8 شباط 1963…. ماذا لو ؟!
عارف معروف.
تعّودنا في مناسبة ذكرى انقلاب 8 شباط 1963 ان نعبّر عن عواطفنا السلبية المشبوبة اتجاه الحدث فندين او نستنكر او نشتم او نروي وقائع دامية مشهودة بالفعل او متناقلة عن طريق السماع او غير ذلك . واذا تطلعنا ابعد قليلا فربما تكلمنا عن جوانب سياسية للحدث ، لكن وضع الانقلاب كمضمون اجتماعي سبقته تطورات واعقبته نتائج قريبة ومفاعيل بعيدة والتي اعتقد ان بعض اثارها مستمرة حتى الان ، تحت عدسة الفحص الدقيق والدراسة الموضوعية المتأنية التي تريد ان تخلص الى ثمرة نافعة لم يحصل قط ، على ما اعتقد، وهو الامر الوحيد الجدير بالاعتبار والفائدة الحقيقية لكنه ، في نفس الوقت وياللاسف ، الاقل شعبية وقبولا ونجاحا من الناحية ” التسويقية ” بالطبع ، وهذا مايبرر ويفسر كونه الاقل جذبا بالنسبة لكتّاب وباحثي هذا الوقت !
في ذكرى انقلاب شباط ، كتبتُ في 7 شباط 2016 ، مقالا مطولا بعنوان :
” لا نحب الحقيقة ولا نريدها ، انما نعشق الوهمْ ونطمئن اليه ! ….
نصف قرن على انقلاب 8 شباط 1963 …. من يجيب على الاسئلة؟ “
ضمنته الكثير من الاسئلة التي اعتقدت وما ازال انها ضرورية وواجبة الاجابة واملت ان تحفز همّة البعض للبحث عن اجابات ممكنة بل وضرورية بدلا من الجمود عند قصة ” جئنا بقطار امريكي ” ، لكن شيئا من هذا لم يحدث ، فقّوة العادة وما توفره من راحة وشعور زائف بالأمن اقوى بكثير من دافع المخاطرة نحو جدّة البحث وتلمس اجابة مختلفة !
اردت ان اكتب اليوم شيئا مفيدا بالمناسبة فاتجهت الى السؤال الذي طالما راودني بشأن انقلاب 8 شباط وحسبت انه ربما مثّل َ شيئا مختلفا قد يثير الهمم ويدفع بالاخيلة نحو آفاق منتجة ، معتقدا انني لم اتناوله من قبل لكنني وجدته في صلب الاسئلة التي تضمنها المقال السابق ! :
كان السؤال الذي يتردد في خاطري كلما تذكرت انقلاب شباط وما يزال هو : ماذا لو كان الانقلاب قد فشل ؟ ماذا لو تمكّن المرحوم عبد الكريم قاسم وانصاره من قلب الطاولة على الانقلابيين وتطورت الامور باتجاه دحرهم ومطاردتهم ومن ثم القضاء عليهم ؟ كيف كانت ستجري الامور لو لم يشهد يوم 9 شباط استسلام عبد الكريم قاسم واقتياده الى مقر الاذاعة في الصالحية واغتياله وصحبه هناك وشهدَ ، عكس ذلك ، تراجع قوة الانقلابيين وانسحابهم من الاذاعة ثم هروبهم باتجاه ابو غريب وهزيمتهم والقاء القبض على رؤووسهم جراء ضغط قوّة عسكرية موالية او هجوم جماهيري مسلح او اي من العوامل التي غيرّت ميزان القوى في تلك الساعات الحاسمة والمصيرية ؟
كيف كان سيكون يوم 10شباط ؟ وشهر آذار الذي يليه ومن ثم بقية اشهر عام 1963 والاعوام التي تليه ؟ هل كانت حياتنا ستتخذ مسارا مختلفا ؟ وهل ان الاختلاف سيكون اكثر ايجابية ام سلبية وما هو الدليل او المؤشرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي اعتمدت لدعم هذا الاستنتاج ؟
اترك لك صديقي القاريء امكانية المشاركة في قراءة من هذا النوع ، ليس حبا بالخيال والعبث ، ولا تهربا من مسؤولية الواقع وضرورة مواجهته وانما لاعتقادي ان قراءة من هذا النوع قد توفر معرفة والمام ادق بعناصر الصورة وممكناتها يوم ذاك واورد لك مقطعا مما كنت كتبته بهذا الشأن في مقال 2016 :
( والان .. بعد نصف قرن من الزمان ، هل كان انقلاب شباط 1963 لازما ، بل حتميا ؟ماهي دواعي ضرورته وما هي اسس حتميته ؟ بمعنى آخر …هل ان 8 شباط كان تعبيرا عن انتصار برنامج اجتماعي سياسي لقوى طبقية مؤثرة كان سيجد طريقه الى الظفر بالسلطة السياسية والسيادة الاجتماعية ، ان لم يكن يوم 8 شباط ففي يوم لاحق وان لم يتحقق بذلك الانقلاب العسكري الدامي فسيجد له صيغة اخرى ، ام انه مجرد صدفة سيئة وامكانية استثنائية تحققت عشوائيا ؟! او لنطرح السؤال ، بطريقة اخرى : هل كان يمكن الحيلولة دون 8 شباط، ؟ كيف ؟ ما هو البرنامج السياسي الكفيل بذلك ، ومن هي القوى الاجتماعية وتمثيلاتها السياسية المؤهلة له؟ ماهي مسؤولية عبد الكريم قاسم ، الشخصية ، عن انتصار قوى 8 شباط ؟ ماهي مسؤوليته عن عقابيل شباط التي وسمتْ تاريخ المرحلة التي اعقبته وما تزال تلقي بظلالها عليه ؟ ما هو حجم مسؤوليته ،الشخصية ،عن اجهاض برنامج ثورة تموز 1958 والتمهيد لانتصار قوى 8 شباط وماهي مسؤولية نظامه ، ان كان ثمة نظام ، ومسؤولية الاطراف والقوى السياسية الساندة ؟؟ ثم السؤال ،الاكثر اهمية ودعوة الى اعمال الذهن ، كيف كانت ستسير الامور لو انتصر عبد الكريم قاسم واجهضت المحاولة الانقلابية ؟ هل كانت ستسير باتجاه بناء بديل ديمقراطي او على الاقل بديل يستند الى برنامج قوى تموز 58 واهدافه الاجتماعية وصيغه السياسية ام انها كانت ستسير باتجاه تركيز السلطات الفردية وشخصنة النظام وعبادة الفرد واستباق ما انتهت اليه الامور في زمن صدام حسين ولكن بشخص عبد الكريم قاسم واسناد قاعدة حزبية شيوعية او قاسميه او بدونها ؟ وتبعا لذلك ،هل ان الميل الى الاستحواذ على السلطة والانفراد بها وشخصنة الحكم وتصفية المنافسين هو ميلٌ اصيلٌ كامنٌ في رحم البنية الاجتماعية وناجم عن المرحلة التاريخية وبنيتها الاقتصادية الاجتماعية والثقافية ، بالضرورة ، بحيث انه لا يتعلق بعبد الكريم قاسم نفسه او، حتى ، حزب البعث وصدام حسين، لاحقا؟ واذا كان الامر، كذلك ، فما هي سبل تلافي هذا الميل والحيلولة دون تبلور نتائجه ؟)


2021-02-08