يهود الدونما اول من سعى لإقامة دولة لهم عاصمتها القدس!
رنا علوان
في القرن السابع عشر وتحديدا في عهد محمد الرابع برزت الى العلن هذه الفئة
أما تسميتهم ، فيعود اسم الدونمة إلى اللفظ التركي “دونمِك” (Dönmek) ، الذي يعني العودة أو الرجوع ، وذلك لأن أتباع هذه الفرقة تظاهروا بتركهم دينهم وتحولوا إلى الإسلام ، بينما أضمروا اليهودية في نفوسهم ، فأطلق عليهم الناس هذا الاسم للدلالة على الهداية بالعودة للدين الحق ، أو العكس فلأنهم ليسوا مسلمين حقيقيين ، فتعني حينها الارتداد عن الدين الحق ، ويطلق عليهم أيضا اسم “السبتية” نسبة “سبتاي زيفي”
وهو المؤسس الأول لهذه الفئة ولد في يوليو 1626 ، بمدينة إزمير التركية من أبوين يهوديين مهاجرين من إسبانيا ، وهو صاحب الفكرة وتأصيلها، وبعد أن توفي عام 1675م سار أتباعه على دربه في محاولة للحفاظ على وحدة وتواصل الجماعة ، ادعى سبتاي بأنه ابن الرب ، وانه هو المسيح المُخلص ، قرأ التوراة والتلمود واستوعبهما جيداً ، كما برع في التفسير الإشاري ، وهو رموز وإشارات مضامين المعاني للكلمات ، واستغرق في دراسة كتابات ما يعرف [ بالقبّالة ] ، وهي معتقدات وتعاليم روحانية فلسفية ، اكتشفت الحكومة بعد عشر سنوات ان سبتاي كاذب ومخادع ويضمر الضغينة لهم ، فعملت على نفيه ، لكن بعد فوات الاوان فلقد سبقهم واتباعه بنشر الفتنة والتفرقة حتى تمكنوا من اسقاط الحاكم
فلم يقتصر تأثيرهم على وسائل الإعلام المكتوبة ، بل تعداها إلى المرئية والمسموعة ، فسيطروا على الإذاعة والتلفزيون ، وقد تولى إدارتهما إسماعيل جم ، وهو يهودي من “الدونمة” ، فكان يعمل من خلالهما على نشر أفكار اليسار المتطرف في المجتمع
ولا يخفَ على احد ممن قرأ التاريخ ، كيف كان السلطان محمد الفاتح يثق في اليهود ، وبعد فتح اسطنبول ، كان اليهود يقيمون على ضفتي خليج ( القرن الذهبي )
وبعد فتح جزيرة بيلوتونيز ، انضم يهود شبه الجزيرة ، الى يهود اسطنبول
كان هناك عدد كبير من اليهود يعيشون في اراضي الدولة العثمانية ، معظمهم كان ممن فروا من الظلم الذي لاقوه في اسبانيا عام 1492 وكانوا يتحدثون بلغة تسمى [ لادينو ] وهي عبارة عن مزيج من اللغتين العبرية والاسبانية
وصلت شهرة سبتاي ذروتها عام 1666 والذي كان يعتبره سبتاي عام ( بداية القيامة ) لذلك بدأ باستحداث طقوس جديدة ، اولها رفع اسمه في الدعاء خلال الصلاة بإعتباره المُخلص الذي ينتظر اليهود قدومه
قام سبتاي بتقسيم العالم الى 38 مملكة ووزعها على رجاله المخلصين ، كما قام بنشر (المبادئ 18لمذهبه الجديد ) والمسمى ب السبطانية ، وقد تفرعت عن الدونمة ، اليعاقبة والقاقاشية والقاباتجية ،
ليس لهم مؤلفات مطبوعة ومتداولة ولكن لهم نشرات سرية كثيرة يتداولولنها فيما بينهم
زار سبتاي القدس عام 1663، لتحقيق حلمه المزعوم في جعلها عاصمة لدولتهم ، وطاف على صهوة حصانه حول المدينة ، معلنا قدوم الخلاص على يديه ، إلا ان “رفائيل جلبي” رئيس الطائفة اليهودية في مصر كان قد آمن به ، وأغدق عليه الأموال لمساعدة أهالي القدس ، كما آمن به في غزة “ناثان هاليفي” ، وهو يهودي من أصل ألماني ، فادعى سبتاي النبوة ، وأصبح يسمي نفسه “الرسول سبتاي” إلى الناس
كما استغل سبتاي ما شاع عند بعض الطوائف المسيحية من أن ظهور المسيح سيكون عام 1666، وتعرف إلى فتاة بولندية اسمها سارة اختلقت رؤيا أشاعتها بين اليهود ، مضمونها أنها رأت نورا سيسطع عام 1666، وأنها ستتزوج بصاحب هذا النور
وحينما سمع سبتاي دعواها وزعم أنه أوحي إليه بالزواج منها ، اقدم على ذلك لإتمام المخطط ، فتزوج بها عام 1664، وانطلت حيلته على كثير من أتباعه البسطاء ، إلا أنه لم يمسّها
بعد ذلك بمدة اعلن عن اقترانه بالتوراة ما أثار غضب من لم يؤمن به من رجال الدين ، فعمدوا لنفيه الى ان توفي ، ظن البعض ان حلم سبتاي باء بالفشل ولعله انتهى بانتهائه ، الا ان ما حدث بعد ذلك اثبت قوة ما خطط له سبتاي
شكل يهود الدونمة قوة سياسية ضاربة في عمق الدولة العثمانية ، أدت إلى ضعفها ثم انهيارها ، وقد شغل العديد منهم مناصب سياسية رفيعة ، عملوا من خلالها على تقويض الحكم العثماني وانهاءه
وقد ثبتوا نفوذهم السياسي من خلال انخراطهم في الحركات التي كانت تسعى للإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني ، وإقامة دولة علمانية على أنقاض الخلافة العثمانية ، وقد كانت الدونمة العقل المدبر والممول لنشاط الجمعيات التي كان ظاهرها شيء وباطنها شيء آخر
كما أسسوا المحافل الماسونية داخل الدولة العثمانية ، وكانوا أبرز رجالها ، واستخدموا شعارات خادعة مثل الحرية ومكافحة الاستبداد ونشر الديمقراطية لاجتذاب الناس وترويج الأفكار الهدامة
وقد شكلت هذه المحافل مراكز قوة في الدولة ، وخرج منها الوزراء والنواب وقادة الجيش وكبار الموظفين والمسؤولين ، الذين كانوا خاضعين لهم
كما تأسست جمعية الاتحاد والترقي في علم 1889 على يد احد اليهود السبتائين ، وقد قامت هذه الجمعية بعزل السلطان عبد الحميد الثاني لرفضه بيع فلسطين الى اليهود ، ثم تم سجنه في منزل احد اليهود بسالونيك بعد استدراجه اليه ، وقد كان ليهود الدونما دور كبير في المذابح الارمنية بشرق الاناضول
ختاما يعتبر سبتاي زيفي ، اول من نادى باتخاذ فلسطين وطن قومي لليهود ، كما ويعتبر المؤسس الاول والفعلي للصهيونية العالمية ، وذلك قبل ( تيودور هرتزل ) بثلاثة قرون
إن ليهود الدونما دور قوي في المنطقة ، قد لا يكون متداول بنطاق واسع ، كما ان الضوء غير مسلط عليه كما يجب ، الا ان خطرهم فعال وملموس ولو ان الكثير يجهله
2023-01-09