التقارب التركي من سوريا بشير انتصار كبير لها!

حماد صبح

تعددت الأخبار حول تقارب تركي نشط من  سوريا ، ومن هذه الأخبار عقد عدة اجتماعات في دمشق بين على مملوك رئيس الاستخبارات السورية ونظيره التركي هاكان فيدان ، والاجتماع في دمشق تحديدا له دلالته على المزاج التركي التصالحي .

 ونقل كاتب العمود التركي عبد القادر سيلفي في صحيفة ” حرييت ” عن مصدر مقرب من الرئيس التركي أردوجان تمنيه حضور الرئيس السوري بشار الأسد قمة شنغهاي ، أمس الجمعة ، في أوزبكستان ليتحادث معه . ودوافع تركيا في تقاربها من سوريا كثيرة ، فإضافة إلى إخفاق كل مراهناتها على زوال نظام بشار تأتي الانتخابات التركية في العام القادم ، ومن أظهر ملفاتها وجود قرابة أربعة ملايين لاجىء سوري في الأراضي التركية يتمنى كثير من الأتراك التخلص منهم ، وسهل على خصوم أردوجان اتهامه بأنه سبب أساسي في وجودهم لدوره السلبي في الحرب السورية ، ولترحيبه باللاجئين قائلا لهم: ” أنتم المهاجرون ونحن الأنصار . ” ، وثمة الضغط الروسي على تركيا الذي يكشف رغبة روسيا في تخفيف العبء السوري عن كاهلها لتركيز قواها واهتمامها في حربها مع أوكرانيا التي تريدها  أميركا والناتو وإسرائيل سانحة التاريخ للقضاء على روسيا ، وتسير فيها المعارك سيرا أقرب إلى هذه الأطراف منها إلى صالح روسيا .

ولا يغيب عن أسباب التقارب التركي من سوريا سبب له ثقله المحفز ، هو التوتر شبه المتفجر بينها وبين اليونان في بحر إيجه ، والعداء التركي اليوناني عداء تاريخي والشك بين الدولتين متبادل ومحتدم . وتركيا بتقاربها من سوريا تكسب نفَسا وقدرة على التفرغ للتوتر مع اليونان الذي قد ينفجر حربا بين الدولتين . واللافت للاهتمام والإعجاب أن القيادة السورية تستقبل التقارب التركي برصانة وهدوء وثقة من آمن دائما بأنه محق وأن خصومه مبطلون ، وأنهم عائدون إليه حتما . وقد عادت الإمارات بعد سلسلة من الإساءات لسوريا  ، وعادت حماس بعد تجاف وتباعد منها ، وسوريا لا تشمت بالعائدين النادمين المعتذرين مترفعة عن هذا الخلق الذميم ، فيا عجباً لسوريا ! وكل هذا يهبني تمسكا بما كتبته عنها منذ سنوات ، وصفوته أنها الدولة العربية الوحيدة المستحقة لاسم ” دولة ” بخصائصه القانونية والسياسية والعملية المتعارف عليها عالميا .

ولو لم تكن دولة بهذه الخصائص الواضحة الراسخة لما ثبتت في وجه زعازع  عدوان عالمي شامل شاركت فيه دول عربية بمالها وسلاحها وإعلامها وبالمقاتلين المأجورين من كل العالم ، واشترطت للمصالحة مع سوريا تنحي بشار الأسد عن رئاستها ، والهزل الفاجع أن هذا الشرط من دول قبلية تنتمي نظمها  إلى العصور المظلمة في التاريخ البشري ، وتؤبد مواطنيها سجنا على تغريدة يراها الحاكم مغايرة لما يحب سماعه  عن ذاته وعن نظامه الاستبدادي الاستعبادي . ولنا أن نقول في ثقة ويقين إن التقارب التركي من سوريا انتصار لها ، وبعض حوافز الثقة واليقين :

أولا: لن تكون تركيا بعد هذا التقارب مصدرا لأي نشاط ضد سيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها ، وقد كانت ذلك المصدر مدى سنوات المحنة السورية الإحدى عشرة .

ثانيا: سيؤدي هذا التقارب إلى الانسحاب التركي العسكري من شمال غربي سوريا ، وفي هذا توسيع لسيادة الدولة السورية على أراضيها وشعبها .

ثالثا: استقرار الأحوال في سوريا بعد هذا التقارب سيحث السوريين المشردين في تركيا  وفي لبنان والأردن ودول أخرى كثيرة على العودة إلى بلادهم لتبدأ التشافي والانبعاث من جديد بعد الحرب الكونية التي كادت تقضي عليها ، والشعب السوري شعب حيوي نشيط لن يعجز عن إنجاز ذلك التشافي والانبعاث .

رابعا: ستنفتح السبل للنظر في إصلاح سياسي يرضي فئات الشعب السوري المختلفة ، وستكون الحرب ومآسيها وتجاربها معينا في هذا الإصلاح ، والشعوب الذكية الحكيمة تتعلم من التجارب المأساوية أكثر مما تعلم من التجارب السارة ، والشعب السوري شعب ذكي ، ووعيه السياسي قليل الشبيه .

خامسا: سيوازن هذا التقارب علاقة إسرائيل بتركيا المندفعة في التحسن والتوسع ، وسيحد من الاندفاع فيها ، وفي الحد الأقل لن تتعاون الدولتان ضدها مثلما حدث قبلا ، والمؤكد أن إسرائيل فزعة قلقة من التقارب التركي من سوريا .

سادسا: سينشط التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين البلدين ما يحسن مستوى المعيشة في سوريا ، ويشجع مواطنيها المشردين على العودة إليها ، وسيكون سهلا على سوريا  استيراد البضائع التي كانت تلاقي مشقة في استيرادها في أجواء الحرب وتوترات الحدود مع تركيا .

سابعا: سيمنح التقارب سوريا يدا طليقة نسبيا لردع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أراضيها ، وللتخلص من الاحتلال  الأميركي المتطفل السراق لنفطها في شمالها الشرقي ، ويضعف القوى الكردية المتعاملة معه ضد وحدة التراب السوري ، فتعود إلى حضن الوطن الأم .

سوريا العظيمة تنتصر على كل أعدائها ، والتقارب التركي منها  هو أظهر علامات هذا الانتصار والسبيل إليه  ، وربما تسارع الجامعة العربية إلى اللحاق بموكب الانتصار السوري ، فتلغي تجميد عضوية سوريا فيها لتحضر مؤتمر القمة المقبل في الجزائر في مطلع نوفمبر ، وإن تكن كل الجامعة وقمتها لا قيمة لهما ، ولن تهبا  الانتصار السوري تألقا وتأثيرا ، ونقصهما  لن يغمر نفوس السوريين هما وتحسيرا .

‎2022-‎09-‎18