رنا علوان
[ كن هادئاً وصوّب جيداً ، انت في النهاية ستقتل رجُلاً ] بهذه العبارة انهى التشي جيفارا حياته
أرنستو “تشي” جيفارا ، ولد في 14 يونيو 1928 – وتوفي في9 اكتوبر 1967 ، المعروف باسم تشي جيفارا و (التشي تعني الرفيق )
وفي التعريف عنه ، هو ثوري كوبي ماركسي أرجنتيني المولد ، وهو ذاك القارىء النهم ، والمتعطش دوماً للمعرفة ، وهو القائل بان[ الواجب الاول للثوري هو في ان يكون مُتعلماً ]
كان جيفارا كاتبًا فقد ألف كتاب “مذكرات عن الحرب الثورية”، وامتهن الطب ، فهو الطبيب الذي ظل مولعًا بالأدب والفلسفة والسياسة وهناك كتاب الأعمال الكاملة لجيفارا قدم لها فيدل كاسترو ، وفي هذا الكتاب يقول تشي جيفارا (ص 75 – 76) ” يجب أن يكون التنظيم حاضرًا باستمرار فالتنظيم هو المفتاح الذي يتيح اتباع المبادهات التي تصدر عن زعماء الثورة ، والمبادهات التي تنبثق في أحضان الطبقة العاملة، والتي يجب أن تتحول كذلك إلى توجيهات واضحة للعمل التالي”
وهو الزعيم العالمي والقائد العسكري ، فضلاً عن انه شخصية رئيسية في الثورة الكوبية ، والتي أصبح ايقونة لها منذ وفاته ورمزًا للثورة في كل مكان وشارة عالمية ضمن الثقافة النضالية ، في جميع انحاء العالم ، وهناك من يتراءى له مباشرة عند سماع اسم الأيقونة تشي جيفارا (الشيوعية الماركسية ) والتي تهدف الى السيطرة على مُقدّرات المجتمع لصالح افرادها بقدرٍ متساوٍ ، وتُعد من اهم التيارات التاريخية المعاصرة ، ويُعتبر كارل ماركس الأب الروحي لها ، وهي مرحلة تعلو الاشتراكية ، وتعود لزمن افلاطون
ولد تشي في مدينة روزاريو في الأرجنتين وأصيب بالربو منذ طفولته ولازمه المرض طوال حياته ، استقرت عائلته في عاصمة الارجنتين في بيونس أيريس ، التي تخرج من جامعتها عام 1953، من ثم سافر الى أمريكا اللاتينية مع صديقه البيرتو غرانادو على متن دراجة نارية وهو في السنة الأخيرة من الجامعة ، وكونت الرحلة شخصيته حيث احس بالظلم الكبير الواقع من الامبرياليين ، والتفاوتات الاقتصادية المتأصلة بالمنطقة ، والتي ما هي الا نتيجة للرأسمالية الاحتكارية وللاستعمار الجديد والامبريالية الأمريكية
ادرك جيفارا بأن العلاج الوحيد للوضع في أمريكا اللاتينية هو الثورة العالمية ضد الاستعمار الامبريالي المهيمن والمسيطر على دول امريكا اللاتينية وهذا الادراك دفعه للاشتراك في الاصلاحات الاجتماعية في غواتيمالا في ظل حكم الرئيس جاكوبو اربينز غوزمان ، الذي ساعدت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في نهاية المطاف إلى الإطاحة به ، ولكن هذا أدى إلى نشر أيديولوجية جيفارا الثورية
وبينما كان جيفارا يعيش في مدينة مكسيكو في المكسيك بعد تركه غواتيمالا ، التقى هناك براؤول كاسترو المنفي مع أصدقائه الذين كانوا يجهزون للثورة في كوبا ، وينتظرون خروج فيدل كاسترو من سجنه فيها ، وما أن خرج فيدل كاسترو من سجنه حتى قرر جيفارا الانضمام للثورة الكوبية
يقول تشي في مذكراته بان خبراته وتجاربه التي عاشها في جميع انحاء امريكا اللاتينية والتي كان أخطرها في فترة الانقلاب الذي حدث في غواتيمالا ، قد اجتمعت كلها معًا لتؤكد عزمه على الالتحاق بأي ثورة كانت ضد الطغيان في أمريكا اللاتينية
لا سيما واذا كانت الثورة ستُمكنه من العمل بقوة ضد الأعداء الحقيقيين للشعوب وهم المخابرات الاخطبوط الأميركي والشركات الدولية الكبرى التي تملكها الولايات المتحدة التي ما فتئت تزرع الحكومات العميلة لها في كل مكان
وكان تشي يعلم جيدًا ان كوبا تُعد ابرز مثال على الهيمنة الامبريالية للاخطبوط الأميركي ، كما ان رئيسها باتيستا ، هو احد اذرعها ، كما هو واقع أنظمة الاستبداد الرجعي العربي خاصة دول الخليج العربي ، التي تقبل ذراع الاخطبوط لنيل رضاه وتتسابق من أجل التطبيع مع العدو الاسرائيلي الذي يمارس أبشع الجرائم ضد الشعب الفلسطيني من احتلال واستيطان وحصار ورفض اي قرارات بخصوص القضية الفلسطينية العادلة ، وان طفل الخطبوط المُدلل المدعوم من اليمين الأميركي والحركة الصهيونية استباح حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة بحدود عام 1967 وعاصمتها القدس ، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم فلسطين التاريخي
لقد درس تشي جيفارا الماركسية واستنار بمبادئها وكان يرى في كارل رجلاً غير عادي ، فهو الذي يواجه أصعب المشاكل وأعقدها ، ويتمكن من التغلب عليها وحلها
وكان يرى فيه الشخص المتفائل دوماً والذي يُحب ان يشاركه تفاؤله ، وانه يجب الكف عن الصراخ والاحتجاج والتحول إلى النضال والكفاح ، فهو الحل الوحيد لاؤلئك الذين يريدون ان يحرروا انفسهم ، كما كان يدعو لتعلم لعبة الشطرنج حيث انه كان يجد فيها وسيلة فعالة لتثقيف وتدريب الفكر البشري ، كما تعلم الصبر الهدوء
خلال أعوام الثورة الكوبية أثبت تشي جيفارا بأنه مقاتل مغوار لا يهاب شيئًا ، وهكذا أصبح المستشار العسكري الأول لكاسترو وكاتم أسراره
لقد ناضل تشي جيفارا تحت ارشاد فكرة خوسيه مارتي (واحد من اشهر الثوار الكوبيين) حين قال ان الوطن لهو الانسانية كلها
أدرك تشي جيفارا اهمية الكلمة وما لها من قوة فهي سلاح حقيقي وان الكلمة بامكانها ايضا ان تقتل ، لذلك سعى الى انشاء جريدة خاصة به ، الأمر الذي ساعد على رفع الروح المعنوية بين جنوده وعزز التواصل فيما بين أفراد الجيش وبين أنصارهم في الداخل والخارج وكانت هذه الجريدة كذلك هي ما جذب إليه الصحافيين الأجانب الذين قاموا بزيارة الثوار في مواقعهم لأكثر من مرة وأجروا معهم العديد من اللقاءات الصحفية التي ساعدت على الترويج لقضية الثورة الكوبية في بلاد أمريكا اللاتينية ودول العالم
كان تشي خيفارا صاحب كاريزما ومحبوب جدا ، وخاصة لدى تلك الشعوب المُضطهدة التي كان يقف الى جانبها ، لكن في المقابل كان له الكثير من الاعداء بسبب اسلوبه الصريح في النقد والمهاجمة دون تزلف ، وهذا ما جعل البعض يتسائل هل حادثة اغتياله اتت نتيجة خيانة له من قبل بعض (الاصدقاء الاعداء)
جيفارا الذي لعب دورًا كبيرًا في اقناع كاسترو بتعيين العديد من الشيوعيين للعديد من المناصب الاستراتيجية في مجالات عديدة ، حيث كان تشي يرى بالفكر الماركسي وبالتعاون مع الشيوعيين الطريق الوحيد للوصول إلى المجتمع الاشتراكي ، التي طالما حلم بإنشائها في كوبا ، فخلال الثورة الكوبية أقام تشي جيفارا تحالفًا قويًا مع الحزب الاجتماعي الشعبي (وهو الحزب الشيوعي في كوبا) مع كارلوس رافائيل رودريجيز وكان ذلك عاملاً من العوامل المهمة التي أدت إلى تحول نظام كاسترو إلى الشيوعية
في أعقاب انتصار الثورة الكوبية قام تشي جيفارا بأداء عدد من الأدوار الرئيسية في حكومة الثورة حيث أسس قانون الإصلاح الزراعي ، وعمل أيضًا بمنصب رئيس البنك الوطني ، وكان رئيسًا تنفيذيًا للقوات المسلحة الكوبية ، كما جاب العالم كدبلوماسي باسم الاشتراكية الكوبية وزار مصر والتقى مع جمال عبد الناصر
كان جيفارا ايضا عاشقاً ورومانسياً ، فكان يقول [ علموا أولادكم أن الانثى هي الرفيقة ، وهي الوطن ، وهي الحياة ]
وكان يوصي زوجته قائلا [ عزيزتي تمسكِ بخيوط العنكبوت ولكن إياكِ ان تستلمي ] وفي هذه الوصية الكثير من الدعم والقوة والمُساندة التي كان يمنحها اياها
كما كان يقول [ الثوري الحقيقي يسترشد بمشاعر الحب العظيمة ] وهذا القول ان دل على شيء ، فهو يدل على شخصية جيفارا المُحب نفسه ، وان القوة الحقيقية ما هي الا مكافئة من هذا الحب ، وليس البغض (فالمحب القوي هو دائماً ما يفوز )
2022-10-10