رنا علوان
كان للجنرال رحلة طويلة قبل الوصول الى سُدة الرئاسة ، تكبد فيها عناءً لا بأس به ، فهو الطموح الذي لا يستسلم ولا يمكن لأحد انكار ذلك ، مُحباً كان أم مُبغضاً ، فالحق يجب ان يُقال
ولستُ في صدد تلميع صورته ، انما هو مجرد انصاف له ، وبغض النظر اذا كان لدي بعض التحفظات ام عدمها
بدأت رحلة الجنرال في عام ١٩٨٨ ، عندما عينه امين الجميل ، رئيساً لحكومة إنتقالية وذلك خلفاً لولايته ، بعدما فشل مجلس النواب في انتخاب بديل عنه ، ما تسبب ذلك بنشوء خلاف بين حكومتين
الاولى ، برئاسة عون ، وتحظى بدعم المسيحين والعراق
والثانية ، برئاسة سليم الحص ، وتحظى بدعم المسلمين وسوريا
كان الجنرال مُعارضاً لإتفاق الطائف ( وهو عبارة عن وثيقة تم توقيعها والتعهد بالالتزام بها ، بُغية فك النزاع الذي كان قائماً بين الاطراف اللبنانية ، بواسطة مُباركة سعودية _ سورية )
يعتبر الجنرال ، أن الطائف هذا قد أنهى نفوذ الطائفة المارونية ، كونه ينص على إدخال مجموعة من التغييرات في النظام السياسي اللبناني ، تم بموجبها تجريد رئيس الجمهورية الماروني من صلاحياته التنفيذية ، وإناطتها بمجلس الوزراء الذي يقوده رئيس حكومة سنّي ، وهكذا، خسر رئيس الجمهورية صلاحيته بتعيين رؤساء الحكومات وتشكيلها ، إذ أصبح مجلس النواب يسمّي رئيس الوزراء الذي يتولّى بدوره مسؤولية تأليف الحكومة
ويُعتبر عون أول رئيس للجمهورية منذ اتفاق الطائف توافرت لديه الظروف الموضوعية التي خوّلته الاعتراض على الآلية المعتادة لتشكيل الحكومة ، لكن سلوكه كشف النقاب أيضًا عن جانب آخر في الطائف ، وهو أن التعديلات التي أدخلها على بنية النظام اللبناني تتيح هامشًا واسعًا لمختلف الشخصيات ولدور السياق السياسي السائد ، بغض النظر عن القيود الدستورية
والجدير ذكره أن الطائف نُسِجت بصدده تأويلات وشروح مختلفة باختلاف الظروف والمراحل ، ما يُعتبر معيارًا في الأنظمة الدستورية ، وتجسيدًا لمصطلح ، الدستور الحيّ ، رغم كل الانتقادات الذي شُنت حوله ، لكن المرحلة في حينه كانت تقتضي مثل هكذا اتفاق ، لإيقاف الاقتتال الاهلي
كان الجنرال خلال هذه المدة قد خاض حربين ، الاولى اخذت اسم ( حرب التحرير ) وهي ضد تواجد الجيش السوري على الاراضي اللبنانية
والثانية اخذت اسم ( حرب الالغاء ) وهي ضد ميليشيا القوات اللبنانية ، بزعامة سمير جعجع
ما دفع بالجيش السوري للتدخل ووقف الاقتتال القائم ، تم سجن سمير جعجع على اثرها ١١ عاماً ، ونفي الجنرال الى فرنسا ، التي منحته بدورها حق اللجوء السياسي
كما لم يعترف الجنرال بشرعية رينيه معوض والياس الهراوي
في فرنسا ، اسس تياراً عُرف باسم ( التيار الوطني الحُر )
في ١٤ شباط ٢٠٠٥ ، جرى حادثة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ، كما خلالها ايضاً ، عاد الجنرال ادراجه الى ربوع الوطن ، واعاد الانخراط في المُعترك السياسي مترأساً كتلة التغيير والاصلاح ، بعد انتخابه نائباً عن كسروان
انضم الى حلف ٨ اذار ، واجرى توقيع ورقة تفاهم مع الحزب اللبناني المقاوم ، عُرف بتوقيع ( مار مخايل )
في ٢٠١٤ انتهت ولاية ميشال سليمان ، لتبدأ فترة الشغور الرئاسية التي تراوحت لمدة سنتين ونيف ، فما كان منه الا ان اعاد ترشيح الجنرال نفسه بعد ان فشل في اول مرة ، ما ادى الى انتخابه رئيساً في الجلسة الانتخابية السادسة والاربعين ، وبدعم من خصمه السابق واللدود سمير جعجع ، بالاضافة الى سعد الحريري ، الذي كلفه الجنرال بعد فوزه لترأس الحكومة
في ٢٠١٨ اجريت الانتخابات النيابية لاول مرة منذ ٢٠٠١
وفي ٣١ تشرين الاول المصادف بعد يومين ، سيُنهي الجنرال فترة رئاسته بعد رحلة طويلة ، لكنه صرح انه على استعداد للبقاء اذا كان الامر يتطلب ذلك
كان للجنرال اعداء كُثر ، وذلك بسبب بعض الجرأة التي امتاز بها خلال تصريحاته ، واهمها كانت المطالبة بإعادة ما اسماهم ( المبعدون قسراً ) ، كما كان له انصار وحلفاء ، فالجنرال في عيون حليفه كما جاء بشهادته ، ( وهذا ما جعل من الصعب القبول برئيس للجمهورية يسعى إلى الالتفاف حول المقاومة ) لكن الجنرال كان على ( قدر التحدي والمواجهة ) ، حيث يرى الحليف فيه رجلاً صادقاً وواضحاً ، وايضاً شفافاً ووطنياً لا يُشترى ولا يُباع
ختاماً ، نتمنى الخير ، كل الخير للبنان كما جميع الدول العربية ، وان يخلف الجنرال رئيساً يكون فيه ( الرجل المناسب في المكان المناسب ) كي يستطيع مواجهة ما يُعانيه لبنان من ( ادوات للحرب الباردة التي تتمثل بالتدخلات الخارجية ، ومن حصار ، وفوضى وانقسامات داخلية )
2022-10-29