اليورانيوم المنضب في العراق.. طفلة بستة أصابع وأخرى بسرطان الثدي –
هواء ملوث وتربة مسممة..
هذه هي هداياهم للبلاد التي يحررونها..
لماذا ستدفع الدول المجاورة ثمنا فادحا لتلوث العراق؟
ولماذا تحلل الأسلحة المحرمة لهم وتحرم على بوتين؟
خالد شحام
يزخر شهر آذار بحزمة ثقيلة من ذكريات الألم العربي وأحداث وتفاعلات عالمية وعربية لا يمكن ان يمحوها الزمان من وعينا ولا من ذاكرتنا ، يشغل احتلال العراق الوزن الأكبر في هذه الذاكرة في كل سنة ضمن حيز هذا التاريخ ، تاريخ اقتحام بغداد وبدء الغزوة الهمجية على الحضارة والشعب العربي بكل أطيافه ، في ليلة العشرين من آذار بدء العدوان البريطاني – الصهيوني – الأمريكي بالقصف المركز على العاصمة وبعد أسبوعين تم اقتحام بغداد وإسقاط تمثال صدام حسين كرمزية إهانة لكل العرب المتفرجين أو المشاركين في العدوان الآثم .
في جريمة العدوان والاحتلال الأمريكي للعراق الحزين يمكن كتابة مقالات موسعة لمعالجة وفهم أشياء ودروس لم نكن على انتباه أو وعي كاف لها، وهنا أدعو كل الكتاب العرب للتفاعل مع الحدث ومنحه حقه الطبيعي من الكتابة والتوعية والتذكير ، سأختار لكم من جملة الجرائم الأمريكية جريمة واحدة بالذات مرتبطة تماما بما يحدث الان مع روسيا في حربها ضد أوكرانيا وهي جريمة استخدام اليورانيوم المنضب ضد الشعب العراقي .
التذكرة حول الجرائم في العراق ليست مزايدات كلامية ولا هي استعراضات بكائية إنشائية ، إنها جزء من آلية النهوص بالوعي والوجدان لكي لا ننسى أولا ولكي نبقى على الصحوة والعهد ثانيا فمن اقترف هذه الجرائم لا يزال ماثلا أمامنا يرتكب المزيد منها دون قيد ولا رادع ، جريمة الأمريكان في العراق هي ذاتها جرائم مضافة في اليمن وسوريا وليبيا وفلسطين وكل مكان يضعون أنفسهم فيه ويتركون فيه بصماتهم كما فعلوا في فيتنام وأفغانستان وغيرها من قبل.
لا زلنا نتابع تفاعلات ردود الفعل الروسية حول تزويد الجيش الأوكراني بدبابات تشالينجر البريطانية وليوبارد الألمانية وابرامز الأمريكية وجميع هذه القطع تتضمن تسليحا بمقذوفات اليورانيوم المنضب ، فما هو هذا الشيء ولماذا قامت كل هذه الضجة من حوله في هذه الفترة بينما يعاني شعب العراق من هذه المادة وتبعاتها على مدى عشرين سنة دون ان يلتفت أحد أو يأخذ الموضوع على منحى الجدية الكافية ؟
بداية الأمر تأتي من بعض التفاصيل العلمية التي يمكنها أن تمنح القارىء العربي غير المطلع بعض جوانب الثقافة العلمية الكافية لاستيعاب وفهم محتوى هذا الموضوع عند طرحه في الإعلام والتقارير الإخبارية وأتمنى منكم المضي في القراءة .
يوجد عنصر اليورانيوم في الطبيعة على شكل مركبات معقدة التركيب ولا يوجد بصورة حرة لوحده ، يمكن العثورعلى هذا الفلز في الرسوبيات الصخرية كما في الفوسفات المغربي والأردني وكذلك في حزم العروق النارية بصحبة الصخور النارية الجوفية ويتم استخراجه من خلال المناجم وأعمال الحفر والطحن والفرز ، عقب ذلك تجرى عمليات كيميائية واسعة على الخام لاستخلاص الفلز منه وجرت العادة أن كل طن من الصخر الخام يمكنه أن يقدم 1-3 غم من هذا الفلز عندما يكون الخام عالي التركيز ، فلز اليورانيوم المستخلص يبدو لونه فضيا مثل الحديد النظيف تماما ويتمتع بخاصية الكثافة العالية حيث تصل كثافته إلى 19 غم / سم مكعب ، ولفهم معنى ذلك فلو كانت لدينا كمية من اليورانيوم مصنعة على شكل وحجم بيضة الدجاج العادية فمن المتوقع أن يكون وزن هذه القطعة بحدود 2 كغم !
الخاصية الإشعاعية شيء مرافق وأساسي في فلز اليورانيوم حيث أنه يشع طبيعيا جسيمات ألفا وبيتا وأشعة جاما الكهرومغناطيسية بصمت وهدوء وجميع هذه الإشعاعات خطرة وقاتلة للنسيج الحي ، يحتوي اليورانيوم الطبيعي المستخلص من الخامات على ثلاثة أنواع طبيعية من اليورانيوم ( نظائر ) وهي 238 – 235 – 234 والنسبة الأعظم هي للنوع 238 بنسبة 99% ، يعتبر النوع 235 الأغلى ثمنا والأكثر أهمية داخل الفلز لأنه يتمتع بإشعاع قوي جدا وقابل لعملية الانشطار ، لذلك يتركز الطلب عليه لأغراض المفاعلات النووية والتجارب الذرية وكذلك والأهم القنابل النووية كما فعلت تجربة مانهاتن الأمريكية .
تبلغ نسبة النظير 235 داخل اليورانيوم الحر أقل من 1% ومن اجل استخلاصه من اليورانيوم الخام تجرى عمليات كيميائية – فيزيائية بالغة التعقيد تدعى بعملية التخصيب كالتي تدان بها ايران منذ سنوات طويلة ، وفي عملية التخصيب يتم رفع تركيز اليورانيوم 235 الى نسب أعلى من المعدل الطبيعي والتخلص من النوع 238 الأقل إشعاعا وغير الملائم للتجارب النووية ، عندما يتم التخصيب بنسبة من 5-10% فهذا اليورانيوم يستخدم لأغراض المفاعلات الذرية والنسب الأعلى تستخدم لأغراض الأبحاث أما التراكيز من فئة 60% فأعلى فهنا يبدأ التخصيص لأعمال التسليح الذري والقنابل النووية المحرمة والبالغة الأذى .
عند تخصيب اليورانيوم يتم طرح النوع 238 بكميات كبيرة ، وللتقريب فإن استخلاص كيلو غرام من اليورانيوم 235 بنسبة 90% وأكثر يقود إلى طرح 200 كيلوغرام من النوع 238 كناتج ثانوي أو مخلفات لا أهمية لها في الصناعات النووية ، ولهذا السبب تتراكم لدى معامل التخصيب كميات كبيرة من اليورانيوم 238 الذي يعد عبئا كبيرا في التخلص منه ، أولا لأنه لا يناسب الصناعات النووية وثانيا ولأنه مشع فإن الكل لا يرغب في التعامل معه ودفع كلف الوقاية والعلاج من مصائبه ، هذا اليورانيوم المتخلف من عمليات التخصيب هو ما يدعى بإسم اليورانيوم المنضب او المستنفذ أو المستهلك أو المفرغ من المحتوى الدسم واتمنى هنا أن ننتبه إلى أن هذه التسمية المراوغة قد تقود البعض إلى الظن بأن هذه المادة آمنة أو خالية من المخاطر لأنها بعكس ذلك تماما ، وفي علوم الهندسة التطبيقية لا يمكن ترك مادة متراكمة دون البحث عن جدوى اقتصادية او وظيفية لها ولذلك تم البحث عن فوائد لهذا اليورانيوم فكانت صناعات التسليح هي الأكثر اهتماما به لأنها اكتشفت فيه ضالتها المنشودة لصناعة المقذوف المثالي .
في فيزياء صناعة الأسلحة المقذوفة من الضروري جدا ان يكون المقذوف ذا كتلة مناسبة وحجم صغير بما يمكن لأن الكتلة المناسبة ستعمل على حفظ كمية الطاقة أثناء حركة المقذوف ومساعدته على تنفيذ مهمته ، اما الحجم الصغير فسوف يساعده على تجنب المقاومة العالية للهواء أثناء الحركة ، فمثلا لو جرب أحدكم أن يرمي بعود خشبي من عيدان نكاشات الأسنان نحو لوح من الفلين فستجد أن إصابة الهدف شبه مستحيلة مهما بذلت من قوة لأن كتلة العود خفيفة ولا قدرة لها على نقل أو حمل الطاقة الكافية ولكن اذا استبدلت العود بمسمار من الحديد فسوف تجد أن الأمر أفضل بكثير وبهذا المنطق يتم استخدام فلز الرصاص في طلقات المسدسات والبنادق بسبب كثافته العالية ، وبما أن اليورانيوم المنضب أو المستنفذ يتمتع بكثافة 1.7 مرة عن الرصاص فمن المؤكد أن قدرته على نقل الطاقة ستكون أفضل ضمن نفس الحجم ، الميزة الثانية أن الصلابة التي يتمتع بها اليورانيوم مقابل فلز الرصاص الطري تعتبر ميزة سحرية خاصة اذا علمنا أنه من الممكن رفع صلابة هذا اليورانيوم بإضافة القليل من فلزات مثل التيتانيوم الى خلطته حيث يتحول الى سبيكة شديدة الصلابة وفائقة الاختراق ، لقد حققت صناعات الأسلحة الأميركية ثروة طائلة من إدخال اليورانيوم المنضب الرخيص الثمن في صناعاتها وغلفته بالألمنيوم للاحتيال على من يتعاملون به .
في المقذوفات المسلحة باليورانيوم المنضب تتم صناعة المقذوف بحيث يحتل اليورانيوم الرأس المدبب من المقدوف وهذه الميزة الصغيرة تسبب فعل السحر في الأداء ، فعندما تندفع القذيفة نحو الدرع أو التحصينات فإن المساحة الصغيرة للرأس المدبب مع كمية القوة الهائلة الدافعة تتسببان في إحداث ضغط مرعب على بؤرة ضيقة في الدرع مما يرفع درجة حرارة هذه البؤرة في غضون أجزاء ميكروية من الثانية الى الاف الدرجات المئوية حيث يلين الفولاذ ويصبح سهل الاختراق وبهذه الطريقة يمكن لبعض قذائف اليورانيوم أن تخترق الدروع الفولاذية بسماكة قد تصل الى 70 سم وتخترق التحصينات الخرسانية بسماكة عدة امتار !
بهذا المزج بين العلم وأفعال العساكر يمكن لقذائف اليورانيوم المنضب ان تخترق كل اشكال التحصينات الخرسانية والرملية والفولاذية بقسوة وبقوة مفرطة وبلا رحمة ، وبهذه الطريقة تمكنت القذيفة الأمريكية المجرمة من اختراق ملجأ العامرية على الرغم من سماكة تحصينه وقتل كل من فيه من الاطفال والنساء والعجائزالأبرياء الذين لاذوا بالملجأ هربا من القصف وبهذه الطريقة فتكوا بسلاح المدرعات العراقي والتحصينات الكثيفة وبنفس هذه الطريقة دكوا جبال تورا بورا في أفغانستان.
في لحظة التصادم بين المقذوف والدرع المستهدف تكون مقادير الضغط والحرارة من الفئات المهولة ومن الطبيعي عند هذه الشروط أن يتناثر الفلز الصلب الى فتات مطحون بحجوم مجهرية تتراوح ما بين الميكرومترات والنانومترات وبسبب الحرارة الهائلة يتفاعل مسحوق الفلز الناشىء فورا مع الأكسجين مشتعلا ومطلقا كمية هائلة من الشرارات المتناثرة و الحرارة المحرقة التي تساهم في زيادة ليونة الدرع ولذلك تتمتع جميع هذه المقذوفات بشعلة وشرارات وميضية لحظة التصادم تحرق كل شيء داخل المستهدف .
بمجرد ان يشتعل اليورانيوم ويتفاعل مع الأكسجين تنتج من هذا التفاعل ثلاثة أكاسيد اساسية لليورانيوم : ثاني أكسيد اليورانيوم – ثالث أكسيد اليورانيوم – ثامن اكسيد اليورانيوم ، يتميز الآكسيد الأول بأنه عديم الذوبان في الماء بينما يذوب الباقيان بنسبة جيدة في الماء ، إن هذه الأكاسيد الدقيقة جدا في حجمها تبقى معلقة في الهواء وتترسب بعد فترة في التربة والمياه السطحية ثم الجوفية ويمتصها النبات والحيوان وجلد الانسان ولن يسلم من شرها لا إنسان ولا حيوان ولا نبات.
عندما يقوم الانسان بإستنشاق غبار ثاني اكسيد اليورانيوم فإنه يستقر في الرئتين والجهاز التنفسي وبما أنه غير ذائب فإنه يبقى مقيما داخل الجسد وقد يتطلب تصريفه 10-20 سنة وطوال هذه الفترة يبقى يسمم الجسد بالإشعاعات ويبث دقائق ألفا وبيتا وأشعة جاما وتبدأ الأعراض بالظهور على شكل حمى وهزال وسعال وتقيؤ ثم الاصابة الحتمية بالسرطان في الرئتين أو القناة التنفسية والوفاة المؤلمة لاحقا ، أما إذا تم استنشاق أو ابتلاع أحد الأكاسيد الذائبة فالمصيبة أكبر لأنها سوف تتغلغل في جميع الأعضاء وتنتشر مع الدورة الدموية وتتراكب مع جزئيات DNA في كروموسومات الخلايا .
إن الخطورة الهائلة لليورانيوم المنضب أو مركباته تتمثل في ثلاثة مصائب :
1-الخاصية الإشعاعية : حيث أن هذا اليورانيوم وبعكس ما تحاول افتاءات الكونجرس الأمريكي وتقاريرهم وعلماؤهم من الإدعاء بالعكس فهو يورانيوم مشع ويطلق جسميات ألفا وبيتا وأشعة جاما التي تتسبب في تحوير الجينات واحداث التشوه الخلقي والسرطاني ، وفي المدن العراقية التي تم قصفها بهذه القذائف مثل الفلوجة والناصرية والبصرة فإن أعداد المصابين بالتسمم الإشعاعي وأعراضه يقاربون المليون ضحية ، حتى ان نفس الأعداء سجلوا إصابات وحالات وفيات بالألوف وتكتموا على هذا الموضوع ، لا نجاة لأحد في التعامل مع اليورانيوم المنضب .