يوم الأحد المصرى!
مهدى مصطفى
شاهدوا الزحام فى الميادين والشوارع، تسمروا أمام الشاشات الملونة وهى تعرض صورا سينمائية، سمعوا هتافات بلكنات ولهجات مختلفة، شاهدوا لافتات مموهة، عليها شعارات غامضة، سمعوا عن أسماء غريبة على آذانهم وألسنتهم، كانوا يشاهدون فى صمت، وحذر.
من هؤلاء؟ تساءلوا بريبة.
السمات لا تتشابه معهم، المفردات، اللغة، التعبيرات، سمعوا عن صربيا، وعن حركة “أوتبور!” التى أطاحت بميلوسيفيتش فى ذلك البلد، وعن جين شارب، المنظِّر الأمريكى الذى حول التنظيمات الممولة إلى هندسة سياسية، وعن “فريدم هاوس” التى ترسم خرائط الحرية بقلم واشنطن، عرفوا اسم هيلارى وأوباما وباترسون، سفيرة واشنطن بالقاهرة، وقد كانت تدير المشاهد ببراعة مخرج عالمى.
راقب المصريون كل شىء ببطء، ضربت آذانهم كلمات لم يسمعوا بها من قبل، أدركوا أن شيئا ما يحدث، شعروا بخطر يتسرب بطيئا، لم يتخيلوا أن هناك من يحاول سرقة أيامهم القديمة، والحكايات، والسمر، والنكتة اللاذعة.
كانوا يشاهدون بصمت، ينتظرون كلمة النهاية على تترات هذا الفيلم الغامض.
تنظيمات، جماعات تتحرك، قادة غربيون يمتدحون ما يجرى، قنوات تلفزيونية جعلت الشاشات مقسمة إلى مربعات، مراسلون فرحون بما يجري، ينتقلون من ميدان لميدان، محللون سياسيون وصحافيون ومراسلون يتبارون لبث الصور المختلقة بعناية.
السيناريو يجرى سريعا، تظهر جماعات ودول تدعى الانتصار فى معركة الميادين، وأن البلاد تحررت، كأن البلاد كانت تحت احتلال، استعاروا المفردات الأمريكية، لهجوا بالديمقراطية، والحرية، والمساواة، تجمعوا فى فريق واحد رغم تنافرهم، بدا المشهد كأنه مقطع من فيلم “سبارتاكوس”.
منذ أربعة قرون أو أقل قليلا وقعت اللعبة السرية المكشوفة، بدأت ببريطانيا، حيث الثورة الملونة الأولى تاريخيا، وأطلقوا عليها “المجيدة”، تلك التى نقلت السلطة من الملك إلى البرلمان، دون أن يدرك بعض الناس أن القالب نفسه سيعاد استعماله فى قرون لاحقة، وقد وقعت فى براثنهم جماعة المهاجرين الأوائل إلى الأراضى الجديدة، فيما يعرف بالآباء المؤسسين فى أمريكا.
وهكذا انتقلت إلى فرنسا بدموية، وانطلقت من باريس إلى عصر الإرهاب، وقد تحولت الثورة إلى دمار استمر عشر سنوات، وانتقلت إلى الأراضى الروسية القيصرية، وذهب عصر الدم والإرهاب والقتل إلى مداه.
جاء الدور على بقية الأمم، حتى وصل إلى الحالة المجرية عام 1956، التى سحقتها الدبابات السوفيتية، ثم ربيع براغ عام 1968، حيث انطفأت أنوار تشيكوسلوفاكيا تحت نفس اليرقات، ثم تفكك الاتحاد السوفيتى نفسه تحت وطأة الثورات الملونة التى طار صداها إلى البحر الأبيض المتوسط، حيث تونس الخضراء، وطار إلى وادى النيل، وهنا يتوقف التاريخ قليلا.
لقد احتاجوا قرونا ليلمسوا جوهر الجماعة المصرية عابرة القرون والأزمان، القادرة على صنع خميرة صالحة للبقاء تحت أى ظرف، لا تتكيف مع أى احتلال أو فوضى، قد تصمت، تشاهد، تبدو لا مبالية، لكنها تختزن الصورة كاملة للحظة الحساب.
حين اختمرت الحالة، ظهر خبز الحياة، استرجع المصريون فكرتهم عن أنفسهم، وذهبت الجماعات السرية سدى، رغم تدريباتها فى عواصم أوروبية، ودعم واشنطن «السرية»، وحيلة العبريين الماكرة لإدخال البلاد فى فوضى، ودور المراكز العربية التى نابت عن الجماعات السرية فى التمويل والإعلام.
كان كل شىء مرتبا، كأنهم فى لحظة عرس، وفجأة ظهر هؤلاء المصريون من الأزقة الخلفية، ومن الشوارع المنسية، جاءوا من القرى والكفور والنجوع، على غير موعد، ليستعيدوا هوية دائما بقيت خميرة فريدة، جاءوا واندلقوا فى الميادين والشوارع، ودون حاجة إلى تنظيمات سرية أو جماعات تنظيمية، أو مصطلحات معقدة، اختاروا بذكاء فطرى صورة باراك أوباما للتنشين، ذلك الرئيس الأمريكى الذى رفع راية الفوضى الخلاقة، وقد وجد نفسه غارقا فى محيط من الغضب المصرى الذى لم يخضع لأحلامه المنسية، وقد تحول هذا الغضب إلى عاصفة، والعاصفة قلعت أشجار البساتين التى تعب فى إنباتها كل فلاسفة الثورات فى الغرب والشرق، وكل المرتجفين الذين يعتاشون على ما ترمى به عواصم الاستعمار السابقة.
حين انتهوا من المهمة، عاد المصريون إلى بيوتهم، تاركين خلفهم إرثا محفورا فى الذاكرة، بأن الهوية المصرية ليست ورقة فى ملفات «فريدم هاوس»، ولا تمرينا فى كتيبات جين شارب.
كان محض يوم أحد، صادف شهر يونيو، بؤونة المصرى، «بؤون» الذى يجعل الماء ينشف من الماعون.
2026-06-26