وداع حلم توثيقي!
إعداد جراند كثيرة للاتلاف من عام 2010 ولمدة تقترب من عشر سنوات..
الدكتور جورج جبور.
حلمت ذات يوم بأن تكون سورية مصدر العلم الأساس بكل ما يخص سورية ولاسيما في المجال السياسي.
أعترف بأنني أشعر بما يشبه العداء —- فلنقل: التحفظ — إزاء ما ينشره عن سورية أي كاتب غير سوري. واعترف أيضا أنني — بالمقابل — عرفت عن سورية أمورا كثيرة حساسة من كتابات خطها غير سوريين.
أعترف أنني قرأت بنهم دراسة أكاديمية نشرتها مجلة أمريكية عن ا لمستويات العلمية للنواب السوريين . أعترف أنني أفدت مما قرأت وأنني أيضا شعرت بالخجل: ها هنا كاتب أمريكي اهتم بما كان علي انا أن اهتم به كطالب في كلية حقوق جامعة دمشق.
والحكاية طويلة. فلاختصر.
كنت أمل في بداية الأحداث في سورية ربيع 2011 أن أشكل فريق عمل متخصص في توثيق ما تشهده دولة حددت لنفسها منذ بدء تكونها اهدافا لا تستطيع إمكاناتها ابلاغها إياها.
وفي متابعة حلم التوثيق أخذت أجمع كل ما يقع بين يدي من وسائل إعلام مكتوبة: جرائد ومجلات ونشرات . ساعدني في الأيام الأسابيع بل الأشهر الأولى طالبا دكتوراه في التاريخ . ثم اختفى واحد منهما بينما غاب الثاني عبر البحر ليعود إلى مراسلتي من دولة أوروبية منحته حق اللجوء.
تابعت التجميع. أضع ما أجمع
كل بضعة أيام في ظرف كبير اكتب عليه التاريخ. تتراكم الجرائد السورية واللبنانية والفرنسية والإنجليزية. كثير منها يرد الي مجانا. عادة ابتدأت حين كنت اعمل في القصر واستمرت تقريبا في سنوات مجلس الوزراء ، ثم إلى ما بعد. كثير منها ابتاعه من الأكشاك. تراكمت الظروف المعبأة بالجرائد . عارضت محاولات الاستغناء عنها. توهمت أنني سأقارن نص خير عن حدث بنص خبر آخر عن الحدث نفسه في جريدة ذات اتجاه مغاير. وجدت إشارات إلى المقارنة. قمت بجزء من العمل.
في بعض الجرايد المكدسة وجدت خلاصات عما قلته عبر هذه الفضائية أو تلك . وجدت تذكيرا ببعض ما علي ذكره في لقاءات لاحقة. كيف هكذا اخلط بين ما هو خال من أثر شخصي يسهل إتلافه وبين ما هو غير خال من أثر شخصي؟ العمل دقيق ومتعب ولا بد من المضي فيه.
أوشك أن انتهي. عادت الي رغبة الكاتب، أي كاتب، في ان يبث همومه إلى قارئه.
يغريك الجوال بكتابة نص أن اعتنيت أتى واضحا لا عيب فيه. تتذكر انك في الكتابة بالقلم كنت كثيرا ما تجد صعوبة في فك الخط، خطك أنت. لم تكن في أي يوم ميالا إلى درس الخط ولا إلى درس الرسم ولا إلى درس الموسيقى . درسك المفضل التاريخ وها انت تضحي بتاريخ سورية كما تنبئك عنه الجرائد. ها أنت تضحي بما تعبت من أجل إنجازه ولم تنجزه.
وتعود إليك أحلامك رشيقة وانت تودعها.
ماذا لو اتصل بك باحث وسال: هل لديك جراند عام 2012؟ أنا أكتب عن مناقشات صياغة نص دستور ذلك العام الذي على أساسه تقوم دولتنا؟
ماذا لو وقعت على رسالة مفتوحة وجهها أدونيس على الصفحة الاولى من جريدة لبنانية . ولمن وجهها؟ إلى رئيس الجمهورية. هل تتلفها أم تضعها جانبا وانت تظن انك انك ستضمها إلى ملف أنشأته قبل مدة عن تبادل صاخب مزعج بين صديقين لك أدونيس وصادق العظم؟ ألم تفكر ذات يوم بأن تكتب انطباعك عن سجال بين مفكرين تنويريين غلبت الظلمة عليه؟
ينقذك الجوال ويغريك بالتحليق في الحلم التوثيقي الذي تودعه.
في مكان ما من العالم جهة ما تفصل في تسجيل ما جرى في سورية وما يجري. ذات يوم ونحن ننشغل في صياغة اتفاق فصل القوات عام 1974 لم نجد النص الرسمي لاتفاقية هدنة عام 1949. وجدناها في كتاب للمؤرخ محمد عزة دروزة. أتذكر الجار المحب الدؤوب المؤرخ المنشغل عام 1973 بتقديم نصح لم يطلب منه. وتفصيله جميل بل رائع. اعرف ان بيت المؤرخ وبيت السيد الوالد ليسا بعيدين الواحد عن الآخر. كلاهما في حي الروضة بينهما مائة متر. اعرف ولم أكن أعرف أنه هو أيضا يعرف. عرفتني بمعرفته حرب تشرين. دفعه إخلاصه دفعه عشقه أن يطرق بابي شيخ في ربما ثمانيناته. يقدم لي نفسه. معه مذكرة إلى رئيس الجمهورية هي عن الحرب الدائرة ومعها الوثائق الداعمة. هو نفسه مؤلف الكتب الذي تغذي في فلسطينيتي بل انسانيتي. اتلقفها بفرح طالب غمره أستاذه بفضله. محمد عزة دروزة والتوثيق. يصف الهدنة الأولى مع أسرائيل بما يشبه الوصف الذي أتى به المصري الذي فاتني الآن إسمه في تاريخه لفتح مصر بجيش نابوليون: لقد تغير نظام الكون!
ما لك ولكل هذا.
الظروف الممتلئة صحفا تغطي 10 سنوات من تاريخ سورية جاهزة للاتلاف أو تكاد. تلجأ إلى الجوال لتكتب النعية. هذه هي. من يود أن يشهد الماتم؟ أو من يود أن يكون ذلك الذي انهض عازر من رقاده الابدي؟
جورج جبور
ظهر الخميس 3 حزيران 2021.