عشرون عامًا مضت على ذكرى الغزو الأميركي للعراق ، والذريعة كانت وجود أسلحة دمار شامل مُخبأة ومعدة للإستعمال
وكما هو المتعارف عن الأخطبوط الأميركي ندرة الدخول في الحرب المباشرة ، إنما اللجوء الى الحرب بالوكالة ، ولكن إدارة جورج بوش كانت مقتنعة ، وعملت على طمأنت الشعب الأميركي والعالم ، بأن الحرب ستُخلّف عددًا قليلًا من الضحايا المدنيين والعسكريين ، بالإضافة الى تحقيق “نصر” سريع تليه إعادة الإعمار ، كما درأ مخطط عراقي قد يضر بالمنطقة ، وتحويل العراق بعدها إلى حكومة ديمقراطية ، وتركه ببنية تحتية أفضل
لكن، حسب ما وثق “مشروع تكاليف الحرب” (Cost of War) بجامعة براون (Brown University) الأميركية ، فإن هذه الافتراضات المتفائلة واجهت سجلًا من الوفيات ، والتكاليف المرتفعة ، والدمار الإقليمي
لقد أظهر هذا الغزو العراقي للشعب الأميركي أولًا والعالم تاليًا ، الوجه القبيح للأخطبوط الأميركي ، ووصمة عار على جبينه
ففي فجر يوم 20 أذار من عام 2003 توالت الإنفجارات في بغداد ، واستهدفت الغارات الجوية مقرات القيادات العراقية
وقتها أعلن الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن بداية حرب [“الحرية من أجل العراق”] وَعبَرت القوات البرية الأميركية البريطانية -[انطلاقا من الكويت]- سياج ميناء أم قصر ومحاصرة الميناء من غربه وشماله ، وقطع طريقه المؤدية إلى البصرة وشبه جزيرة الفاو
واستقرت قوة بريطانية قبالة بلدة أبو الخصيب وقطعت جميع الطرق المؤدية
ويصدر “مشروع تكاليف الحرب” في جامعة براون تحديثًا دوريًا لدراسة عن تكلفة الحرب في العراق ، حيث يُظهر التحديث الأخير أن الحرب كلفت الخزانة الأميركية حتى الآن ما لا يقل عن 2.89 تريليون دولار ، أي ما يقرب من 26 ألف دولار لكل دافع ضرائب فدرالي ، هذا بالإضافة لضحايا وقتلى تخطى عددهم ربع مليون شخص أغلبهم من المدنيين العراقيين
كما تناولت صحيفة الاندبندنت البريطانية علاقة حرب العراق وربطها بظهور التنظيمات الإرهابية كما صعود تنظيم الدولة في العراق والشام (داعش)
ولعل هذا كان بمثابة حافذ للشباب المسلم كي ينضم إلى التنظيمات الإرهابية
وأضافت الإندبندنت مقال للكاتب كيم سينغوبتا ، جاء فيه ، بأن الغضب حول الغزو تحول إلى دعوة لحمل السلاح ، ولا تزال تداعياته محسوسة حتى اليوم
وكان قد كتب سينغوبتا “في 18 مارس/آذار 2003 نصًا ، [اضطر فريق الأمم المتحدة الذي كان يبحث عن أسلحة الدمار الشامل لصدام حسين إلى المغادرة بموجب الموعد النهائي للحرب الذي حددته الولايات المتحدة وبريطانيا
وقبل يوم من إنسحاب المفتشين التقيت ببعضهم في مقرهم في فندق القناة ببغداد
كانوا متشائمين للغاية بشأن ما حدث ، وقال أحد كبار أعضاء الفريق: “ما لن نجده يثير قلق الناس في واشنطن ولندن”]
وكتب سينغوبتا: “في 18 مارس/آذار 2003، اضطر فريق الأمم المتحدة الذي كان يبحث عن أسلحة الدمار الشامل لصدام حسين إلى المغادرة بموجب الموعد النهائي للحرب الذي حددته الولايات المتحدة وبريطانيا
قبل يوم من انسحاب المفتشين ، التقيت ببعضهم في مقرهم في فندق القناة ببغداد وكانوا متشائمين للغاية بشأن ما حدث
وقال أحد كبار أعضاء الفريق: “ما لن نجده يثير قلق الناس في واشنطن ولندن”
وبعد خمسة أشهر تم تفجير فندق القناة في تفجير انتحاري أدى إلى مقتل 22 شخصا وإصابة 100 آخرين. ومن بين الذين لقوا حتفهم سيرجيو فييرا دي ميلو، الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق وأعلن أبو مصعب الزرقاوي، زعيم جماعة التوحيد والجهاد مسؤوليته عن الهجوم
ان حرب العراق ما هي إلا (كذبة كبيرة) عذرها كان أقبح من ذنبها فقد جاءت بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر مباشرة ، مما استعان بوش بذلك كذريعة تبين أنه مهتمًا بقتل الإرهابيين ومواجهة رعاتهم من الدول أكثر من اهتمامه بتعزيز الحرية في أفغانستان والعراق
وفي هذ السياق ، صرح لأعضاء اللجنة بأنه يدرك أن “قتل الإرهابيين كان أفضل استراتيجية ، وتتمثل الطريقة الوحيدة في قتلهم قبل أن يقتلونا ، إذا كان بن لادن يمتلك أسلحة دمار شامل ، فمن المرجح أن يقتل المزيد ، لذلك علينا إيجادها في أقرب وقت ممكن” ، وقد كان يعتقد أن تلك الأسلحة موجودة في العراق
وعندما ناقش بوش الأحداث المتعلقة بهجمات 11 أيلول/ سبتمبر واستقراء الدروس للمستقبل ، كشف الكثير عن سبب إختياره لمواجهة صدام ، وهو الخوف من أن الإرهابيين الذين يكرهون الولايات المتحدة قد يحصلون على أكثر أسلحة العالم فتكًا من العراق
وامتلاك العراق لمثل هذه الأسلحة قد يحد في المستقبل من ممارسة الهيمنة الأمريكية
وخلال المقابلة ذاتها ، سلّط الرئيس الضوء على العوامل التي ستستمر في إضعاف إدارته ، وتساهم في كارثة ما بعد الغزو ، على غرار الاستخبارات الغامضة وغير الكافية والتخطيط غير الكفء ، والخلافات البيروقراطية
مع انتهاء ولاية بوش وصدور مذكراته ، لم يقل الكثير عن تفكيره وأفعاله قبل وبعد 11 أيلول/ سبتمبر ، ومع أن الكثير من السجلات الأرشيفية الأمريكية لا تزال سرية ، فإن هذه الوثيقة التي رُفعت عنها السرية حديثًا تساعد في تفسير الديناميكيات التي من شأنها أن تمهد الطريق للحروب
عشرون عامًا على الغزو ، كل عام يتأكد لنا أكثر من سابقه كيف أنها كانت حربًا انتقائية أكثر منها انتقامية ، وكيف أن مفاعيلها لا تزال تتوالى وقد تجاوزت العراق وأميركا معًا وغيّرت العالم أجمع
في الشرق الأوسط انهار النظام العربي الذي كان سائدًا منذ قيام الكيان الإسرائيلي ، وتبدد مفهوم الأمن القومي وتحول الوطن العربي الى ساحات وميادين لم ينجح الربيع العربي المؤود في استعادتها ، فيما انتعشت القوى الإقليمية القريبة ايران وتركيا ، والكيان الإسرائيلي الغاصب الذي وسّع دائرة التطبيع عربيًا وضيق على الشعب الفلسطيني وأحكم الخناق عليه
لكن الإنفجار العربي الداخلي كان الميزة الأسوأ التي توجتها تجربة “داعش” المرعبة والتي لم تنتهِ بعد ، ولا تزال تتغذى على الفتنة المذهبية التي أعاد الغزو انتاجها بوقاحة بارزة وملفتة
أما على صعيد أميركا فقد زعزعت هذه الحرب الثقة بالمؤسسة الأمنية الخارجية والمخابرات وبمصداقية المستوى السياسي ككل بعدما تبين [ زيف إدعاءات أسلحة الدمار الشامل ] وفشل تقديرات وتحليلات الشخصيات العراقية المعارضة التي تم اعتمادها كمرجعية وهي منفصلة تمامًا عن الواقع
لا شك أن مآلات الحرب كلفت الخزينة الأميركية حوالي تريليوني دولار وكبدت القوات الأميركية 4614 قتيلًا (وحياة أكثر من 3 آلاف متعاقد) وحوالي 33 الف جريح فضلًا عن عشرات آلاف الحالات النفسية لمتقاعدي الحرب ، وخلفت حوالي نصف مليون قتيل في العراق الذي تشظى كدولة ولا يمكن تقدير خسائره المادية المباشرة وغير المباشرة ، لا تغرِِ أحدًا بتبني نتائجها أو الإشادة بها
إلا أن هذا الغزو كانت غنائمه كبيرة جدًا لا زالت تُحصى الى الآن وأهم ما قد تم سرقته غير أطنان الذهب والأثار كان بحسب ما أكدته الأخبار العجيبة المتداولة بين أهل العراق أنفسهم والتي كانت تحوم حول معدات الجنود الأمريكان ، أو (أخوة ماريا) كما أسماهم البعض حينها ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل شاع حينها إن الناس رأوا الأمريكان يسرقون (الزئبق الأحمر) من الأهوار بالأطنان ، وإن سعر السنتمتر المكعب من هذا الزئبق يبلغ ملايين الدولارات ، وللعلم والاطلاع فإنّ تعريف الزئبق الأحمر حتى الآن هو مادة ذات تركيبة غير مؤكدة ذاع صيتها منذ عقد الثمانينيات من القرن العشرين بسبب المزاعم الكثيرة التي راجت حول استخداماتها الكثيرة في صناعة عدد من الأسلحة المختلفة غير ذات العلاقة ببعضها البعض”
بعد غزو واحتلال العراق عام 2003 اكتمل تقريبًا تدمير حضارة وادي الرافدين حين تعرض ما يقارب على 15 ألف موقع أثري للسرقة والنهب والتدمير ، بالإضافة إلى تعرض المتحف العراقي الوطني في بغداد إلى أكبر عملية سرقة آثار في التاريخ
في “أور” المدينة السومرية بتل المقير جنوب العراق ، يوجد معبد “الزقورة” الخاص بآلهة القمر كما جاء في الأساطير (الميثولوجيا) السومرية. وكانت بالمنطقة 16 مقبرة ملكية شيدت من الطوب اللبن ، جميعها تحولت إلى ثكنة عسكرية لتجوال الدبابات والمدرعات بالقرب من الزقورة ، مما جعل منها هدفًا للقصف ، والتدمير الذي لحق متحف الناصرية ، وهو من أهم الصروح الحضارية للمدينة
وثقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) في تقرير يقيم الأضرار في موقع بابل الأثري (أحد عجائب الدنيا السبع) ، استخدامه كقاعدة عسكرية لقوات التحالف من عام 2003 وحتى عام 2004 ، وهو ما يمثل تجاوزات اعتبرها تقرير المتحف البريطاني “أشبه بإنشاء معسكر يحيط بالهرم الأكبر في مصر أو بموقع ستونهينغ في بريطانيا العظمى”
ختامًا ، لقد صدق من قال ( أينما حلت أميركا حل معها الخراب )