من منا لم يجرب تلك الظاهرة العجيبة، أنه قد يرى شخصا لأول مرة، ويخيّل إليه أنه يعرف ذلك الشخص، وسبق له أن رآه، وتعامل معه عن قرب، فيحاول أن يتذكر أين ومتى، ولكن دون جدوى؟ أو أنه يمر بمكان غريب يزوره لأول مرة، ويتوقف للحظة أمام بيت، أو كنيسة، أو مقبرة، مشدوها إزاء ظن يداهمه بأنه سبق له أن رأى ذلك المكان؟
وكم من مرة يقع حدث ويقف المرء مذهولا إزاء ظن بأنه سبق له أن عاش ذلك الحدث من قبل؟ وهناك من جرب أنه في هكذا حالة عرف على الفور ما سيعقب ذلك الحدث، ووقع ذلك بالفعل. مثلا، توقف أحدهم ذات مرة في مكان يزوره لأول مرة، وقال وهو ساهم”يا إلهي”. ثم أشار إلى منعطف في نهاية الطريق، وقال لمن معه “انظروا. سيظهر عند المنعطف رجل يلبس كذا وكذا، ويحمل سلة فيها الخضرة الفلانية”. وما هي إلا ثوان حتى ظهر عند المنعطف شخص بالمواصفات التي أعطاها، ومعه سلة، وحين مر بالقرب منهم رأوا في سلته الخضرة التي ذكرها صاحبهم.
قال لهم: أحسست للحظة كأني سقطت في حفرة عميقة، وتذكرت شيئا، هو أن الرجل وسلته وخضرته سيظهران في المنعطف.
كثيرون هم من يشغلهم أمر هذه الظواهر، وكثيرة هي أيضا أشكالها، والمسميات التي تطلق عليها، مثلا “التليباثي”، أو توارد الخواطر، و”الديشافو”، وغيرها؛ وكذلك التفسيرات التي قدمت لها.
منهم من يزعم ببساطة أن الإنسان يطابق أحيانا بين ما يراه في لحظة ما وبين شيء مشابه سبق أن رآه، أو رأى مثله، ربما في المنام.
وهناك أديان تؤمن بتناسخ الأرواح، وأن روح الواحد منا تعيش حيوات عديدة، فتولد، وتموت، ثم تولد في جسد آخر، شخصا آخر كل مرة. ويعتقد من يدين بهذا الدين أنه شيء حقيقي أننا نعرف شخصا من حياة سابقة، ونلتقي به في هذه الحياة وهو شخص آخر، كما نحن أشخاص آخرون.
ويؤمن أيضا أن من يتعرف على مكان ما في مدينة يزورها لأول مرة ربما كان في حياته السابقة يعيش في تلك المدينة.
والحديث في هذا يطول، فمنهم من يؤسس تكرر الولادة والموت على فكرة “الكارما” على أساس أن الواحد منا يجمع في كل حياة كمية من الحسنات وكمية من السيئات، ويتحكم التوازن بين الحسنات والسيئات في طبيعة ومستوى الحياة التالية – فقد يرتقي الإنسان أو ينحط عما كان في حياته السابقة.
وقد يعاقب الإنسان في حياته الحاضرة عن ذنوب كبيرة اقترفها في الحياة السابقة.
وهنا فنحن نعرف بعضنا البعض، ونتبادل الأدوار، فالإنسان الذي يَظلم، مثلا، في حياة من حيواته، يتعرض في حياته التالية لنفس المظالم التي عرّض الآخرين إليها حتى يتعلم درسا، وهكذا. وقد يكون ظالمه في هذه الحياة شخصا ظلمه هو في حياة سابقة.
ويتطرف بعض الناس في هذا فيزعمون أن الشخص السيء جدا يتقهقر كثيرا في درجته على سلم رقي الكائنات في حياته اللاحقة، فقد يخلق حيوانا، مثلا كلبا، أو حمارا، أو حتى حشرة. بل ويصل التطرف حدا يتعامل معه المؤمن بهذه العقيدة، مثلا، مع كلب في بيئته على أنه الشخص الفلاني الذي مات قبل كذا سنة، وكان سيئا للغاية.
وهناك من يعتقد أن الكون كله يمر بدورات متكررة كل مئة ألف أو كذا عدد من السنين، وأن ما نمر به أثناء تجربة هذه الظواهر ليس أكثر من ومضات تمر بذاكرتنا من الدورات الكونية السابقة.
وهناك من تطرف أكثر، وزعم أن الإنسان يحمل ذاكرة جينية، بمعنى أن ذاكرتنا لا تخزن فقط معلومات وصورا عما يعيشه الفرد نفسه، بل إنها تخزن أيضا معلومات وصورا عما عاشه آباؤه وأجداده في أرشيف خفي.
وفي هذه الحالة فإن ما يقع للمرء ويظن أنه سبق له أن شهد وقوعه كان قد شهده، أو شهد مثله أبوه أو أحد أجداده. وسبب الشعور بأن الإنسان يعرف المكان الذي يزوره لأول مرة هو أن أحد أجداده كان يعيش في تلك المدينة، والآن تفعّل رؤيته لها الذاكرة الجينية. إن الظاهرة ليست سوى تعبير عن انتقال معلومة من الذاكرة الجينية الموروثة إلى الذاكرة الفعالة.
وهناك، بلا شك، من يرى كل ما سبق مجرد خزعبلات، ويبحث عن تفسير علمي لهذه الظاهرة، أو بعض أشكالها. أحدهم (ليذكره الله بكل خير. نسيت اسمه – ربما لأنه كان قد نسيني في حياة سابقة) قال إن تفسير ظاهرة الشعور بأنك تعرف هذا الشخص، أو رأيت هذا المكان، أو عشت هذا الحدث أو ذاك من قبل بسيط، ألا وهو أن صورة الأشياء الجديدة أو الأشخاص الجدد تمر أحيانا إلى لاوعينا بجزء بسيط من الثانية وتستقر هناك قبل أن يسجلها وعينا، ولحظة يسجل وعينا الصورة يجدها مطابقة لصورة في لا وعيه، فيشعر أن الصورة معروفة عنده، وأنه سبق له أن رأى، أو عرف هذا الشخص، أو المكان، أو الحدث.
وصحيح إذن أنه يعرفه وسبق أن رآه، ولكن ليس من زمن بعيد، بل قبل جزء من الثانية.
ومع أن مسألة تناسخ الأرواح التي هي ربما ترجمة للكلمة الانجليزية (reincarnation)، وكذلك كل التفسيرات الأخرى جديرة بالنقاش إلا إن الاهتمام ينصب بشكل طبيعي على التفسير العلمي، أي على ما ينسب الظاهرة إلى ضياعنا لفترة لا تتعدى جزء يسيرا من الثانية بين تسجيل كل من لا وعينا ووعينا لنفس الصورة، أو الحدث. وهذا لا يعيق البحث عن تفسيرات أخرى محتملة، خاصة فيما يتعلق بالحالات الخطيرة جدا التي ينشأ فيها عندنا شعور بأننا لم نمر بها من قبل وحسب، بل ونتنبأ فوق ذلك وبدقة كبيرة بما يحصل لاحقا.
وغير هذا، وفي نطاق التفسير العلمي أيضا، فنحن البشر عندنا ذاكرة، تاريخية على الأقل – وليس بالضرورة جينية. إن معرفتنا بالتاريخ تعطي بعدا زمنيا كبيرا لذاكرتنا.
وهذه الظاهرة، أي إحساسنا أو اعتقادنا بأننا نعرف هذا الشخص، أو الشيء، أو المكان، أو الحدث قد تكون مرتبطة بما نسمعه، أو نقرأه، أو نعرفه عن أحداث الماضي – تاريخ العالم برمته.
بل وحتى ما يقرؤه الإنسان في القصص والروايات، يتحول إلى معلومات مخزونة في الذاكرة، وقد تختلط تلك بمعلومات من مصادر أخرى، وتتداخل مع ذكريات الإنسان عن تجاربه الفعلية، فتصبح كأنها معلومات عن أشخاص عرفهم فعلا، أو عن أماكن عرفها، أو أحداث عاشها فعلا.
الذاكرة التاريخية تساعدنا في الحقيقة على أن نعيش في عالم السياسة، ليس الأحداث نفسها وكأننا مررنا بها من قبل، بل وحتى تجربة كتلك التي عاشها أحدهم، وقال إنه سيظهر عند المنعطف شخص يلبس كذا وكذا، ويحمل سلة فيها الخضرة الفلانية. نعيش الحدث من جديد، ونعرف ما سيعقبه.
إننا نُسقط، لا غير، أحداثا في ذاكرتنا التاريخية على أحداث في حاضرنا، ونتوقع ما سيحصل وكأننا نعلم الغيب، وما نحن بعالمين بالغيب. إنما نتكلم بوحي من ذاكرتنا التاريخية.
كم مرة نرتعب من ظاهرة، مثلا أزمة اقتصادية عالمية كبرى، لأن ذاكرتنا التاريخية تخبرنا أن مثل تلك الأزمة تلتها ذات مرة حرب عالمية مدمرة؟
وسبحان الله، هل يدهشنا تكرر أحداث التاريخ؟ وهل يدهشنا بروز شخصيات تلعب نفس الأدوار في الأحداث المتكررة؟ في الحقيقة لم يكن لحدث أن يتكرر لو لم تكن هناك نفس الظروف التي تتسبب به، ونفس العقليات والشخصيات التي تحركه؟
الحروب، مثلا، يشعلها المجانين، ويستفيد منها التجار، ويصفق لفظائعها المهرجون، ويكون أكثر ضحاياها الأبرياء. اقرء في التاريخ عن أي حرب من الحروب، وعندما تقع حرب في زمنك تحكم على مشعلها حتما بأنه مجنون، وتحذر من التجار الذين سيغتنون بإدامة سعيرها، وتصم أذنيك عن كل صوت نشاز يتحدث عن الانتصارات فأنت تعرف كم من إنسان بريء يعاني ويدفع من ثمن ليحقق غيره الانتصار دون أن يجني منه هو في آخر المطاف أي شيء غير الرعب، والجوع، والتشرد، وربما الموت.
لا انتصار في أية حرب، غير انتصار من يبقى من الأبرياء على قيد الحياة على الموت الذي طاردهم لشهور وسنوات. أما الرابح أولا وأخيرا فهم التجار!
نعرف ذلك من التاريخ، فالإنسان العراقي، مثلا، والذي عاش وآباؤه الأقربون منذ عام 1921 وحتى عام 2003 في دولة مستقلة، صوريا أو حقيقيا، وهو يعرف تاريخ بلده منذ سقوط الدولة العباسية عام 1258 وما تلاه من فترات مظلمة انتهت به إلى أن يصبح على مدى أربعة قرون ساحة حرب بين قوتين إقليميتين هما الدولة العثمانية والدولة الصفوية، لن يحتاج إلى نظرية تفسر له شعوره بأنه يعرف من سيظهر عما قليل عند المنعطف، وما في السلة التي في يديه!
ألا نعرفه؟ بلى، كلنا نعرفه، ونعرف ما يلبس، ونعرف بالتفصيل الممل ما في السلة.
هل يعرف غير العراقيين لماذا أهل الموصل معروفون بالتقتير، والترشيد في استخدام مواردهم المنزلية؟
ذلك لأن ذاكرتهم التاريخية تخبرهم أن بعد كل فترة قصيرة من السلم هناك حرب، وحصار، وجوع، فيستفيدون من زمن السلم القصير لتخزين المؤونة لأيام الحرب المقبلة. لا ندري إن كانت مؤونتهم تكفيهم هذه المرة حتى تنتهي الأيام الحالكة، ولكن نقول لهم : قلوبنا معكم، إذ تسلطت عليكم السيوف من كل جهة!!
ربما تكون بيننا أرواح جديدة، خلقت لأول مرة، وهي تعيش حياتها الأولى، بلا خبرة من حياة سابقة، أو ذاكرة جينية، أو حتى ذاكرة تاريخية. هؤلاء يتحدثون مثل المنجمين والفوالين وضاربي الودع، ويقولون للناس ما يحسبون أن الناس يحبون سماعه، وحديثهم ليس أكثر من تعبير عن أمنيات (wishful thinking). وقد … وقد.
لكن المحقق هو أن التاريخ يعيد دورته، وما الفرق بين أن يعيش العراقي الحدث نفسه مرتين بنفسه، أو أن يعيش ما عاشه جده قبل قرن أو قرنين؟
ونحن نعيش في الحقيقة حيوات عديدة خلال حياة نعتبرها واحدة. يموت الواحد منا ويولد، ثم يموت ثم يولد، وهو الشخص نفسه وقد ارتقى في سلم الخلق فصار يقدس الإنسان وحريته وكرامته كائنا من كان، أو انحط فصار كائنا طائفيا أدنى إلى الحشرة التي تنشر السموم لتحافظ على حشريتها.
ودورة الكون لم تعد تستغرق مئات الآلاف أو الملايين من السنين، بل نحن نشهد دورات له خلال عمرنا الزمني القصير.
إن الحدث المقبل عبر إلى لاوعينا ليس قبل جزء من الثانية، بل قبل زمن طويل، واستقر فيه، ونحن بانتظار أن يسجله وعينا أيضا لتتطابق الصورتان، ولنتعجب بعد ذلك من أين كنا نعرف.