وثائق أكتوبر المحجوبة!

عبدالله السناوي

بقوة السلاح في أكتوبر/ تشرين الأول، 1973 عبرت مصر قناة السويس، وكان يفترض أن تعبر أي مشاعر لحقت الهزيمة، لكنها تكرست. لماذا.. وكيف؟

 

ما هو متوافر- حتى الآن- شهادات لقادة عسكريين وسياسيين يروون وقائع كانوا طرفاً فيها، يدافعون عن أنفسهم، أو يتهمون آخرين بالمسؤولية.

 

حسب المثل الشائع فإن «الهزيمة يتيمة والنصر له ألف أب». والشهادات المتوافرة -رغم أهمية بعضها- لا تؤسس لرواية مصرية موثقة وكاملة للحروب التي خاضتها مصر.

 

وثائق يونيو/ حزيران مودعة في خزائنها، والخزائن عليها أقفال ومتاريس. وليس من مصلحة مصر حجب ما تقصّته لجنة برئاسة اللواء «حسن البدري»، المؤرخ المعتمد للجيش المصري بعد يونيو مباشرة عن أسباب الهزيمة.

 

تتوافر آلاف الوثائق عن حرب يونيو وأسرارها، غربية وإسرائيلية، من دون أن تكون هناك رواية مصرية واحدة لها صفة الرسمية

 

الدول تنشر وثائقها السياسية والعسكرية بعد عدد معين من السنين لتضع الحقيقة أمام مواطنيها أياً كانت مرارتها حتى لا تتكرر أية أخطاء جرت في الماضي.

 

الأمر نفسه نفتقده في حربي «الاستنزاف»، و«أكتوبر». هناك شهادات ودراسات نُشرت لكن الوثائق قضية أخرى.

 

للوثائق كلمة أخيرة تجيب عن كل الأسئلة: كيف هُزمنا، ولماذا؟ وكيف قاومنا وصمدنا حتى عبرنا الهزيمة في أكتوبر؟ ثم كيف أجهضت نتائجها السياسية؟

 

هناك فارق بين مراجعة التاريخ بالوثائق المثبتة لإدراك حقائقه وتصحيح الذاكرة العامة، وبين تعميق الشعور بالهزيمة كقدر إغريقي لا يمكن الفكاك منه، أو نفي أسبابه.

 

بلغة الوثائق يتأسس الاتفاق والاختلاف على قاعدة معلومات صلبة.

 

بعد حرب يونيو، جرت مراجعتان على قدر كبير من الأهمية. الأولى، إعادة تصحيح دور القوات المسلحة، ومنع دخولها في غير طبيعة مهامها

 

فأعيد بناؤها وفق مواصفات الجيوش الحديثة، التي تُعلي من شأن الكفاءة والاحتراف وتمنع الانشغال بالسياسة.

 

وأُسندت مسؤوليتها إلى نخبة من العسكريين الأكفاء في القيادة العامة، كما في جميع الأسلحة. وتصدر المشهد العسكري المصري أفضل ما في البلد من كفاءات متاحة.

 

كانت الوطنية المصرية مستعدة لأن تقدم كل ما لديها من طاقات عطاء ودم بإيمان حقيقي أن البلد يحارب في معركة وجوده ومستقبله. وشاع وقتها شعار «يد تبني ويد تحمل السلاح». البناء والحرب معاً، القتال والتصحيح في الوقت نفسه.

 

ومثلت الهزيمة تراجعاً فادحاً في المشروع القومي، لكنها لم تكن نهاية المطاف.

 

كانت السنوات التي أعقبت الهزيمة أفضل سنوات العسكرية المصرية، وأفضل سنوات «جمال عبدالناصر»، بالنظر إلى حجم العطاء الذي بُذل.

 

وأسوأ ما جرى بعدما صمتت المدافع على جبهات القتال، أن هناك من حاول أن يصطنع تناقضاً بين حربي الاستنزاف وأكتوبر، رغم أن الأولى «بروفة» الثانية.

 

في 6 مايو/ أيار 1996 نشرت صحيفة «الأهرام» مقالاً لافتاً وقّعه خمسة قادة عسكريين كبار تحت عنوان: «تصويبات لمغالطات حول حربي الاستنزاف وأكتوبر».

 

الموقعون هم: الفريق أول محمد فوزي، الفريق عبد المنعم واصل، اللواء عبدالمنعم خليل، اللواء طيار دكتور جبر علي جبر، واللواء حسن البدري.

 

في مقدمة المقال قال القادة العسكريون الخمسة، وعلى رأسهم الرجل الذي أعاد بناء القوات المسلحة من تحت الصفر تقريباً وقاد حرب الاستنزاف في أعقاب هزيمة يونيو: «قد يخفى على غير المختص معرفة أن أوجب واجبات القيادة العامة للقوات المسلحة مداومة وضع وتطوير الخطط الحربية لمواجهة احتمالات المستقبل القريب، وفقاً لمختلف العوامل السياسية والاقتصادية والمعنوية والعسكرية المؤثرة في شكل ومجال وأبعاد الصراعات المسلحة المحتملة».

 

و«بمجرد انتهاء مرحلة الدفاع النشيطة في فبراير/ شباط 1969 انكبت هيئة عمليات القوات المسلحة على وضع الخطط الهجومية الكفيلة بتحقيق الأهداف المرحلية المنشودة، مع مداومة تطويرها طبقاً لمختلف العوامل المؤثرة».

 

بالشهادة نفسها، فإن عمليات حرب الاستنزاف جرت بهدف تجهيز القوات المسلحة لتنفيذ الواجبات المنصوص عليها في الخطة

 

كانت تلك لمحة من حقيقة انتهكت علناً لأسباب سياسية في مقالات نشرت باسم التأريخ. ما كان ممكناً نشر ذلك المقال لولا الغضب الذي اعترى قيادة القوات المسلحة في ذلك الوقت.

 

وفي الفيديو الأخير الذي سجله مبارك قبل رحيله بأربعة أشهر، أراد أن ينصف دوره في حرب أكتوبر، ويسجل روايته للأحداث والوقائع التي عاينها من موقعه، وهذا حق مكفول لكل الذين لعبوا أدواراً في ميادين القتال، أو على مسارح السياسة، حتى يستوفي التاريخ رواياته قبل أن يخضعها للبحث والتقصي والتدقيق، وفق المناهج المستقرة.

 

أشار في ذلك الفيديو، وفي أكثر من موضع، إلى اسم الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان القوات المسلحة في حرب أكتوبر، وهو ما لم يفعله أبداً طوال سنوات حكمه.

 

وبالتوظيف السياسي الزائد غاب اسم المشير أحمد إسماعيل علي الرجل الذي كان يتحمّل مسؤولية القيادة العامة للقوات المسلحة في لحظة الحدث الكبير، وتوارت أدوار المشير محمد عبد الغني الجمسي مدير العمليات أثناء الحرب ووزير الدفاع بعدها، والمشير محمد علي فهمي القائد الأسطوري للدفاع الجوي، والفريق فؤاد ذكري قائد البحرية، وقيادات أخرى لها وزن ودور

 

إتاحة الوثائق ورفع خاتم السرية عنها، بعد انقضاء عشرات السنين وموت أغلب شهود الحدث الكبير، مسألة ضرورية لحفظ سلامة الذاكرة الوطنية حتى لا تضيع المعاني الكبرى للتضحيات التي بُذلت.

‎2022-‎10-‎03