المحكمة الجنائية الدولية تسير على خطى دول المعايير المزدوجة!
السفير علي محسن حميد
قرارها دُبّر بليل .فجأة وبدون مقدمات فجرت المحمكة الجنائية الدولية في ١٧ مارس ٢٠٢٣ قنبلة بقرارها اعتقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لما وصفته بارتكابه وحده جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في اوكرانيا.
أعلن القرار السيد كريم خان رئيس الادعاء العام في المحكمة وهو بريطاني المولد والجنسية والثقافة والولاء.لم نعلم أن دولة أو منظمة من منظمات حقوق الإنسان طلبت من المحكمة محاكمة بوتين ناهيكم أن مانعتاده في القضاء أنه لايدين سرا وبسرعة غير معهودة وأنه يستمع لدفاع المدعو عليه شخصيا أو لمحاميه. ولأن الحكم مسيس فقد سُلق سلقا سيئا و أخرج إخراجا تشوبه الشبهات ليتناسب مع غرضه السياسي والدعائي لدول حلف الأطلسي التي تحارب روسيا في غير أراضيها . وهذا لايعني أن روسيا لم تنتهك القانون الدولي في حربها التي تعتبرها دفاعية في اوكرانيا ولاترتكب جرائم حرب. إن العلنية من أبجديات عمل المحاكم ومنها محكمة الجنايات. ومع هذا القصور الواضح فقد كان القرار هدية من السماء للرئيس بايدن قبل وكيله في الحرب الاوكرانية الرئيس الاوكراني المطواع زيلينسكي. بايدن يتضور شوقا لخلق بعد إنساني في حرب هو طرف فيها وشريك بكل مآسيها ولكي يزعم لناخبيه في التنافسات الرئاسية عام ٢٠٢٤ أنه يقاتل في اوكرانيا من أجل مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية.
بادئ ذي بدء ينبغي التساؤل عن انتقائية المحكمة واتباعها معايير مزدوجة طالما تشكو منها شعوب العالم الثالث وبالخصوص شعب فلسطين. هرولت المحكمة على غير العادة في اتخاذها لقرارها الذي أصدرته بعد ٢٤ يوما فقط،٢٢ فبراير-١٧ مارس من مداولاتها السرية ، وهو مايعزز رؤية كثيرين بأن دوافع القرار سياسية . الحروب بطبيعتها جريمة وانتهاك للإنسانية واعتداء وحشي على الحق في الحياة ويترتب عليها مآسٍ لاسقف لها ولاعد. امريكا في حربها ضد الشعب الفيتنامي أحرقت الأرض والزرع ومن كان عليها من البشر وهؤلاء كانوا بمئات ألآلاف. وفي أفغانستان والعراق دمرت امريكا وقتلت أطفالا ونساء ورجالا مسالمين ومقاتلين بعشرات ألآلاف وجرائمها لاتزال بادية للعيان في آثار اليورانيوم المنضد في العراق في جيل مابعد الغزو. ولاعقاب!. الرئيس جوبايدن لن يجد حتى من يعاتبه إذا ارتكبت بلاده جريمة حرب جديدة صغرى أو كبرى اليوم أو غدا لأن بلاده وإسرائيل من بين كل دول الأمم المتحدة اللتان تتمتعان بحصانة بمنطق القوة وليس بالقانون، حالت وتحول دون امتثالهما لمبادئ القانون الدولي ولعدالته لأنهما تعتبران نفسيهما فوقه وغير معنيتان به. تحدث الرئيس بايدن بزهو عند لقائه لاجئين اوكرانيين في بولندا في العام الماضي عن خمسين زيارة قام بها إلى أفغانستان خلال حرب بلاده التدميرية ضد شعبها لقرابة ربع قرن. لم تكن زيارات بايدن تلك للسياحة أولغرض إنساني
أو للقيام ببحث سياسي عن أفغانستان بل لرفع معنويات المقاتلين، القاتلين، للأفغان. إن سجل امريكا منذ قيامها سجل حربي وعدواني بامتياز وانتهاكاتها لحقوق الإنسان تجل عن الوصف وقد رافقها هذا السجل قبل نشأتها كدولة اتحادية وهي الدولة الأولى في تسييس حقوق الإنسان لخدمة مصالحها ومصالح إبنتها المدللة إسرائيل وراعية حروبها وممولة احتلالها. هل علم أي منا بإدارة امريكية أدانت إسرائيل لانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان الفلسطيني شبه اليومية من قبل المستعمِرين التوسعيين الصهاينة المحميين بما يسمى “جيش الدفاع”الذي يمارس دور الشرطة في شوارع الضفة ومحيط الأقصى ويقتل في معظم الأحيان عمدا مدنيين ومن يدافعون عن حقهم في أرضهم التي يغتصبها غزاة قدموا من امريكا واوربا. امريكا قبل تبنيها المثلية الجنسية رسميا وتخليها عن القيم الدينية ومحاولة فرضها على كل دول العالم، كانت تصدر تقريرا سنويا عن الانتهاكات الدينية في كل دول العالم وتستثني إسرائيل منه.وإذا عرجنا على منطقتنا فامريكا تطالب بانسحاب روسي كامل من الأراضي الاوكرانية بينما لاتتبنى نفس السياسة في جزء من فلسطين المحتلة منذ عام١٩٦٧ .كانت امريكا منذ ذلك العام تروضنا ببياناتها الجافة التي تكررت لسنوات بأنها لن تعترف بأي حقائق جديدة على الأرض، أي التوسع الاستعماري الصهيوني في فلسطين المحتلة والتغيير الديمغرافي فيها، وأنها مع سلام : ١- شامل .٢- عادل ٣ – دائم. واشنطن هي من صكت هذه المفردات الثلاثة عقب عدوان إسرائيل في يونيو ١٩٦٧ التي لم نعد نسمعها اليوم. واشنطن وحلفاؤها يكررون القول بأنهم لن يعترفوا بضم روسيا لجزيرة القرم الروسية تاريخيا وقانونيا وسياسيا التي منحها الاتحاد السوفيتي بقيادة الزعيم نيكيتا خروتشيف، الاوكراني الأصل، لاوكرانيا عام ١٩٥٤ ثم استعادتها روسيا عام ٢٠١٤ عندما أدركت أن الانقلاب الاوكراني في نفس العام يستهدف كيانها الموحد ووجودها. وكل منحة ترد لمالكها.هذه الدول لم تقل ولا مرة واحدة أنها ضد الاستيطان الذي هو في حقيقته ضما تدريجيا للأراضي المحتلة ولم تستنكر ضم إسرائيل للقدس الشرقية والجولان السوري ولم تعاقب إسرائيل مطلقا على سياستها الاستيطانية والقمعية الدموية. امريكا وحلفاءها يطالبون بانسحاب روسي من جزيرة القرم ولكنهم لم يطلبون طوال ثلاثة أرباع القرن بانسحاب إسرائيل من فلسطين ومن الجولان ومن مزارع شبعا اللبنانية ، ولهذا السبب تتوسع إسرائيل وتقتل و تصيب وتعقل وتسجن يوميا فلسطينيين وهي مستندة إلى ظهر واشنطن وبعض حلفائها. ألم يدر بخلد المحكمة أن زيلينسكي يقدم شعبه حطبا لحرب غير متكافئة وأنه كان بقليل من الفطنة السياسية والولاء الوطني قادر على أن يتبع سياسة مستقلة في الصراع الكوني الروسي – الغربي ويحول اوكرانيا إلى بلد محايد كما كان حال النمساء خلال الحرب الباردة؟. لقد برهنت المحكمة على أن حضارة واحدة تقود العالم وأن بمقدور هذه الحضارة تسييس العدالة وتفجير الصراعات والحروب متى شاءت وإلا لماذا تغيب العدالة عنوة وقصدا عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والعيش بأمان وسلام في دولة مستقلة معترف بها من “المجتع الدولي” الذي أقر هذا الحق في قرار التقسيم الغاشم لفلسطين عام ١٩٤٧. ولماذا ترحب بريطانيا بقرار المحكمة وهي التي ترفض تطبيق قرار محكمة بريطانية يمنعها من بيع سلاحهاالذي يستخدم في حرب اليمن.لقد تمت “إدانة” بوتين فماذا عن بايدن وسولانكي وبنيامين نتنياهو وقبلهم ترامب وبوش وتوني بلير ؟. هل هؤلاء فوق العدالة والقانون الدولي؟.
*كاتب يمني
2023-03-19
تعليق واحد
امريكا هي اكبر واكثر دولة مارقة تنتهك حقوق الانسان عبر التاريخ في العالم والامثلة كثيرة ابتداءا من حرب فيتنام والعراق ويوغسلافيا وليبيا والصومال واليمن وسوريا ولبنان
طبعا المحكمة قرارها مسيس وتكيل بمكيالين حيث اننا لم نسمع انها اصدرت قرار بحق المجرمين في الكيان الصهيوني ولا ضد بلير البريطاني ولا ضد اي من انتهك الكرامة في سجن ابي غريب
هذه المحكمة بيدق بيد القرار الامريكي