم، يدعو فيها للحرية، للديمقراطية، لليبرالية، عصر كان فيه متيقناً من قدرة القيم التي يعلن عنها على حل جميع مشاكل الإنسانية.
اليوم يتناقض مع كل ذلك، عندما ظهر منافسون أقوياء، لم تعد تلك الأفكار تبهج سريرته، الآن هو يسقط أصنامه بيده يتهجم على مبدأ الملكية الخاصة المقدسة لديه، من خلال سرقة الأموال التي أودعتها دول ذات سيادة في بنوكها، ومن خلال حجز أملاك أشخاص أيضاً، لا لسبب سوى لأنهم يحملون جنسية بلد أجنبي. وهو الذي يتهجم على قاعدته المقدسة حول التنافس الحر والنزيه ، أو ما تسمى العولمة، داسها باستخفاف، لأنها لم تعد تلبي قيم ليبراليته في احتكار السوق العالمية، كما تهجم على مبدأ حرية التعبير والمنافسة في مجال الإعلام، فارضاً الحظر، منذ بدء الحرب في أوكرانيا، على وسائل الإعلام البديلة، لاسيما القنوات الروسية، بينما كان يتمتع في الماضي بسمعة عدم التصرف على طريقة الدول الشمولية. وأصبح يفكر الآن في تأطير شبكات التواصل الاجتماعي. وهو الذي تهجم أيضاً على مبدأ حرية المعاملات التجارية والاقتصادية، إذ أعطى لنفسه حقاً سيادياً لا يستند إلى قرار مبني على القانون الدولي، في معاقبة بلدان وشعوب من الناحية الاقتصادية، عبر حظر موانئ ومطارات على سفنها وطائراتها. باختصار تنكر من تلقاء نفسه لكافة القيم التي أعلنها في السابق أنه يريد نشرها عبر العالم وبرر باسمها تدخلاته في شؤون الدول.
نخب غربية عاجزة
النخب الحاكمة الغربية عاجزة عن وضع مشروع كوني، برؤية جديدة لمستقبل العالم، هذه الرؤية فقط موجودة الآن لدى المعسكر الخصم، رؤية عالم متحرر من كل أشكال الهيمنة، من دكتاتورية الدولار والابتزاز بالعقوبات الاقتصادية، عالم تتساوى فيه الأمم في الحقوق والعلاقات المبنية على الاحترام المتبادل، وحرية المواطنين، عالم تسمح فيه الديمقراطية الدولية بنهضة الديمقراطيات الوطنية. إذ تبدو المرجعيات الغربية الداعية باستمرار الديمقراطية، الحرية، حقوق الإنسان شعارات فظفاظة، وفاقدة لمصداقيتها، أو هكذا تبدو، أسطوانة مشروخة يستمع إليها العالم غير الغربي بأدب ممزوج بالشك. لم تعد تلك المرجعيات من بريق لها سوى في بقايا الأقليات التغريبية هنا وهناك. لكن مهما بلغ دلال الغرب لهذه النخب عبر الدعاية لممثليها الأكثر وفاء لها، لم يعد لها أي وظيفة سوى وظيفة تطمينيه، متسببة له بالنتيجة المزيد من العماء عن واقع العالم الجديد.
عرب جورنال
2023-04-17