إن تورط المعارضة الديمقراطية بسياسة “طمأنة الملك”، أقنعته بأنه لا ضرورة لأي إصلاح. فهذه السياسة تتناقض مع الحقيقة التاريخية بأن المستبد الفاسد لن يقدم أي تنازل إلا تحت الضغط. فأي إصلاح يتحقق لن يكون إلا حصيلة صراع لا يجد المستبد الفاسد من مناص إلا تقديم التنازلات والقيام بالإصلاحات لتجنب الهزيمة وفقدانه للحكم. إن البقاء في السلطة هو هدف كل مستبد، ولا يتحقق الإصلاح إلا إذا كان وسيلة أو خيار للحفاظ على بعضها بدلاً من فقدانها كلها.
والمتواتر تاريخياً هو أن الإصلاح ثمرة الصراع على الحكم والسلطة. وهناك محاولات كثيرة لصياغة ذلك نظرياً، ربما أبرزها ما ذهب إليه ابن خلدون وجان جاك روسو، بقولهم بأن ظهور الملوك التافهين سببه غياب التحدي والتهديد لحكمهم. فالصراع على السلطة ليس فقط ضرورة للإصلاح، ولكنه أيضاً ضرورة لضمان تجنيب المجتمعات كارثة وجود المستبد التافه.
عبر التاريخ لم يوجد الملوك الذين يصلحون بشكل تطوعي أو استجابة لـ”رسائل التطمين”. صحيح أن هناك ملوك استثنائيين أصلحوا دون حركات شعبية أو ثورية تطالبهم بذلك (عمر بن عبد العزيز، المأمون، إليزابيث الأولى، لويس الرابع عشر، وبطرس الأكبر)، إلا أن خيارهم بالإصلاح والتطوير كان استجابة لصراع داخل القصور، دفعهم للبحث عن مصادر قوة جديدة عبر الإصلاحات الكبرى. أي أن صراعهم مع منافسيهم داخل القصور، دفعهم للتوجه إلى الشعب كوسيلة للحصول على القوة اللازمة لحسم الصراع لصالحهم، مثبتين أن الشعوب مصدر القوة الرئيسي.
أردنياً، يمكن تتبع ثلاثة مراحل لعلاقة الملك وعائلته مع الشعب، الأولى مرحلة عبد الله الأول، حيث حصل على دعم بريطاني، باعتباره وكيل إخضاع المجتمع لسلطة الدولة المركزية حسب منظور الانتداب، فزاد على ذلك توظيف قوة الدعم البريطاني لإذلال المواطنين وتهميشهم، إلا أنه بدأ بتقديم التنازلات عبر التسوية مع حركة الشباب الاحرار حين استشعر قرب الانسحاب البريطاني. والمرحلة الثانية مرحلة الملك حسين، حيث كان استمرار حكمه موضوع تساؤل من قبل الحلفاء والخصوم في آن معاً، فعمد إلى القيام بإصلاحات إدارية واقتصادية فعالة، وان احتفظ لنفسه بهامش واسع عبر منح الامتيازات. وانتهى العقد الأخير من حكمه بتسوية تاريخية -قوامها لا تخوين ولا تجريم- مع المعارضة التي طالبت بتغيير نظامه.
عبد الله الثاني، عانى وما زال يعاني من عدم قدرته على تطوير فهم متطور لفكرة المُلك، وخضوعه لتصورات غبية وتافهة معتقداً بأن مهمته هي التخلص من الضغوط الاحتجاجية والمطلبية بإخراسها وليس تلبيتها. ويمكن القول بأن إحجام المعارضة عن طرح برنامج لبناء نظام بديل، والتوقف عند المراوحة بين شعار الإصلاح او شعار اسقاط النظام -دون وجود برنامج واضح لتغيير النظام يمنح المصداقية لأي من الخيارين- أفقدها القدرة على تعديل موازين القوى بين الشعب والملك، كذلك فقدت فرصة التأثير على تفكير الملك وتركته ألعوبة بيد مراكز الفساد والثقل المحلية والإقليمية.
إن قيام المعارضة الديمقراطية بطرح برنامج وطني لتمكين الشعب من استرداد الدولة سلطة وموارد يتضمن –(أو لا يستثني ولا يستبعد)- تغيير النظام، سيكون له أحد ثلاث نتائج محتملة: الأولى ان يقوم النظام بمهاجمة المعارضة بقسوة وعنف على أمل أن يخنق هذا الصوت، لإبقاء الحال على ما هو عليه، ودون أن يقدم أي تنازل أو إصلاح سياسي أو اقتصادي أو إداري حقيقي، وفي هذه الحالة يعلن النظام قراره بالانتحار عبر تقديمه الدليل الحاسم على صحة خيار المعارضة بالمطالبة بتغييره، وليس من واجب المعارضة ولا من مهماتها أن تساعده على البقاء. والثاني أن يتوجه النظام للشعب لاسترداد ما فقده من شرعية وتعزيزها، بالقيام بإصلاحات حقيقية وبناء قاعدة اجتماعية متماسكة وعريضة للحكم، وهذا سيمكن المعارضة من تحقيق مكاسب شعبية عبر النضال وبشكل غير مباشر، ودون الدخول بأي تسويات أو تقديم أي تنازلات، فتحافظ على اهليتها لتكون شريكة في السلطة عبر صناديق الاقتراع الحقيقية، لأخذ الشرعية على برامجها البديلة. والثالث أن يعتبر النظام أن هذا مجرد زوبعة في فنجان، فيتجاهل كل الأمر، ويُبقي على سلوكه الراهن متجاهلاً المخاطر (وهي وسيلة التافهين في التعالي عن المخاطر بإخفاء خوفهم)، وهذه مرحلة مؤقتة ستفضي سريعاً إلى أحد الخيارين السابقين. إلا أن النظام المستبد الفاسد لن يصلح بشكل تطوعي دون ضغط، ولن يرحل بصمت وهدوء.
والشرط الأساسي حتى تسترد المعارضة الوطنية جدواها -التي يشكك بها المواطنون– يجب عليها أن تدفع الدولة إلى حافة التغيير والإصلاح، وأن تتخلى عن فكرة الحصول على نصيب من السلطة عبر محاولات كسب ثقة الملك وتقديم التطمينات له. إن جوهر المشروع الإصلاحي هو نقل مركز السلطة من الملك إلى المؤسسات، ونقل شرعية ممارسة السلطة من رضى الملك إلى رضى الشعب، والحصول على تفويضه الظرفي والمؤقت. رضى الملك واطمئنانه ليس من المعايير الموضوعية للمشاركة في السلطة، بل هي درب زلقة تقود إلى خسارة ثقة الشعب واحترامه.
إن تجاهل المعارضة للحقيقة التاريخية بأن المستبد الذي لا يستشعر الخوف من أن يجر بالشوارع لن يصلح، يجعلها شريكاً في إدامة الفساد وتأخير الإصلاحات. والمستبد الذي وقع ضحية الخوف بسبب جرائمه وفساده ليس شريكاً يمكن بناء مستقبل آمن ومستقر بتقديم التطمينات له. والمستبد الذي يخشى تبعة أفعاله الدنيئة والإجرامية والفاسدة، كاذب ولا يمكن الاطمئنان لما يقول.
أخيراً، إن المطلوب من المعارضة الديمقراطية التمسك بدورها ومهمتها الحقيقية، وصياغة رسالتها الحاسمة الصارمة للمستبد الفاسد وعائلته ” اصلحْ”، وإلا سيتم إصلاح الحال بدونك وبعد التخلص منك. على المعارضة ان تتخلى عن كذبة ضرورة طمأنة الملك من اجل الإصلاح، فالإصلاح والتطور هو ثمرة صراع، ستقرر موازين القوى فيه مدى شموليته وعمقه. وبدلاً من البحث عن خطاب طمأنة عقيم مرتبك، لا بد من السعي لتعديل موازين القوى الحقيقية على الأرض بين الشعب والملك وعائلته.