وزيران ….في (زنزانه )واحده !!!!!
د عزيز الدفاعي
اعرف ان عنوان هذا المقال سيستفز الكثيرين وربما سيفسره البعض تفسيرا أخر ويؤولونه وفقا لهواهم وهو ما لا أخشاه لان ما يعنيني هي الحقيقة التي تحتاج دائما لرجال يمتلكون الشجاعة الكافية للإصغاء الى كامل الحكاية بتجرد وضمير حي قبل ا تخاذ القرارات المصيرية الى تتعلق بمصائر ولقمه العباد وعدم التفريط باي عراقي مخلص وشريف مهما كان انتماءه وعقيدته قادر على ألمساهمه بالقول والفعل والنصيحة على أعاده بناء ما خربته الحروب والإرهاب وسوء الاداره وأسراب المخربين باسم الوطنية والعداء للدكتاتورية وتخوين المكونات العراقية لبعضها البعض بعد السقوط في فخ الاحتلال و التي لم تكن في كثير من فصولها سوى وسيله جديدة لتكريس نوع اخر من الاستبداد والاستئثار غير المشروع بالسلطة والثروة أي صناعه نوع جديد من الدكتاتورية وهي بالنسبه لي والكثيرين تنشا وتستفحل حين يجعل المستبد المجتمع مجزئا الى كتل وجماعات متناحرة متصارعة على النفوذ والمصالح ألضيقه أما حين تكون المصلحة الوطنية والكفاءة هي الأساس وتتآزر الكتل السياسة فيما بينها ويتحقق تكافوء الفرص وتنبذ الحزبية والقرابة والطائفه والقوميه لصالح المواطنه فحين ذاك فقط يسقط الاستبداد وتعلو دوله القانون والمؤسسات .
بعد تسع سنوات من الاعتقال والسجن والذل والمهانة يقر القضاء العراقي ببراءة الدكتور محمد مهدي صالح الراوي وإسقاط أي تهمه ضده ليغادر العراق وتيقى في حنجرة رأوه غصة ودمعه فرح والم في ذات الوقت وقد فقد ابنها الذي طالما فاخرت به إحدى عينيه وتدهورت صحته خاصة انه عاش حياته بكليه واحده وشكل من خلال عمله وزيرا للتجارة نموذجا على وجود ملايين العراقيين الذين عملوا من اجل مصلحه العراق الدوله والحاضر والمستقبل لاالسلطه والنظام وعمل المستحيل لتوفير القوت اليومي لملايين العراقيين في أحلك مرحله تاريخيه عرفها العراق حين وضع باراده غربيه بين رحى مجرشه الجوع والدكتاتورية على مدى 12 عاما من الحصار الفاشي الذي راح ضحيته مليون ونصف المليون عراقي غالبيتهم من الأطفال والنساء والعجزة والفقراء تنفيذا لسياسة( الاحتواء المزدوج) والتمهيد لتطويع الشعب لقبول الاحتلال الأمريكي بعد إذلاله والتي وضعها مستشار الامن القومي الامريكي حينذاك رغم ان الأمر لا يعفي الراوي او غيره و أي احد ممن كان في قمة النظام السابق او متنه او هامشه حتى لو لم يرتكب الجرم المباشر من المسئولية الاخلاقيه امام الله والشعب….
مثلما لايعفي نفس المعيار العادل احد ا ممن يشاركون في المشروع السياسي بعد عام 2003 م ومحاسبتهم عما لحق بالعراق وشعبه من أخطاء وهدر للمال العام وتاخر في مجرد النهوض لأعاده بناء بلد تنهشه الضغائن والبطالة وتأخر الخدمات واستغلال النفوذ….. لكن التاريخ القديم والحديث علمنا ان الأمم تبنى بجهود الجميع وان الايغال في محاكمه الماضي وتبرئه رجال الحاضر لا تجلب سوى مزيدا من الأحقاد والضغائن وان الكوادر الوطنية والمبدعين هم فقط من يرمم عظام الجسد المرضوضه والمكسوره ويداوي الجراح ويوقف النزيف ليقف الشعب والامه ويمضون في طريق المستقبل وان علينا الا نفضل أصحاب الولاء على أصحاب الكفاءة والخبرة
ولنتذكر فقط لإنصاف كوادرنا العلميه والفكريه ان اليهودي الشريف الذي رثاه الجواهري ووصفه( بشيخ البرلمان) وهو ساسون حسقيل اول وزير لماليه العراق تولى منصبه في خمس وزارت في العهد الملكي وعزرا الياهو وزير ألتجاره,, وإبراهيم الكبير وهو يهودي عراقي ايضا واول من وضع النقود العراقيه قد ساهموا في وضع ركائز اقتصاد هذه ألدوله فاين نحن اليوم من الماضي ولا اقول المستقبل؟؟؟
سوف اعيد هنا دون أي حذف او تغيير ما كتبته قبل ثلاث سنوات عندما تفجرت قضيه وزير ألتجاره الأسبق فلاح السوداني الذي اتهم بنهب المال العام واستغلال النفوذ وتمت تبرئته بجلسة واحده وطواه النسيان هو ومليارات الدولارات من بيت المال بينما كان الوزير الأسبق في زمن النظام السابق معتقلا خلف القضبان واتمنى ان استمع الى تعليقات الاخوه والأخوات القراء من ابناء هذا الشعب ليطلع عليها دوله رئيس الوزراء نوري المالكي :
وزيران في زنزانة واحده!!!
تشاء المصادفة الغريبة ان يقف خلف القضبان في دولة البعد الواحد هذا البلد الذي لم يتعرض مثله اي بلد اخر للنهب والسلب شملت ترابه ومائه وأثاره ونفطه ومبدعيه على مر العصور, وزيران مسؤلان عن رغيف الخبز ولقمة عيش الملايين من أبنائه انهما وزيرا التجارة.. الاول من العهد البائد او (المباد) لافرق! والاخر من العهد السائد الديمقراطي والدستوري والانفتاحي جدا .
والمتهمان هما وزير التجارة السابق في عهد النظام السابق الدكتور محمد مهدي صالح الراوي والاخر هو الوزير المستقيل والموجود قيد التحقيق في سجن السماوة الدكتور عبد الفلاح السوداني الذي اطلق صراحة بكفالة مالية ومنع من السفر ريثما يقول القضاء كلمة الفصل .
لقد ترددت في البداية ان اكتب مقالين منفصلين الاول عن الراوي باعتبار ان قضيته تمثل محاكمة للماضي والاخر عن السوداني باعتبارها محاكمة للحاظر ولكنني فضلت اخر المطاف ان أضعهما في ملف واحد على طريقة دور السينما البغدادية في السبعينات التي كانت تعرض فلمين في بطاقة واحدة تحذف منهما عشرات اللقطات وتختزل الفلم غير مبالية بصفير المشاهدين واحتجاجاتهم .
ويجمع الوزيران الكثير من القواسم المشتركة التي قد لايجد المرء منها شيئا للوهلة الاولى بقدر مايفرقهما. ويقبع الرجلين حاليا في الزنزانة رغم اختلاف مكانها واختلاف التهم الموجهة الى كلا الوزيرين ونوع المحكمة التي تنظر في ملف القضيتين ..بينما بقينا نحن ( هيئة المحلفين) الصامتة والمتألمة بالأمس واليوم غارقين في الدهشة والإحباط .
كنا نتمنى ان تتحول هذه القضية الى( ملف الاسبوع) في الفضائيات العراقية لتنقل لملايين العراقيين حوارا مفترضا قد يدور بين الوزيرين بشان ذكرياتهما في وزارة التجارة والبطاقة التموينية والتهم الموجهة لكليهما لنحقق سبقا صحفيا معروفا هو الاول من نوعه للإعلام العراقي بدل ان نكون مجرد مستنسخين او مستهلكين للإخبار والبرامج الجاهزة التي تبدعها عقول الآخرين ولناكد مصداقية التزام رئيس الوزراء المالكي بانه لن يحمي اي مسؤل او موظف مفسد .
الوزيران العراقيان متشابهان في ملامح الوجه وقد غطى الشيب شعريهما.. وكلاهما في عمر واحد هو بداية العقد السادس كما يبدو.. وقد عاشا في المملكة المتحدة لسنوات طويلة حيث درس الراوي التخطيط الحضري والاقليمي للحصول على شهادة الدكتورا.. فيما كان السوداني لاجئا يطوي المسافات هاربا من بطش النظام البعثي بين دمشق وطهران ليحط به النوى في بلد الحريات والديمقراطية, وهو ايضا حاصل على شهادة الدكتوراه التي تضع حاملها تحت اقسي درجات المحاسبة والمسؤولية انطلاقا من قاعدة أخلاقية وقانونية تناسب الحساب مع درجة الوعي والنضج العقلي .
كان السوداني يعد من بين الكوادر المبدعة في حزب الدعوة الإسلامية ولديه دراسات مرموقة في( مجلة العالم) إضافة الى ما كتبه في ادبيات ونشريات هذا الحزب الاسلامي وكان مع عدد غير قليل يمثل مشروعا لتيار يجسد دور المثقف الديني الذي لو كان له حضور في العراق لأعان حزب الدعوة واعان التيار التجديدي في مؤسسة النجف على تغيير الكثير من معطيات العمل الإسلامي ولدفع يهما الى درجة اكثر عمقا في الجدل والحوار والتطور المعرفي والفكري والاجتماعي والسياسي حسب مايراه المفكر عادل رؤوف وهذا ما لم يحصل بسبب غياب هذا التيار المستقل عن المؤسسة المرجعية في العراق.
والذي حصل ان قمم التيار التجديدي في المؤسسة الذين تزعموا الحزب (الاصفي ,الحائري ,العسكري, الكوراني )الذين تخلوا في نهاية المطاف عن هذا الحزب نزلوا الى قعر الصراعات المرجعية على حساب خط الشهيد الصدر الاول في حزب الدعوة والمئات من كوادره التي استشهدت او هربت خارج القطر ليدخل الحزب لاحقا في دوامة الصراعات والانشقاقات وإشكاليات السلطة .
اما الراوي ومثلما عرفت من بعض المصادر المطلعة فانه كان مقربا من حركة الاخوان المسلمين العراقية في بريطانيا دون ان ينضم لصفوفها قبل ان تجرفه لعبة وإغراءات السلطة والمواقع العليا التي تدرج فيها سريعا من وزارة التخطيط الى رئاسة الدائرة الاقتصادية في ديوان الرئاسة سابقا, ليكلفه صدام حسين عام 1987 بوزارة التجارة خلفا لعضو القيادة القطرية المعروف حسن العامري الذي بدا يتخبط في قراراته عندما تردى الوضع الاقتصادي العراقي اثر استنزاف الحرب مع إيران لاكثر من 120 مليار دولار وتراكم 61 مليار دولار اخرى من الديون الخارجية واستنزاف احتياطيات العراق من المواد الأساسية واللجوء الى الاستدانة لكسب الحرب الضروس ضد الجمهورية الإسلامية في ايران .
عندما كان محمد الراوي شخصية محورية ووزيرا بارزا على مسرح الإحداث في بغداد على مدى ستة عشر عاما كان السوداني حتى ذلك الحين مثل غيره من قيادات حزب الدعوة الذين عاشوا محنة المبادئ واستحقاقات الواقع الصعب مجرد شخصية طموحة بقيت تتعذب وتتارجح لكونها مختفية بلا حياة خلف تجليات السلطة حتى جلس على كرسي وزارة التربية وانتقل منه الى نفس كرسي الراوي في وزارة التجارة كثمرة لنظام المحاصة والتوافق اسوة بباقي الوزراء في الجمهورية الخامسة .
في تلك السنوات التي تسلم بها الراوي وزارة التجارة العراقية في بنايتها الشامخة التي تطل على جامع ألخلاني الشهير كان الوزير الشاب يحمل في جسده (كلية واحدة فقط) وطموحات عديدة وقد احدث تغييرا كبيرا في وزارته وهياكلها وكوادرها حتى ان اغلب المدراء العامين فيها كانوا من التكنوقراط ومن بينهم مساعده فاروق ألعبيدي فيما تسلم اعلام الوزارة عضو سابق في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي هو كاظم الصفار . وقد امتدحه أعضاء الكونغرس الامريكي الذين زاروا العراق انذاك واعتبروا تنصيبه بهذا الموقع الحساس مؤشرا إضافيا على انفتاح في السياسة العراقية تجاه الولايات المتحدة الامريكية والغرب كبديل عن التيار ألبعثي المتشدد الموالي لموسكو والذي انحسر بعد نهاية الحرب عام 1988 .
لذلك قرر البيت الاربيض زيادة مبلغ القرض الذي قدم لوزارة التجارة لتمويل مستوردات العراق من المواد الغذائية المختلفة من مصادر أمريكية بمليار دولار إضافية في وقت كانت فيه مؤشرات انتهاء الحرب قد بدات تلوح في الافق الذي حجبت شمسه جثامين اكثر من مليون ضحية من كلا البلدين الجارين وخراب شامل خلفته ستراتيجية (وضع الوحشين في قفص واحد )والتي اعقبتها (سياسة الاحتواء المزدوج).
كان الراوي نموذجا للوزير الذي فك شفرات عقل رئيسه والتقط المساحات الحمراء فيه لذلك سعى الى إثبات كفائتة المهنية وقدرته الاكاديمية بحماس مندفع تناسب مع دعم صدام حسين له ولخططه في تطوير عمل هذه الوزارة ذات المساس بحياة وقوت ملايين العراقيين وولائهم ايضا في سنوات العسرة تلك.
وشكل مع الدكتور احمد مرتضى وزير النقل والمواصلات آنذاك نموذجا احرج الوزراء الآخرين الذين كانوا مجرد أعضاء في (القيادة القطرية) الذين كانت تنقص اغلبهم الخبرة والمعرفة الأكاديمية فتعكزوا على انتهازية اظهار الولاء المطلق (للقائد الضرورة) وهو ماقاد العراق الى انتكاسات متكررة على أصعدة كثيرة.
كان الاختبار الحقيقي للراوي ماحدث من كارثة سياسية وعسكرية واقتصادية منذ لحظة دخول القوات العراقية للكويت بعد انهيار اسعار النفط عالميا التي لم تتجاوز 16 دولارا للبرميل الواحد آنذاك .ومنذ اب –اغسطس 1990 تدارس الراوي مع كبار مساعديه خطة طوارئ تموينية استعدادا لحرب لم يكن رئيس الجمهورية المغامر والنرجسي يتوقع دمارها وتداعياتها على شعبه وعرشه المتهاوي بذلك الشكل .
ولإنصاف الحقيقة ونقلا عن تقارير الأمم المتحدة والسفير الامريكي في بغداد ومراقبين دوليين فان وزارة التجارة قد نجحت خلال سنوات الحصار وتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بالعقوبات على العراق في تنفيذ اكبر برنامج لتوزيع الغذاء وفق البطاقة التموينية في العالم .في وقت أعلى فيه الرئيس العراقي صرح العشرات من القصور الرئاسية التي ضاهت قصور الخلفاء العباسيين في بغداد والتي استنزفت أكثر من أربعة مليارات دولار بينما كان يمنح الأمهات الثكلى (مكرمة )تعادل خمسين دولار للاحتفاظ بجثامين أطفالهن الموتى بسبب الجوع للقيام بمظاهرات إمام كاميرات الإعلام لاستجداء العطف الدولي من خلال تلك التوابيت غير مدرك ان قرار تصفيته ونظامه اجل وفقا لحسابات انظاج التفاحة العراقية وتهيئه الشعب للقبول باحتلال الارض ومن قبله العقل العراقي.
28 مليار دولارا فقط خصصتها الامم المتحدة من عوائد بيع 3,4 برميل من النفط العراقي منذ صدور قرار مجلس الامن الدولي رقم 986 عام 1995 وحتى سقوط النظام في نيسان ابريل 2003 إضافة الى 10 مليارات اخرى تم التعاقد عليها قبل ذلك التأريخ لتوفير الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية لحوالي 16 مليون عراقي في بداية تنفيذ البرنامج ارتفع عددهم الى أكثر من 25 مليون مواطن لاحقا اي ان حوالي ثلثي هذا المبلغ كان مخصصا لوزارة التجارة رغم فضائح التلاعب بهذه الأموال وسرقتها التي تورط بها شخصيات دولية بارزة ورؤساء حكومات وبرلمانيون من كل الجنسيات ومن بينهم نجل الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان والذين نهبوا من اموال شعب لقي اكثر من مليون ونصف مواطن من أبنائه حتفهم لان ماكان يفترض ان يقدم لهم من غذاء ودواء ذهب الى جيوب هؤلاء السراق واللصوص .
بينما خصص لوزارة التجارة العراقية الحالية من اموال في موازنة ثلاثة اعوام خلت وصل فيها سعر برميل النفط الى 140 دولار بحيث عادلت ثلاثة إضعاف ماكان مخصصا ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء الذي استمر اكثر من سبع سنوات ونصف ,والذي سرق منه إعشار ماسرق في ظل ادارة وزير التجارة في العهد الجديد الدكتور عبد الفلاح السوداني الذي تحول منذ اكثر من عامين الى مادة للاعلام والطعون والتشكيك في نزاهة عدد من الوزراء الاخرين في حكومة نوري المالكي(النفط, التربية, الكهرباء ) الذي وجد نفسه في موقف حرج ووسط اكثر من نار تطلق عليه بعد ان تحولت قضية الفساد المالي الى اداة رخيصة لتصفية الحسابات السياسية رغم انها قضية تمثل الوجه الاخر للارهاب ونهب رغيف الخبز الذي تحول الى دم يسيل من أفواه هؤلاء المفسدين والفاسدين .
ولا ادعي هنا ولن أمارس دورا لمدعي العام في قضية السوداني او المدافع عن الدكتور محمد الراوي وزير التجارة الأسبق او عن حقبة تولى فيها الوزارة هي الأكلح والأكثر دموية في تأريخ العراق الحديث لكن الحيادية في قراءة الإحداث وتأريخ الشعوب شرقا وغربا والموضوعية علمتنا ان نتعامل مع الوقائع والأشخاص ضمن البعدين الكلي والجزئي اللذان أسس لهما عالمنا الجليل ابن خلدون, وان من الإنصاف ان نتعاطى مع سيرة قادة الحلقات مادون سلطة القائد في الأنظمة الشمولية بمعيار مجرد لايطغي عليه الحكم المسبق او انزال المقصلة على رؤوس الجميع ووضعهم في قفص اتهام واحد حيث (لاتزروا وازرة وزر اخرى) رغم قناعتنا التامة ان من يرتضي العمل في موقع وزاري كهذا في ظل نظام دموي قمعي قاد شعبه الى الويلات والدمار والتشرد مهما كانت كفائته و نيته ونزاهته عليه ان يتحمل وزر ذلك امام الشعب وامام ضميره والتأريخ قبل قانون الاجتثاث او التصفية والمسائلة لان القانون الصارم والحساب العادل سيكون في لحظة الوقوف بين لدي الله سبحانه وتعالى .
الدكتور محمد الراوي يقف هذه الايام امام (المحكمة الجنائية الرابعة) بتهمة سحب البطاقة التموينية من 40 مواطن كردي هجروا قسرا من كركوك وديالى وقد دافع عن التهم الموجهة ضده في الملف المسمى ( جرائم التطهير العرقي) بأن وزارته لم تصدر مثل هذا الامر وان ماجرى تم بناءا على أوامر من قبل الأجهزة الأمنية الخاصة التي ادرات مثل هذه العمليات اللاانسانية بناءا على اوامر من صدام حسين نفسه وقد نفى هذه التهم بما يمتلكه من ادلة ووثائق رسمية والحكم متروك للقضاء العراقي العادل.
الوزير الاسبق بدى عليه الانهيار النفسي والتعب في قفص الاتهام وهو يجلس الى جانب المجرم علي حسن المجيد , وقد فقد احدى عينيه مستعينا في دفاعه عن نفسه بسورة نبي الله يوسف عليه السلام في القران الكريم عن البقرات السبع العجاف( في اشارة الى سنوات الحصار) التي فسر رؤياها نجل يعقوب الى فرعون مصر لتقوده الى الحرية والعودة الى أحضان ابيه الذي رد الله له بصره بعد ان القي على وجهه قميص ولده المغدور
.لكن محمد الراوي كما يبدو لن يستعيد بصره او سنوات عمره التي قضاها وزيرا في سنوات الدكتاتورية
اننا في ذات الوقت الذي نشعر فيه بالاسى والحزن الذي يحز في نفوسنا لان جزء من أموال هذا الشعب وقوته قد جرى التلاعب فيها واختلاسها في ظل وزارة الدكتور عبد الفلاح السوداني نشعر بالألم لان مناضلا سياسيا باع ماضيه ومستقبله تحت اغراء السلطة وغوايتها . ولانستبق الاحداث او نوجه للرجل اي تهمة (لانه بريء حتى تثبت ادانته) ولكننا مثل الملايين نشعر بالاحباط لان هؤلاء الذين سعوا في سنوات المعارضة والتشرد الى التبشير ببناء (الدولة الاسلامية) واستبدلوها لاحقا بشعار( مظلومية الشيعة) او مظلومية العراق وكادحيه الذين داس البعض باقدامهم عليها بعد الوصول الى السلطة قد خانوا الأمانة التي عرضها الله( على السماوات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها) وتناسى هؤلاء ان حرمة المال العام ربما تكون اكثر من حرمة مال اليتيم .
اننا على قناعة بان الفساد واستغلال السلطة جريمة اخلاقية قبل ان تكون جريمة اقتصادية ,وان استشراء الفساد وتدنيس القيادات والنخب السياسية( 3000 ملف امام هيئة النزاهة ) التي بدات بشكل مدروس ومخطط منذ اول عملية نهب لبغداد ومتاحفها ومصارفها عشية سقوطها على يد قلة من الرعاع والتي انتقلت عدواها لاحقا الى هؤلاء المسؤلين الذين استيقظت في نفوسهم ذئاب السلطة والثروة والمال السحت انما تكشف في وجهها الأخر لا عن خلل واضح في الرؤيا السياسية وإنما في البناء الأخلاقي الفردي وهي وفق مايرى جهاد الخازن فاجعة الفواجع في الحياة السياسية العربية لان معارضة الأمس التي كانت تمثل الامل في التغيير الى الافضل عاده ماتكون هي الأسوأ من النظام السابق على الأقل من ناحية النزاهة المالية وفقا لمواصفات الحالة العراقية الراهنة التي وضعنا فيها لمجرد المقارنة فقط وزيرين وهي لايمكن ان تكون مقياسا طبيعيا للتقييم المنصف والموضوعي في ظل نظامين سياسيين مختلفين في الهوية والتوجه والقيادة والمرحلة التأريخية .
نتمنى ونامل من القاضي الذي سيتولى محاكمة الدكتور عبد الفلاح السوداني ان يذكره وغيره بتلك الجمرة التي احرقت يد عقيل ابن ابي طالب والتي وضعها شقيقه خليفة الامة وامام المتقين علي عندما طلب مالا لشراء ارغفة خبز يسد بها بطون عياله الجائعين ….
اتذكر هنا مقولة جان جاك روسو, الذي قال عنه نابليون انه لولاه لما حدثت الثورة الفرنسية, والذي أشار في احدى خطبه ان الانسان صالح بطبعه لكن المؤسسات هي التي أفسدته ….وبدورنا نتسأل من يفسد من؟ هل المؤسسة الحكومية هي التي تغري المسئول باستغلال السلطة واستباحة المال العام وتوسوس له مسقطين إرادة العقل والضمير والشرف..؟
أم ان المسئول هو الذي يحيل المؤسسة الى حاضنة للفساد وشرعتنه وتحويله الى سلوك اجتماعي لا يلاقي الكثير من الرفض بل العكس ؟
أن قضية الوزيرين محمد الراوي وعبد الفلاح السوداني تقدم لنا نموذجا قد يعين المنصفين من الساسة والإعلاميين والمؤرخين على كشف هذه الحقيقة .
الحقيقة .
( هذا المقال نشر بتاريخ 30 /3 /2012 )

