الأخبار اليومية القادمة من العراق تؤكد تراجع شعبية رئيس الحكومة العراقية السيد حيدر العبادى ، و في بلد يعانى من النعرات الطائفية و الخلافات المذهبية و بعض التدخلات الإقليمية المشبوهة يعد التأييد الشعبي رافدا مهما لأي مسئول في الدولة العراقية مهما كان موقعه ، و اللافتات و الشعارات التي يرفعها المتظاهرون يوميا تشير بشكل فاضح إلى تآكل شعبية رئيس الحكومة ، انخفاض شعبية السيد العبادى لم تعد حدثا عاديا بل هي نتاج حالة من السخط المتصاعد في الشارع العراقي خاصة بعد أن تبين فشل خط سير الحكومة في معالجة أهم المواضيع و المشاكل الشعبية المطروحة على طاولة الحكومة العراقية ، طبعا ثمة عوامل سياسية خارجية مؤثرة في المشهد العراقي لكن من الواضح أن رئيس الحكومة لا يملك لا الرؤية السياسية المناسبة و لا الفريق الحكومي المؤهل لقيادة التغييرات المستوجبة لنفض التراب على بعض الملفات الساخنة المتعلقة بالفساد و الرشوة و سوء الإدارة و سوء التعاطي مع الجماعات الإرهابية.
لقد جاء انتخاب السيد العبادى عبر المحاصصة الطائفية و هو ملزم أخلاقيا على الأقل على مسايرة نوايا و أهواء تلك الأحزاب المتلاطمة داخل مجلس النواب العراقي الذي تحول إلى سوق للمزايدات السياسية بما انعكس سلبا على المزاج العراقي العام الذي يعيش على وقع التجاذبات السياسية المتواصلة ، من هنا نفهم أن رئيس الحكومة يجد صعوبات متصاعدة للتعامل مع القوى السياسية الفاعلة و يجد صعوبة في القفز على الوضع العراقي المعقد للقيام بالإصلاحات السياسية و الاقتصادية و الأمنية المطلوبة خاصة و أن كل الدول المجاورة لها من يمثل مصالحها داخل قبة البرلمان بحيث يصعب إرضاء الداخل و الخارج في أن واحد و يزيد من عمق الأزمة التي تصيب الطبقات العراقية الفقيرة التي لم يعد بمقدورها تحمل شطحات الحكومة و عجزها على ضبط الأمن و التعامل بحرفية و جدية تامة مع الجماعات الإرهابية .
لقد أثبتت التجربة أن القرارات المهمة التي تخص الواقع العراقي على كل المستويات لن يكتب لها النجاح إلا إذا تم التوافق النزيه بين جميع القوى المكونة للمشهد العراقي المعقد طبقا لفلسفة الحكم القائمة على الإجماع الثلاثي ، و حين نشاهد الفسيفساء المتكون من لفيف الوزراء العراقيين المنتمين لكل الطوائف ندرك أن هذا التمشى الذي فرضته الظروف العراقية الداخلية ليس الحل الأنسب لمعالجة المشاكل الاقتصادية المؤثرة في المجتمع العراقي ، فكل وزير يعنى على ليلاه و كل وزير يحاول خدمة جزء من الشعب على حساب الأغلبية العراقية بما يؤدى إلى شلل الإدارة و إغراقها في البيروقراطية السيئة التي “تنتج” مرض الرشوة و المحسوبية إضافة إلى حالات كثيرة من نهب المال العام باتت حديث العموم ، و لان المصائب لا تأتى فرادى فقد زاد ضغط الجماعات الإرهابية ف تعكير الوضع الامنى السىء في العراق و بات مصير الوحدة الترابية العراقية مشكوك فيه حتى بالنسبة لأكثر المتفائلين .
الخبر السوء المتمثل في عودة السفارة السعودية إلى العراق ستكون له انعكاسات سيئة جدا على الوضع العراقي ، هذا مؤكد لجميع المتابعين للخطوات السعودية الأخيرة في هذا المجال ، فالسعودية مهتمة بالعراق من جهة مواصلة الدعم للجماعات الإرهابية و محاولة فرض مزيد من الانقسام بين الشيعة و السنة خدمة للمشروع الصهيوني المعبر عنه بالفوضى الخلاقة ، و السفارة السعودية هى وكر لعملاء المخابرات السعودية مهمتها الأساسية تقديم الدعم بمختلف أنواعه لقيادات الجماعات الإرهابية التكفيرية الموالية للنظام السعودي ، و السعودية التي تتحدث علنا على تصاعد النفوذ الايرانى في بغداد أصبحت تستشعر الخطر و تبحث بكل الطرق على مواجهة شماعة المد الشيعي و بهذا المعنى فهي تستعين بالمخابرات التركية و الأردنية لمواجهة هذا الخطر المزعوم و لا يهمها أن تكون الساحة العراقية مكانا لهذا الصراع الدموي الذي سيزيد من معاناة الشعب العراقي و يقضى على بقية آماله في استعادة الاستقرار المفقود منذ سقوط العاصمة العراقية سنة 2003 .
لا ينكر المتابعون أن قيادة الشعب العراقي بكل مكوناته المختلفة تحتاج إلى قامة سياسية متمرسة و قادرة على التعامل مع الأحداث الدولية بالحنكة المطلوبة ، في هذا الإطار يظهر أن السيد حيدر العبادى لم يتوصل لحد الآن لخلطة سحرية تعيد للعراق الهدوء المطلوب داخليا و خارجيا ، و إذا كان الرئيس العراقي صدام حسين قد حكم بالقبضة الأمنية العالية طيلة سنوات حكمه فان العراق و بعد حصول الغزو لم يعد من السهل الحكم و التحكم فيه ، و لعل المطلوب اليوم من إيران بالذات هو تجنب الانخراط في لعبة القط و الفأر بينها و بين السعودية لأنه من مصلحتها الإستراتيجية على المدى القصير و الطويل استقرار العراق و استعادته للعافية حتى تتجنب التدخل الأمريكي قرب حدودها و تتجنب تلاعب المخابرات الأجنبية بمصير العراق و جعله قنبلة انشطارية تؤذى كل من يقترب منها ، هذا مهم حتى يستعيد السيد العبادى قيادة السفينة العراقية التائهة.