هل سيعيد البرد شبح هتلر إلى العالم؟..
لماذا نحن بحاجة إلى المتشددين في بلاد العروبة؟
خالد شحام
تناقلت الأخبار المتلاحقة خلال الأيام الماضية موجة صعود الأحزاب والقوى السياسية اليمينية عبر أجواء أوروبا من فرنسا إلى السويد ثم ايطاليا في المحطة غير الأخيرة لهذه الظاهرة، وعقب ذلك انتشرت حمى التخويف التي تفسر وتتنبىء وترسم صورا بما جرى في هذه الدول .
جرت العادة أن البرامج المعتادة للقوى اليمينية في داخل الدول عامة تحمل شعار المحافظة ورفع الروح القومية والوطنية وتصفية قضايا اللاجئين وتقييد الحريات والسياسات الخارجية والتعاطي بقدر أكبر من الإنغلاق على الذات ورفض العولمة والتبعية ، في الجانب المقابل والذي يسمى بالجماعة اليسارية او القوى المعارضة والتي يتمثل مذهبها في المطالبة بالانفتاح والتجديد السياسي والتعاطي بقدر أكبر من المرونة مع القضايا الداخلية والخارجية ، وطبعا ضمن هذا الكلام المعمم لا يمكن رجم فريق دون فريق لأن كل الموازين نسبية في عالم السياسة ، المثالية هنا هي أن تطبق شعاراتك السياسية البراقة بأكبر عدالة ممكنة وتحظى بمكانة إنسانية عالية داخليا وخارجيا .
السؤال الأول الذي يطرح نفسه هل يستطيع أي منكم أن يذكر لنا نظاما سياسيا غربيا او عربيا غير متطرف داخليا او خارجيا ؟ هل بقي من نظام سياسي معاصر غير متطرف أو متزمت بشكل أو بآخر في جوهره ؟ ما الذي يمكن ان نسميه حول سلوكيات السياسة الأمريكية و الفرنسية والبريطانية والألمانية في كل جزء صغير وكبير ؟ ما هي هي الفوارق بين نهج ترامب وبوش او بايدن وأوباما ؟ ما الفرق بين ماري لوبان أو السيد ماكرون ؟ ما الفرق بين مارغريت تاتشر أو توني بلير أو ليز ؟ ما الفارق بين بيرلسكوني وميلوني ؟ ما الفرق بين نتانياهو وشمعون بيريز أو شارون أو باراك ؟
هنالك نقطتان هامتان حول هذا الأمر ، النقطة الأولى التي ربما ننسى أننا نعايشها ونعاصرها هي أننا نعيش مرحلة من عمر العالم عنوانها العريض هو التزمت والتطرف بأحجام متفاوتة ، تطرف وتزمت يرتدي أقنعة مزينة من الديموقراطية والحريات والبرلمانات والشعارات وحقوق الإنسان ومضافات تحسينية لمنح الكذبة المستوى الذي يليق بها من التهليل والتطبيل ، ولكل بلد في العالم نسخته الخاصة من المتطرفين أو مريديه والكل يمارس التطرف تحت دعايات مختلفة من الانفتاح .
النقطة الثانية التي تتجلى في أوروبا اليوم وعبر تحليل المشهد الأمريكي المتحدث بإسم الجميع ان كل المناهج السياسية الأوروبية والأحزاب ( غير اليمينية ) التي تدعي وتتمسك بموروث الحريات والديموقراطيات تسببت في متسلسلة من القتل والأذى والدموية والسرقات الاقتصادية في هذا العالم وطيلة سنوات بأكثر مما فعل ( اليمينيون ) المدعى عليهم ولذلك يبدو أن الشعوب الأوروبية قررت اللجوء للوجه الاخر على الأقل الذي يكشف حقيقة وجهه وتوجهاته ، ففي الوقت الذي تنبت فيه أشواك الأحزاب والرموز الوطنية المتشددة في النمسا وفرنسا وايطاليا وبلجيكا والسويد وبغض النظر عن رأينا الشخصي إلا أنها تبدو محاولات ومقامرات إنقاذية لأحوال البلاد واسترجاع الروح الوطنية التي تمثل رمقا اخيرا لأوروبا لمحاولة انقاذ ما بقي قبل أن تأتي عليه السياسات الأمريكية وتمحقه كليا .
القاعدة البسيطة تقول بأنه كلما ازداد الخوف في هذا العالم تلوذ الشعوب بالمتشددين لأنها تعتبرهم المحافظين على القواعد الأولى التي نسيها الكل وتخلى عنها النشىء الجديد من السياسيين الذي يجري وراء البريق والثروة والتبعية الأمريكية العمياء ، قارة أوروبا عن بكرة أبيها تكاد تتحول إلى شرق أوسط جديد بلسان أعجمي ، هي نسخة مكررة عن النسخة العربية والآسيوية والافريقية ولكن خصوصيتها تفرض بعض المكياج الحضاري الذي لا غنى عنه ولكن في باطن الأمر فمشروع مارشال التاريخي لا يزال يعشعش في جوف اوروبا ويمسكها من بلعومها.
المحاولات الإنقاذية التي نراها من خلال اللجوء إلى الأحزاب والقوى اليمينية لا يعدو أن يكون سببها كما هو لدينا بالضبط نهج السياسات الأمريكية التي تجر اوروبا وتدفع بها نحو أتون حرب عالمية ثالثة وتشكيل حلف أطلسي مستعبد يمثل في ظاهره قوة أوروبا وفي الباطن يمثل فصيلا عسكريا أمريكيا يقبع خلف البحار ، المخاوف الأوروبية قائمة وحقيقية من فقدان الريادة السياسية والثقل الاستراتيجي والجيوسياسي والتحول إلى نموذج ألماني معمم ، معركة روسيا في أوكرانيا أيقظت المخاوف الأوروبية التي تقع العناصر السياسية -الاقتصادية في مقدماتها ، وحده الشتاء البارد الذي أهلك هتلر ذات يوم في أصقاع روسيا هو نفسه من سيعيد بعث هتلر الجديد من قلب أوروبا لينقذها من البرد الشديد ويضمن لها ديمومة الدفء في رعب الشتاء النووي القادم ، وهكذا ترون أن جحافل المغول الأمريكي وهم يكتسحون العالم يزرعون خلفهم بذور المتشددين والغاضبين والمنادين بعودة هولاكو القرن الحادي والعشرين المستدعى من قمقم هتلر وموسوليني .
في الداخل العربي تمتلك قصة التشدد والتطرف و (جماعة اليمين ) منحى مختلفا متعدد الشعاب مفصلا حسب الطلب وبشكل درامي مضحك مبك ، لدينا شعوب عربية بأكملها يجري عليها برنامج تلقيني لخلق نسخ خاصة من التشدد والتطرف المبطن والمعلن تحت قمصان عنصرية وطائفية ومناطقية لضمان التفكيك والاحتراب الداخلي البارد ، ولذلك نجد شعوبا بأكملها تمارس التشدد والتطرف بصيغ تتناسب مع الظروف فلدينا شيعي وسني ، وفلسطيني ولبناني وأردني ومغربي وجزائري وخليجي ومصري ونخب أول ونخب ثاني وثالث ورابع ، الغايات البعيدة هي إبقاء الشعوب في حالة استنفاذ طاقات أزلي والحاجة لراع دائم وتبعية عمياء وإنهاك وجودي وحضاري واحتواء مستمر لا انقطاع فيه خدمة ووفاءا للاستعمار الصهيو-أمريكي .
على الصعيد الرسمي المتنفذ والحاكم فلدينا حزب عربي واحد فقط فقط له أسماء وفروع ومدعيات كثيرة ولكن كلها تتبع ذات النهج وذات النسخة مهما كان اسم القشرة ومهما كانت غاياتها ، اسمه حزب التبعية – العدمية – حزب العبثية – حزب التهليل والتطبيل – حزب الديكورات – حزب العابدين المسبحين ، هؤلاء هم المؤمنون بالوصفة الأمريكية للحياة السياسية المتبلة بكل توابل العار والذل والمهانة ، هؤلاء هم الذين أوصلونا إلى ما نحن فيه من الردى والخسران وضياع حقوقنا في كل القارة البائسة .
المفكرون والمجددون والثائرون العرب الذين يحملون الفكر السوي والقادر على استلام دفة القيادة وإعادة ضبط ساعات الأمة تم تحييدهم واتهامهم بانهم دعاة حرب وعنف ودماء وأنهم ( يمينيون ) زيادة عن اللزوم ! وتم رجمهم بكل المعلبات الجاهزة سلفا من خزانة ابليس بنفسه ، ومن اجل تلجيم فكر هذه الفئة وتلجيم أي فكر تحرري للشعوب تم ابتكار وتوليد متطرفين حقيقيين مدفوعي الأجر لجعلهم التهديد الجاثم والحاضر دوما لممارسة كل أشكال القمع والكبت ، وهذه الخدعة لا تزال ماثلة كالسيف المشرع على كل الرقاب .
في بلادنا العربية نتمنى حقيقة أن يصعد ( حزب يميني ) حقيقي ما ليمسك زمام الحكومات ويرينا كيف يمكنه أن يضبط العجلات المتهالكة لدورات الحياة في بلاد العرب ، نتمنى وفي الأمنيات بعض انكسار ان يحظى (متشددون ) من أولئك المتعلمين والمفكرين الذين يؤمنون بالقواعد الأولى والتقاليد والأدبيات الأولى للعروبة والإسلام والعلم والرجولة الحقيقية بمسك زمام الأمور وكل السلطات ولو لفترة قصيرة حتى نحظى برؤية مغايرة لنهج الاستسلام والتسليم والانحدار نحو القاع ، أعيدوا لنا ( المتشددين ) وخذوا جماعة ( الوسط ) والوسطية والاعتدال وتقبل الآخر وارحلوا !
2022-09-29