الانحطاطية العربية الثانيه واستعادة الذاتية؟/1!

عبدالامير الركابي

مع انقضاء القرن العشرين اخذت المبتنيات الزائفة لمايسمى ب “عصر النهضة”، بما هو طور انحطاطي ثان، بالتهاوي والانهيار، وكان هذا من قبيل الطور من تاريخ هذه المنطقة، ابتدا مع اطلالة القرن التاسع عشر، واستمر على مدى قرنين من الزمن محكوما لفكرة اللحاق بالغرب ومحاولة استنساخ تجربته الحديثة، او مايعد من قبيل “التقدم”، استجابة وصدى لما هو شائع، وصار حاضرا كنموذج مقر وغالب على مستوى المعمورة، من نمط حداثة غربية واكبت الانتقال الالي البرجوازي الاوربي، وماتزامن معه ونتج عنه من نموذج حياتي، واشكال تنظيم، ودول، مع مارافقها من ممارسة سياسية واجتماعية، بظل حزمة من المنجزات الرفيعة الشاملة على الصعد المختلفة.

ولم يكن واردا وقتها التساؤل، فضلا عن التوقف عند آهلية البنيه المجتمعية التاريخيه الثلاثية الانماط الشرق متوسطية لاستقبال المنجز الاوربي، فكان للطاريء المستجد ان تحول الى اداة تلبي حاجة استعملت وقتها من قبل فئات بغض النظر عن واقعيتها، او استنادها لمبررات وحوافز ذاتيه، فالمنطقة المعروفة بالعربية، وبالذات الشرق متوسطية، كانت في حال انقطاع وتراجع، اعتمد لتسميته تعبير”الانحطاط” الباقي هو الاخر من دون تفسير، ولاتوقف من صنفه، ومايتناسب مع حجمه ودلالته كخاصية تاريخيه اساسيه، مااتاح لمواضع من المنطقة متدنية الديناميات، في مقدمتها مصر وساحل الشام لان تتصدر مساعي استنساخ تجربة اوربا، من دون مقومات، وبغض النظر عن الركائز والديناميات، فافتعلت هذه كلها توهما وبرانيا بالدرجة الاولى، ماكان قد تطابق مع رغبات فئات ومجاميع بمقدمتهم اعيان المدن، وجدوا في الخيار المذكور مايلبي مصالحهم، وموقعهم في الحياة العامة، بناء على ماقد طرا في حينه من متغيرات عمت المعمورة، رافقها فراغ ناجم عن تراجع موقع العثمانيين وتزايد حضور الغرب.

على هذا تهيأت وقتها اشتراطات توزع الطور الانحطاطي الى حقبتين، اولى يبدا التاريخ لها مع سقوط بغداد عاصمة الدورة الثانيه الشرق متوسطية اللاارضوية الامبراطورية عام 1258، وثانية بدايتها مع القرن التاسع عشر، استمرت الى اليوم، مايجمع بينهما جوهرا، تباطؤ، لابل ومايقارب توقف الاليات الذاتية، والديناميات البنيوية التاريخيه بين فترتين تاريخيتين، الثانيه المنتهية مع القرن الثالث عشر، والثالثة التي ابتدات كانبعاث، ومجددا في ارض مابين النهرين في سومر الحديثة، مع القرن السادس عشر، من دون نطقية، ماتزال محجوبة الى اليوم، اي ان الديناميات التاريخيه للمنطقة لم تكن فعليا قد ظلت متوقفه حين عمت ظاهرة الغرب الحديث، بقدر ماكانت في حالة بدء انبعاث، انما بدون نطقية، ماقد جعل مفاعيل الانحطاطية تظل سارية تحديدا في الاجزاء المتلاحمه معها من المنطقة.

ولم يكن ماقد هيمن على المنطقة من تباطؤ في الديناميات وقتها هو الاول من نوعه، ولا المظاهر الرئيسية المواكبه له، واولها وابرزها الانصبابات الغربية الشرقية، مع تبدل مظاهرها وشكل تجليها، فسقوط بابل في 639 قبل الميلاد، ارخ من قبل كعلامه بارزه هو الاخر، لحلول طور الانقطاع الفاصل بين الدورات كقانون بنيوي تاريخي، وخاصية مميزة لدياميات المكان، ماكان غيّب وقتها ديناميات تاريخية وتاسيسية بدئيه عالية، شهدتها هذه المنطقة وكانت بمثابة دورة اولى امبراطورية، كونية لاارضوية، ختمت بالانصباب الاحادي الغربي الروماني، ومقابله الشرقي الفارسي، و مانتج بالتفاعلية المتولدة عن الهيمنه المزدوجة، من تبلور افضى الى الدورة الثانيه، كانت ركيزته التعبيرية السماوية الابراهيمه، والبنية الانماطية الثلاثية لمصر وساحل الشام والجزيرة، الاحاديات المتدامجة في كيانيه موحدة من حيث الفعالية، مع النمطية الازدواجية الرافدينيه، مصدر ومنطلق الرؤية الابراهممية اللاارضوية السماوية المتجلية خارج ارضها، و ما تتابع من قراءاتها الثلاثية، الاولى الموسوية، والثانيه المسيحية التي اخترقت البنيه الرومانيه واوربا، قبل ان تعود الجزيرة العربية ببنيتها الاحترابيه الاعلى، وبالقراءة الثالثة الاسلاميه، لتوفر اسباب ازاحة الانصبابية،الغربية والشرقية، وتواصل مخترقة المدى الموصول الى الصين، لتلحقة بالرؤية التوحيدية، بعد ان تسهم في ايقاظ الاليات الكونية الامبراطورية لارض مابين النهرين، ماقد ولد الدورة الثانيه، وقمتها العباسية القرمطية الانتظارية، التي ظلت حية على مدى خمسه قرون.

ونحن هنا نعتمد من حيث قواعد المروية التاريخيه، المنظور اللاارضوي للتاريخ بحال نطقويته المتاخرة بعد الزمن الطويل المنصرم، عندما كانت المنطقة وارض الرافدين، عاجزة عن ادراك ومقاربة ذاتيتها، فتضطر للتعبير عنها بالحدسية والالهامية النبوية بصورة رئيسيه، ناهيك عن شتى الافتراضات المنقولة، او الارضوية، ومنها تلك التي كرست في العصر الحالي، بالاخص في مصر وساحل الشام، النقلية الاستعارية الغربية، بناء علي الاحادية النمطية متدنية الديناميات المصرية منها بالذات ( مصر هي نمط مجتمعية الدولة اللاطبقية الاوطأ ديناميات في المنطقة، والاعرق نموذجيا احاديا، مقابل الاحادية الاوربية الطبقية الاعلى ديناميات ضمن صنفها الاحادي، ومقابلهما الازدواجية المجتمعية الارضوية/ اللاارضوية الرافدينيه، الاعلى ديناميات مقارنه بالجميع) ولابد، كما لم يسبق ان جرى الانتباه، من ان نرهن عملية التبلور الكوني الابراهيمي بقراءاته الكبرى الثلاث، بالانصبابة المزدوجة للامبراطوريات الارضوية الغربية الشرقية، فالقراءات المذكورة توالت خلال تلك الفترة، وكانت شكل رد النوع التعبيري اللاارضوي السماوي المميز للمنطقة كينونة، انطلاقا من ارض الفعالية الازدواجية الرافدينيه، وصولا الى التحريرية الجزيرية، اي ان التوحيدية التاريخيه، لم تكن من دون محفزات مادية وتاريخيه تفاعلية، حصيلتها اختراق البنى الاحادية الارضوية من قبل الموضع الاعلى دينامية على مستوى المعمورة، الازدواجي اللاارضوي التحولي.

وليس مانشير اليه، وماكان تجلى في الدورة الاولى وماتبعها من انقطاع، ثم عودة الى دورة ثانيه، تبعها الانقطاع الانحطاطي الراهن، هي محطات مرصوفة عفو الخاطر، او من قبيل الصدفة، وبلا مستهدف نهائي تفاعلي، سائر نحو غرضية عليا، هي اللاارضوية، وتجاوز الاحادية الارضوية على مستوى المعمورة، الامر الذي لم يكن قد توفرت اسبابه بعد خلال الدورة الثانيه، مع عودة الابراهيمه الى ارضها، وانتهائها بالانتظارية المهدوية، اي احالة التحقق التحولي الى طور اخير قادم، بعد اعلان انتهاء مفعول النبوة، الصيغة الاولى من صيغ التعبيرية اللاارضوية، الملائمه لاشتراطات اللاتحقق وغلبة المنظور الاحادي الارضوي، فالابراهيمية النبوية حين عادت الى ارض المنشا في القرن السابع، دخلت فورا اليات مختلفة عما عرفته في اي مكان اخر، فالتعبيرية الابراهيميه اللاارضوية هنا، هي نوع تعبير انتقالي آني ماقبل تحققي، حين يعود الى مكان انطلاقه، يصير عرضة لاعادة الصياغه بافق متطلب للتحقق، يتجاوزه كما هو، بما يجعل من حضوره وقتها عملية وتجربة، محكومة لطلب تحقق ثانيه، افضى تكرار فشلها الى اعلان “الانتظارية”، مع الحكم على التعبيرية الاولى النبوية باللاممكن تحوليا كما وجدت في الاصل، وهكذا يكون طلب التحقق المنتكس الاول قد انتج الحدسية الالهامية النبوية التوحيدية، بينما انتجت المحاولة الثانيه اعلان انتهائها.

وماكان للتحقق ان يحصل، مادامت الانتاجية اليدوية هي المتغلبة، بما هي نوع انتاجية ارضوية، فكانت الدورة الثانيه والنظام التجاري الريعي العالمي، الممتد مدى من الصين الى اسبانيا،وعاصمته بغداد، هي المحطة الكبرى الضرورية، ولحظة النوع الانتقالية على مستوى المعمورة، الى الانتاجية العقلية المسماة تجاوزا “آلية”، كما حدثت اخيرا على المنقلب الاخر الاوربي الارضوي الطبقي، الاعلى ديناميات ضمن صنفه المجتمعي، بحصيله النهوض الشامل التجاري الشرق متوسطي، وانعكاسه على اوربا، وبرجوازيتها التجارية.

ولايمكن هنا تحاشي التوقف عند اسباب انبثاق الالة في هذا الجزء الفعال من العالم، لابل المتقدم قياسا لعموم المجتمعات الارضوية، وبالذات من حيث كونه موضع احتدامية تصارعية مغلقة، لاحل لاحتداميتها الاخيرة، الاقطاعية البرجوازية، الا بظهور “طرف ثالث” او “قوة ثالثة” مختلفة نوعا، تاتي لتنهي “الصراع الطبقي”، مع مايبدو ظاهرا من انتصارتحققه “البرجوازية”، مع ان العالم والمجتمعات وقتها، تكون قد بدات واقعا، الانتقال، من اشتراطات الانتاجية اليدوية، الى الانتاج العقلي، ولمابعد مجتمعية ارضوية.

وانقلاب من هذا القبيل لم يكن متوقعا ان يتمكن العقل كما هي طبيعة اشتغاله، ان يعيه، ويدرك ابعاده ساعة وقوعه، وقبل مرور ردح من الاختبار والتعرف الصعب، وحتى غير الممكن ذاتيا، فالغرب اليوم غير قادر، ولا مؤهل للارتقاء لمستوى انتقالية تبدلية من غير نوعه وكينونته، ومع ان الغرب تمكن ابتداء من تسييد منظوره القاصر لذاته والعالم، استنادا للمتغير الالي، الا ان المطلوب وماهو لازم من وعي للحظة التاريخيه، يكون في مكان اخر، مع انه غير متاح ابتداء، فاللاارضوية غير الناطقة حتى حينه، هي بالاحرى الموضع المؤهل لقول الكلمه الفصل بخصوص المنقلب النهائي الاخير، والذي يبدا آليا لكي ينتهي تكنولوجيا، ثم تكنولوجيا علويا.

ما نشير اليه هو طور التوهميه الاعلى، وبعد زمن من هيمنه افكار ومنظورات الارضوية التي تسود بعد ‎2022-‎09-‎08انتكاس اللاارضوية وتوقفها دون الانتقال التحولي، والواجب، بانتظار توفر اسبابه، تبلغ الارضوية مع الالة والصناعة اعلى ممكناتها، والقمة العليا على صعيد الغلبة المفهومية، فتسود افكار من نوع الطبقية والصراع الطبقي ومالاته المفترضة، والالة ودورها ومهمتها، ومايعرف بالتقدم والعقلانيه العلمية الملموساتية، والمجتمعات وانماطها وحقيقة فعاليتها والمستهدف منها، فيعم الكرة الارضية زخم هائل من التوهيمه الصورية الاقرب للاكراهية، تكون هذه المرة مدعمة بقوة اثر وضخامه المنجز المتحقق في المجالات المختلفة، مع جدتها وانتفاء المنظور او الرؤية المقابله، بالاخص على جبهة اللاارضوية التي لم تعد اليوم في وضع مناسب لتوالي القراءات الكبرى، ولا المحطات النبوية التي سبق ان اعلن انتهاء دورها.

ـ يتبع ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)يراجع انورعبدالملك/ مصر مجتمع جديد يبنيه العسكريون/ منشورات دار الطليعة / بيروت

‎2022-‎09-‎09