القضية الوطنية والحركة الثورية –1-!
جمال الطاهات
يؤكد تاريخ حركات التحرر أن القضية الوطنية والحركة الثورية عنصران لا يستقيم أحدهما دون الآخر، فلا حركة ثورية دون قضية وطنية، ولا يمكن أن تتبلور قضية وطنية بشكل تلقائي دون حركة ثورية فاعلة. وشرعية الحركة الثورية تستند إلى عدالة القضية الوطنية، التي تفقد معناها إذا غاب من يناضل من أجلها.
الحركات الاستقلالية نموذج للحركات الثورية التي اكتسبت هويتها من القضية الوطنية التي تتبناها، والمبدأ البديهي هو أن تحكم الشعوب نفسها، ووجود حاكم أجنبي مخالف لهذا المبدأ. وناضلت الحركات الاستقلالية ضد المستعمر لتعيد الأمور إلى نصابها وتحقق مبدأ حكم الشعب لنفسه، إلا أن هذه الحركات لم تعتني بمرحلة ما بعد المستعمر. والنموذج الآخر هو الحركات القومية العربية التي انطلقت من مبدأ وهو أن العالم العربي أمة واحدة، ويجب التخلص من خطوط الانقسام والتفكيك، دون توضيح شكل دولة الوحدة، ودون تقديم نموذجاً للدولة الحلم ولا إجابات على الأسئلة المتعلقة بها.
والقضية الوطنية الأردنية تتضح من خلال المقارنة بين المبادئ البديهية لحقوق الشعب، وبين الواقع الحالي الناتج عن الممارسات المتواترة للمستبد الفاسد وعائلته. فالقضية الوطنية لا تبنى على خلل او خطأ عابر، ونظام حكم يصحح هذه الأخطاء ويسعى لضمان عدم تكرارها، -كما يحصل في الدول الديمقراطية-، إنما تبنى على ممارسات متواترة وممنهجة تنتهك المبادئ بشكل صارخ، وسعي للمستبد الفاسد لتكريس هذه الممارسات وجعلها تبدو وكأنها طبيعية، كما يحصل في الأردن.
وفي الأردن العديد من الشواهد التي تثبت أن انتهاكات المبادئ من قبل المستبد الفاسد متواترة، تترافق مع تجاهل المطالب الشعبية لوقف هذه الانتهاكات، وتكميم للأفواه، وخنق أي صوت يعبر عن المطلب الشعبي.
فمنذ عشرينيات القرن الماضي هناك إصرار على تجاهل الشعب الأردني كحقيقة سياسية موضوعية. ويتم فبركة وإبراز أصوات مأجورة تعبر عن ولائها للمستبد الفاسد وعائلته، بلغة ومفردات مخزية ومهينة للشعب الأردني. وثنائية الاستبداد والفساد تحولت إلى انتهاك صارخ للمبادئ، وممارسات تجري تحت غطاء قوانين فرضها المستبد الفاسد عبر مجالس نواب هزيلة جاءت بانتخابات مزورة.
وخطاب الملك المستبد الفاسد الأخير أمام مجلس الأمة في شهر تشرين الثاني الماضي، يؤكد على أنه يتجاهل المبادئ البديهية المتعلقة بالتشريع. فهو يشير إلى سيادة القانون “الذي يجب أن يطبق على الجميع وأن يعمل من أجل الجميع”. هذه العبارة المتهافتة تعكس فهماً قاصراً لفكرة القانون (فالقانون لا يعمل)، ولكنه يضبط العمل، ومثل هذه التناقضات في خطاب المستبد الفاسد تؤكد أنه يسعى لتضليل الشعب الأردني وتمرير المزيد من الخدع ليديم استبداده وفساده.
وهذا يؤكد على أن الممارسات الراهنة تمثل انتهاكاً متعمداً للمبادئ والقواعد البديهية التي يجب أن تدار الدولة بموجبها. وجوهر القضية الوطنية لأي شعب عبر التاريخ، انحراف الممارسات الراهنة عن المبادئ العامة البديهية، وإصرار المستبد الفاسد على المضي في ممارساته وهو يعلم هذا الانحراف، ويسعى لإخفائه، وصولاً إلى أن يقول عن شعبه أمام العالم بانه “لا يميز اليمين من اليسار”.
ولكن القضية الوطنية لا تكتمل عبر نصوص محايدة، بل عبر مواقف نضالية فاعلة. ومهمة الحركة الثورية (لتؤسس مشروعيتها وتحافظ عليها) هي توضيح مدى انحراف ممارسات المستبد الفاسد عن المبادئ العامة، وتوضيح إصراره على خداع الشعب وإنكار حقوقه. ليس فقط من أجل تعبئة الشعب ضده، بل وأيضاً من أجل اكتساب المشروعية محلياً وعالمياً. فحرمان المستبد الفاسد من الدعم الخارجي ضرورة لإضعافه.
والقضية الوطنية لا تكتسب أهميتها فقط من كونها أساس شرعية الحركة الثورية، إنما أيضاً بكونها إطاراً مرجعياً لصياغة آليات عمل وأولويات الحركة الثورية. وطبيعة انحراف ممارسات المستبد الفاسد تحدد طيف الوسائل التي يمكن للحركة الثورية أن تلجأ إليها لرد الأمور إلى نصابها، وإنهاء الممارسات المنحرفة، وضمان وجود آليات مستقبلية لتصحيح الأخطاء وضمان عدم تكرارها.
القضية الوطنية التي تمنح الحركة الثورية شرعيتها وهويتها تعرف استناداً إلى أربعة عناصر: الاول المبادئ البديهية التي يجب أن تكون عليها الأوطان والدول. والثاني ممارسات المستبد الفاسد وعائلته التي تنتهك هذه المبادئ، وتكشف نيتهم لإدامة هذه الانتهاكات. والثالث شكل الوطن والواقع الجديد وضمانات إنفاذ المبادئ بعد التخلص من الانحرافات الراهنة وضمان عدم تكرارها. والرابع الوسائل النضالية الضرورية التي ترد الحركة الثورية من خلالها الأمور إلى نصابها.
إن وعي ثنائية القضية الوطنية والحركة الثورية ضرورة حتى يتم تطوير أشكال النضال الراهنة. فالحركة الثورية التي لا تستمد شرعيتها وهويتها من القضية الوطنية، أقرب إلى حالة تمرد مؤقتة، وربما ساقتها البيئة الاستراتيجية المحيطة إلى أن تتحول إلى مجرد أداة تفكيك للمنظومة الراهنة. فوجود قضية وطنية واضحة هو ضمانة أن تكون الحركة الثورية تعبيراً عن مبدأ مركزي وهو أن الثورة لا تكتسب ملامحها وهويتها من الانحرافات الراهنة التي يجب التخلص منها، بل من البناء الذي سيتم إنجازه مستقبلاً.
أخيراً، إن مبادئ الدولة الحقيقية التي تعبر عن وجدان شعبنا وتخدم مصالحه، هي الإطار المرجعي لتوضيح وتبيان الانحرافات الراهنة، وبناء الدولة الحقيقية هو الركن الأساسي للقضية الوطنية الأردنية التي تكسب الحركة الثورية شرعيتها وتحدد هويتها. والعنوان المركزي للحركة الثورية هو تمكين شعبنا من استرداد دولته سلطة وموارداً، حتى يتمكن من بناء دولته الحقيقية، ويضمن استقلال الضمير المهني لمؤسساتها. وللحديث بقية
2023-02-23