ثيودر هرتزل .!
علي رهيف الربيعي .
الصحافي الهنغاري ثيودر هرتزل ( ١٨٦٠ – ١٩٠٤ ) ينشر في عام ١٨٩٦ كتاب دولة اليهود ويعلن فيه أن التحرر القانوني والسياسي لليهود في أوربا الغربية لا يعني أكثر من قناع يخفي كل العداء الذي يكنه الأوربيون إزاء الجاليات اليهودية . وأبدى في هذا الكتاب رأيا قاطعا في استحالة دمج اليهود في الدول التي يعيشون ضمنها ، لأنهم وفق تحليله يشكلون جماعة قومية مغايرة لا يمكن أن تجد الاستقرار السياسي والاجتماعي إلا في دولة خاصة .
وبعد نشر الكتاب بعام ، انعقد أول مؤتمر صهيوني في مدينة بازل ، سويسرا ، وخرج المندوبون بقرارات مختلفة أعلنت تأسيس الصهيونية كحركة سياسية ذات أهداف محددة قائمة على السعي الحثيث للعمل من أجل إقامة وطن قومي في فلسطين معترف به دوليا ، وذلك عبر المنظمة الصهيونية العالمية والتعاون الوثيق مع دولة أوربية عظمى . ولقيت هذه الحركة السياسية تجاوبا فوريا بين يهود أوربا الشرقية ، والذين شكلوا عصبها وعمودها الفقري .
ها هو هرتزل يعلن أن إنشاء دولة لليهود في فلسطين سيشكل ” معقلا ” أماميا للحضارة الغربية وسط البربرية الشرقية (١) ، لا بل ان هذا التماهي الذي سعى إلى الإندماج في الحركة الاستعمارية الأوربية والتي كانت تعتبر العالم مسرحا لغزواتها ومشاريعها وخططها وسوقا لبضائعها واستثماراتها ، ذهب إلى أبعد من حركة استعمارية تسعى إلى مجرد الاحتلال . فعلاوة على إيجاد موطئ غربي في الشرق الأدنى وفاصل طبيعي بين جناحي الوطن العربي ، كان مشروع الدولة اليهودية يلغي الآخر إلغاء كليا ويعتبره غير موجود سواء من الناحية البشرية البحته أو النواحي الثقافية والاقتصادية والسياسية .
ولعل هذا الموقف الذي ألغى الوجود الوطني المحلي وأعدم حضوره وذلك قبل المباشرة باحتلال أرضه ، هو الذي خلق حاجزا نفسيا هائلا تطور مع الزمن إلى شك متصاعد عندما أخذ المشروع الصهيوني يتحقق على أرض الواقع بتأييد رسمي وعلني من سلطة الانتداب وعصبة الأمم ودول عديدة ، وهل ثمة في هذا المجال أبلغ من الشعار الذي صاغه إسرائيل زانكول ، أحد قادة الصهاينة : ” أرض بدون شعب ، لشعب بدون أرض ” ؟ .
ففلسطين كما أراد الصهاينة أن يفهم كيانها العالم السياسي والدبلوماسي هي مجرد قطعة من الأرض خالية من السكان ، وتنتظر بالتالي من يعيد استيطانها وتعميرها . وتصبح الحركة الصهيونية مجرد حركة حضارية هدفها إحياء أرض موات وإعادتها إلى الحياة عبر جهود اليهود الذين وجدت الدول الأوربية صعوبة فائقة في حل معضلتهم واندماجهم شبه المستحيل في المجتمعات التي يقطنونها .
وهكذا عندما صدر وعد بلفور لم يذكر الفلسطينيين أو عرب فلسطين بالإسم ، موحيا أن لا هوية وطنية أو سياسية يتمتع بها هؤلاء ، بل هم مجرد جماعات دينية : ” إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ، وسوف تبذل أقصى جهودها لتسهيل تحقيق هذه الغاية ، على أن يفهم جليا أنه لن يسمح بأي إجراء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية في فلسطين ، ولا الحقوق أو المركز السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى ” .
المراجع :
(١) يوسف الشويري : التحدي الصهيوني والديمقراطية العربية قبل عام ١٩٤٨ ، ص ١٦٩ . المستقبل العربي ، العدد ( ٢٦١) ، ٢٠٠٠/١١
(١) تاريخ الصهيونية ، صبري جرجيس .
2020/11/23