الحشد واعداءه – عتب وتحذير
صائب خليل
24 تموز 2017
هل السنة أعداء الحشد؟ أو لنضع السؤال بشكل أدق: هل يرى الحشد أن السنة اعداءه الذين يجب على محبيه ان يحموه منهم؟ لقد كنا نجهد في الفترة السابقة ان نطمئن السنة بان الحشد ليس عدوهم، ولكن يبدو أن علينا الآن ان نطمئن الحشد بأن السنة ليسوا اعداءه.. وان اعداءه في مكان آخر.
هذا “الرجل” (إن صح الوصف) تكلم من واشنطن واضعا البيت الأبيض خلف ظهره، وكأنه سفير أمريكي. ولمن لا يكتفي بالصورة فمواقف هذا “الرجل” أمريكية إسرائيلية تماما. يقوم هذا باقتراح بتحويل الحشد الى مؤسسة خدمية (مثلما اقترح السيد مقتدى الصدر تماما) لكنه أطلق عبارته بشكل مهين للحشد، وموجها إياه لبناء الموصل بالذات، وكأنه مهتم ببناء الموصل، وأن بناء الموصل يتطلب حل الحشد!
الرجل امريكي تماما، ولا علاقة له بالموصل، وإن كان قد ذكر الموصل فهي حشو لتبرير دعوته لحل الحشد. ويمكننا من مراجعة تصريحاته على موقعه أو في الإعلام أن نرى أن ما يريده لم يكن بناء الموصل وانما حل الحشد، لأي سبب وبأية طريقة. أنظروا تصريحه في الصورة أعلاه. إنه لا يرى أن توغل داعش أو القصف الأمريكي او الإسرائيلي هو المشكلة في سوريا، بل “توغل الحشد”! إنه يمثل بالضبط وبكل دقة التوجه الأمريكي وهو وحزبه ليس سوى جزء من الجهود والتمويلات الأمريكية لتحقيق أهدافها في المنطقة وأولها في الوقت الحاضر، هي التخلص من الحشد.
إلى هنا يبدو كل شيء طبيعي ومفهوم، وهو حتى ليس بمشكلة أبداً، ولم يكن الهدف من كتابة هذه المقالة رغم صورته المنشورة. فهذه المقدمة هي فقط لإيضاح ما حدث وأرجو الآن نسيانه والتركيز على ما سأقوله والتفكير فيه، فمشكلتنا كما يبدو في أنفسنا وفي قيادات الحشد ومدى وعيها وردود افعالها، وعلى هذا الأمر ارجو الانتباه، وتوجيه التعليقات عليه فقط وليس على انتفاض قنبر. الرجل ليس مشكلة ابداً، لكن حين يرد عليه إعلامي من قناة محسوبة على الحشد، ولا يرد إهانته بإهانة هذا “الرجل”، ولا بمن يقف خلفه، والذي يراه بوضوح تام أي شخص مهما كان أبلها، دع عنك شخص اعلامي، ولا يشير إطلاقاً إلى واشنطن التي تقف خلفه، ويحذر الحشد والمدافعين عن الحشد منها ومن خططها، بل يحول البروجكتور الإعلامي بعيدا عنها ويوجهه إلى الموصل، فهنا مشكلة كبيرة. وتصبح المشكلة أكبر عشرة مرات حين يهب المدافعين عن الحشد، ليدافعوا عن هذا الخطاب المشبوه للإعلامي المشبوه، ويعتبرون انه “يدافع عن الحشد”!
يدافع عن الحشد ممن؟ هل يرى الحشد في الموصل وأهل الموصل عدواً له؟ لو راجعنا ما يقوله قادة الحشد وما يفعلونه لوجدنا العكس. إنهم يدركون كما يبدو، أن معركة الحشد ليست في سوح القتال فقط، وإنما أيضا على النت والفضائيات والفيسبوك. إنهم يتحدثون عن طائرات أمريكية تلقي لداعش المعونة والأسلحة. ويتحدثون عن العبادي الذي يمنع الحشد نزولا عند الرغبة الأمريكية، بل ويسعى للتآمر على الحشد معها في توريطها في معارك يحدد شكلها مسبقا في تلعفر، وتبدو مصممة لإبادة الحشد.
وهم يعلمون أن وحدة العراق أمر أساسي لحياة كل من فيه من سنة وشيعة (وكرد، حسب هادي العامري). ويعلمون كما يستشف من تصريحاتهم بأن السنة يتعرضون لضغط اعلامي شديد ضد الحشد، ويبذلون الجهد في ساحات القتال لتغيير الصورة المزيفة التي قدمها الإعلام للسنة عن الحشد، منذ أيام “الثلاجات” المزعومة.
ويخبرنا الأمين العام لسرايا الخراساني أن أبو مهدي المهندس يميل إلى إطلاق سراح كل من لا دليل على إجرامه حتى إن شارك داعش دون قتال. ولا شك بأن المهندس يضحي بذلك بالكثير ويخاطر بالكثير، وان الهدف الوحيد لهذا، هو طمأنة اهل الموصل، وبقية المدن السنية لكيلا يسقط بريء بالخطأ ظلماً، وتستخدم تلك من قبل جيش إعلامي مهول لإسقاط الحشد في نظر السنة.
لا نريد ان ندعي ان “الدنيا ربيع والجو بديع” وان كل او الغالبية الساحقة من السنة يقفون مع الحشد. لكننا نقول إن هناك نسبة عالية منهم تفعل، وهناك مؤشرات قوية على ذلك، وإن لم نكن نستطيع تحديدها. ونحن لا نستطيع تحديدها، لأن أميركا التي تمتلك الإعلام لن تقوم بإحصائها وإن فعلت فلن نثق بها. فالفضائيات تستطيع ان تركز على عشرين شخص من مدينة سكانها أكثر من مليون، ليظهر الأمر وكأن تلك المدينة تقف مع هذا او ذاك. ولا نستطيع، لأن الحكومة العراقية، مثل الاعلام العراقي، تقف في الخندق الأمريكي، ضد العراق وضد الحشد، ودورها هو ان لا يكون هناك حكومة ولا يكون هناك جهد حكومي لمواجهة الخلل، يفترض ان يقدم مثل تلك الإحصاءات ويبحث عن الطرق لتحسينها.
الحكومة تفعل العكس في الحقيقة. أنها، وبخنوع للإرادة الأمريكية، تختار من السنة لتتحدث معهم، بالضبط من يقف ضد الحشد. تختار من أطلق الناس عليهم سنة نتانياهو، وتترك الباقين الذين يقفون مع العراق ومع الحشد، مهملين، مهما كانت جماهيريتهم.
لذلك كله، لا نستطيع ان نقول كم من السنة مع الحشد بالضبط، ونضطر إلى البحث عن ادلة غير مباشرة لتقدير ذلك. أشياء لا يسهل على إعلام اميركا تزويرها، مثل صور الأعداد الهائلة من اهل الموصل واهل الأنبار الذين غادروا مدنهم لمجرد سماعهم باقتراب احتلالها من قبل داعش، بعد انسحاب القوات الحكومية تاركة لها الأسلحة. والمدن التي تمكنت من الصمود بوجه داعش، دون ان تقدم لها الحكومة أية مساعدة، ولم تأمر حتى قوات الحماية التي تحيط بها بدعمها. فصمدت حينا وفشلت أحيانا، في بلد لا حكومة فيه ولا جيش، في ذلك الحين، إلا بقدر تسليم المدن والأسلحة الى داعش، والإفلات التام من أي عقاب!
لحساب من تعمل الحكومة في هذا؟ للسنة؟ أم للأمريكان؟ ومن هو عدو الحشد هنا؟ السنة أم الأمريكان والحكومة؟ وحين يدعو عميل امريكي معروف إلى حل الحشد، فيتظاهر إعلامي بالغضب، ليوجه إهانة إلى الموصل، بدون أية مناسبة وأية حجة كانت، وبعد مراوغة يترك فيها الإهانات الأشد التي وجهها رجل واحد، وهو شيعي، ليحولها الى صيغة الجمع أولا ليوحي للمشاهد بأن هناك مجموعة تقف وراء رأي هذا العميل، ثم ليضرب بها اهل مدينة سنية لم يكن أي منهم له اية علاقة بكل الموضوع، سوى أن اسم المدينة قد ذكر في المناقشة، فان هذا الإعلامي شخص مشبوه، وليس بريء أو خاطئ!
وهذا ليس مشكلة بحد ذاته، فـ 99% من العاملين في الإعلام يشتغلون لحساب أميركا بشكل مباشر او غير مباشر. لكن المشكلة حين يأتي الأمر من قناة محسوبة على الحشد، وإعلامي محسوب على الدفاع عن الحشد! وتكون مشكلة أكبر حين يلتف جمهور هذا الإعلامي حوله أكثر رغم كل الحقائق التي نبين فيها حقيقة ما يفعل! والمشكلة حين يعتبر عمله الأخرق “دفاعاً عن الحشد”! وحين يعتبر من يشكك به كعدو للحشد! إننا نشعر وكأننا في ضياع تام، ونشعر بالهزيمة.
لقد تمت تربية العقل العراقي إعلاميا بشكل يسهل فيه دخول الادعاءات المطلوبة، بلا مقاومة، وبتشكيل عوائق كبيرة أمام الحقائق غير المناسبة للإعلام.
لقد وجهنا عدة مقالات الى قادة الحشد في الماضي، وبدون أي رد فعل، ولذلك نحن نشعر باليأس أيضا من توجيه هذا النداء، ولكن لا بأس. قولوا لنا فقط: هل تعتبرون الموصل عدوتكم، وأنكم بحاجة إلى من يدافع عنكم بإهانة أهلها؟ هل تعتبرون خسارة أهلها، امر لا قيمة له؟ فلماذا إذن التضحيات الكبيرة لتقليل الخسائر في أرواحهم؟ ومن اجل ماذا كل الخسائر الإعلامية؟ ولأجل أي شيء تطلقون سراح المشبوهين حرصاً على سمعة الحشد من أي خطأ؟
وإن لم تكن الموصل عدوتكم ولا أهلها ضدكم، وأن فيها من يقف معكم وتحسبون له حساب، فكيف تنظرون إلى ما فعله وجيه عباس؟ هل ترونه تصرف سليم، أم مجرد خطأ، أم أنه ضمن مخطط لتحطيم سمعتكم؟ كيف تتصورون تأثيره على المقاتل في الحشد، وما ستكون فكرته عن الناس الذين يحررهم؟ وإن كان المعتدلون من أصدقاء الحشد قد استثيروا تأييدا بهذا الشكل، فما الذي يمكن ان يفعله متطرف يتحمس لهذا الخطاب، إن وجد هؤلاء “الناس الأعداء” تحت سلطة سلاحه في لحظة من الزمن؟ وما رأيكم برد فعل الناس التي فرحت به، رغم انه يتجه بعكس توجه إعلامكم العام؟ من أين تسرب هذا الخلل إلى جماهيركم التي تحبكم؟ وماذا أنتم فاعلون في هذا؟
أنتم لن تفعلوا شيئا.. وسيستمر وجيه وامثاله من المشبوهين في عملهم، وستستمرون في خذلاننا وفي جعل مهمتنا في الدفاع عنكم أمام أهلنا، مستحيلة. بل أن ثقتنا ذاتها ستهتز، ولن نأتمن على المدن، حشداً تربى افراده على قبول شتائم وجيه عباس على أهلها وتصويرهم كأعداء، ليكون له سلطة على الناس فيها، ولو لفترة قصيرة، ولا يجب ان تأتمنوه انتم ايضاً! فعاجلا أو آجلا ستتكاثر الجرائم التي تستثيرها هذه الخطابات البشعة، في نفوس البسطاء من مقاتلي الحشد، وسرعان ما تقدم “الأدلة” الحقيقية التي يتعطش لها الإعلام الأمريكي في العراق، لتشويه صورة الحشد بما لا يمكن بعده تصحيحه.
إنني أرى في الحشد الامل للعراق، وقد كتبت دائما بأني ضد حله، حتى بعد تحرير الموصل. وهو ما لم يجرؤ الكثير من الشيعة أنفسهم على طرحه. فما يزال بلدنا محتلا، ومازالت ارضنا محتلة، وهو القوة الوحيدة التي لم تشكلها يد الاحتلال، والقوة الوحيدة التي لم تترك قياداتها الميدان وتترك عمدا أسلحتها لداعش خلفها. لذلك فهو الأمل الوحيد والأخير للعراق، ولنفس السبب فهو الهدف الأول والأخير للتآمر. وأدرك لذلك، بان هذا “الأمل” يتعرض للخطر الشديد جداً، وأنه يسير على خيط رفيع شديد التوازن، وان اعداءه يشحذون سكاكينهم بانتظار الخطأ الذي يمنحهم الفرصة المناسبة للانقضاض عليه.
لذلك، وما لم يتغير شيء في ردود فعلكم على ما يحدث، فأنتم تبنون قبر الحشد وقبركم بأيديكم. فليس لأحد لا يميز عدوه أن يبقى على قيد الحياة في المعارك. وليس لاحد ان ينتصر في معركة بحجم هذا التحدي وبمثل هؤلاء الأعداء الجبابرة، بدون الوعي والمبادرة اللازمة لها، مهما كانت نواياه سليمة وتضحياته عالية، ومهما بلغت بسالته في الميدان.