قبل أسبوع ونيف، إختطف شبان من مخيم جنين جنديا «إسرائيليا»، كانوا قد إعتقدوا أنه قضى بحادث سير، والذي تبين لاحقا أنه فتى درزي من مواطني فلسطين 1948، وأنه ليس جنديا «إسرائيليا»، تمت معالجة الموضوع وإعادة الجثمان إلى ذوي المرحوم بإحترام وإجلال، ولكن الإحتلال النافخ في نار أي خلاف إستثمر الحدث، محاولا تصوير الأمر على أنه صراع بين مخيم جنين والضفة الغربية والدروز، مما أدى بشكل مؤقت عن طريق طيش عابر أو هدف مضمر، إلى توتر وتبادل شتائم وتهديدات، يمكن القول عنها باختصار أنها لا تليق بالفريق الواحد الفلسطيني، قبل يومين تم تعيين ضابط درزي في منصب قائد الفرقه الإسرائيلية العسكرية المشرفة على محافظة جنين، إنه محاولة لتصوير أن الصراع لم يعد مع المشروع المعادي وإنما بين جهة فلسطينية وأخرى فلسطينية.
يوم الجمعه الماضي، إعتدت دورية «إسرائيلية» على شاب أعزل في بلدة حوارة جنوب نابلس، فقام الشاب بالدفاع عن نفسه واشتبك معهم في عراك بالأيدي، فقام الجنود بإطلاق النار عليه في عملية إعدام ميداني شاهده العالم بتفاصيله، فيما أشاع الإحتلال أن الجندي الذي أطلق النار على الشاب ينتمي للطائفة الدرزية.
يذكرنا ما تقدم بما فعله أريئيل شارون في أيلولعام 1982، عندما أعطى الضوء الأخضر والغطاء لجماعات الكتائب والقوات اللبنانية لارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا، التي إدعى لاحقا أن لا علاقة له بها، وفي مرحلة لاحقة أدانها أمام المحاكم الأميركية، ما يفعله الإحتلال اليوم وكأنه إعادة تطهير وإنتاج لتلك المجزرة.
تدعي حكومة «إسرائيل» أنها دولة القانون والمؤسسات والحداثة والليبرالية التي تضع قيمة عليا للفرد ولحياة الانسان، وأن العقوبة القصوى في تشريعاتها القانونية هي السجن المؤبد لا الإعدام، ولكنها في السلوك والممارسة تشرع وتمارس قانون الإعدام الميداني وحتى الجماعي بلا محاكمة، وما حدث في حوارة ليس إلا عملا روتينيا من أعمال الدولة العبرية، لا بل الفكر والسلوك الذي قامت عليه الدولة، وهو غير مرتبط بحزب أو حكومة وبيمين أو يسار، بقدر ما هو سياسة ثابتة من عهد التأسيس ومذابح دير ياسين وغيرها من عمليات التطهير العرقي، إنتهاء بحادثة الجمعة الماضية، ومن عاصر الإنتفاضه الأولى يذكر ولا شك خطابات رئيس الحكومة في حينه إسحق رابين العلنية، والتي خاطب بها جنوده مطالبا إياهم بتكسير عظام الفلسطينيين وحرقهم بالإطارات التي أشعلوها إحتجاجا على الإحتلال، وإذا كانت هذه مفردات الخطاب المعلن فإنه كان يضمر في ثنايا القول: أقتلوهم ميدانيا دون رحمة ودون محاكمة، وذلك ما قد حصل، هذه هي إسرائيل دولة الليبرالية، وواحة الديمقراطية في صحراء الإستبداد الشرقي.
تحاول الأوساط الخاسرة بالإنتخابات والراحلة من مقاعد الحكم إلى صفوف المعارضة، التشويش على الحكومة القادمة مصورة إياها بأنها أكثر دموية، وهذا الأمر صحيح، ولكن هل كانت الحكومات السابقة تتسم بالعدالة والإنسانية ؟ أم أنهم سواء؟ وهل لبيد وغانتس وغيرهم يريدون الحفاظ على دمائنا أم أنهم لا يريدون منح شرف إراقتها لغيرهم؟ يئير لبيد مثالا على ذلك، فهو يحذر من دموية بن غفير ولكنه يشيد بأداء الجندي الذي قام بالإعدام الميداني لشهيد حوارة.
الإتحاد الأوروبي يدين ويعبر عن بالغ قلقه، مما يذكرنا بالسكرتير العام السابق للأمم المتحدة، والذي كانت تقتصر وظيفته على إبداء قلقه، فيما الإدارة الأميركية شاركت في الإعراب عن قلقها، ولكن ليس على أرواح الأبرياء، وإنما على تأثير هذا السلوك السلبي على ثبات السلطة الفلسطينية باعتبار بقائها هو هدف أميركي أسمى.