وداعاً يا تشافيز:
ديلسي رودريغيز تتمم مراسم دفن البوليفارية
بعد خيانة مادورو وتسليمه للغرينغوز، تدشن ديلسي رودريغيز حقبة تبعية باردة للسيد الأبيض، محولةً فنزويلا من معقل للثورة التشافيزية إلى مستعمرة نفطية أخرى تابعة لواشنطن، لتتم وبسرعة ملفتة مراسم دفن الحلم البوليفاري
سعيد محمد*
شكلت الساعات الأولى من صباح الثالث من يناير 2026 نقطة تحول جذرية في تاريخ فنزويلا المعاصر. فمع تنفيذ القوات الأمريكية الخاصة لما سمي بعملية “العزم المطلق” وانتزاع نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من قلب السلطة في عملية منسقة بدقة جراحية، انهار البناء الأيديولوجي المسمى “البوليفارية التشافيزية” الذي هيمن على البلاد لربع قرن. لقد أثبت التحليق الأمريكي الحرّ في سماء كاراكاس، وسط غياب تام لفاعلية منظومات الدفاع الجوي الروسية والصينية، هشاشة كل شعارات “السيادة المطلقة” التي رددها البوليفاريون دائماً.
ومع تولي ديلسي رودريغيز الرئاسة المؤقتة وإدارتها للمشهد وسط تداعيات اختطاف الرئيس، تبلورت سريعاً وقائع الانقلاب الناعم: فبينما يستمر الحزب الاشتراكي الموحد (PSUV) في الحكم، انتهى النهج “التشافيزي” كعقيدة سياسية حية. ويمثل النظام الجديد في كاراكاس قطيعة مع الماضي، ونموذجاً براغماتياً “نيو-كولونيالياً” (استعمارياً جديداً)، قبلت فيه النخبة اليسارية الحاكمة لعب دور الشريك الأمني والاقتصادي للولايات المتحدة ثمناً للبقاء، متخلية بذلك عن كل الثوابت الجوهرية لإرث القائد الراحل هوغو تشافيز.
اعتمدت البوليفارية التشافيزية في جوهرها على ركيزة التناقض الوجودي مع النفوذ الأمريكي. وقد شكل هذا العداء، الذي وصل ذروته بوصف تشافيز للرئيس الأمريكي بـ “الشيطان” من أعلى منبر الأمم المتحدة، الرابط الأساسي بين الجيش والشعب، والمبرر النظري لتحالفات مع قوى مثل روسيا والصين وإيران.
جاء يوم الخميس، 16 يناير 2026، أي بعد أقل من أسبوعين على اختطاف مادورو، ليتم دفن هذا المبدأ رسمياً. فقد استقبلت رودريغيز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، جون راتكليف، بقلب كاراكاس، في اجتماع علني – هذه المرة – استمر لساعتين. وصف المسؤولون الأمريكيون اللقاء بـ “التاريخي”، حيث نوقشت فيه ملفات “التعاون الاقتصادي” وضمان أمن المصالح الأمريكية، بتوجيه مباشر من الرئيس ترامب.
لقد نسف جلوس وريثة النضال التشافيزي مع رئيس الجهاز الاستخباراتي الأمريكي كل السردية الثورية من جذورها. وتشير التقارير الدبلوماسية إلى أن رودريغيز، المعروفة بدهائها وبراغماتيتها، أدركت منذ بعض الوقت، وخلال مفاوضات مع الأمريكيين باسم النظام جرت سابقاً في الدوحة، انتهاء صلاحية اللعبة الأيديولوجية، واختارت لتنجو وطبقتها تحويل فنزويلا من مركز للمقاومة في نصف الكرة الغربي إلى شريك وظيفي لواشنطن. وكان الرئيس ترامب سريعاً في الإشارة إلى خضوع القيادة الجديدة بقوله: “لقد قالت لنا سنفعل كل ما تحتاجونه… لم يكن لديها خيار آخر”. هذا الإذعان العلني يمثل نقضاً تاماً للكبرياء القومي الذي ميز حقبة ثورية استمرت لربع قرن.
مثلت “السيادة النفطية” القلب النابض للتشافيزية، حيث أمّم القائد التاريخي المؤسس مشاريع النفط عام 2007 وفرض سيطرة الدولة عبر شركة النفط الوطنية (PDVSA) بحصة أغلبية في كافة المشاريع، تطبيقاً لشعار “النفط للشعب”.
رودريغيز في خطابها الأول عن حال الأمة بعد انقلابها على مادورو أقدمت على تفكيك هذه السياسة الراسخة تحت لافتة “الإصلاحات”؛ إذ قررت وضع فنزويلا في أيدي شركات النفط الأمريكية الكبرى المتعددة الجنسيات (بشكل رئيسي) من خلال عملية بيع للنفط تُعد – من الناحية التقنية – سرقة وقرصنة وابتزازاً مقنّعاً، حيث ستحتفظ الولايات المتحدة بأكثر من ثلث عوائد عمليات بيع النفط الفنزويلي. وقد قُدّرت قيمة المبيعات الأولية للنفط الفنزويلي التي نهبتها واشنطن، بحوالي 500 مليون دولار، يزعم أن حوالي 330 مليون دولار منها ستعاد إلى فنزويلا لإنفاقها في “تحسينات” تشمل الصحة والبنية التحتية.
إن فكرة “التضامن الاجتماعي” والصناديق السيادية الجديدة التي تروج لها رودريغيز كإصلاحات في القطاع النفطي ليست سوى خداع لتبييض حقيقة ما يجري على الأرض: عملية نهب أمريكية ممنهجة لفنزويلا، وبرنامج صريح للهيمنة الإمبريالية. وتتجلى الوصاية في مسار الأموال؛ إذ ستودع عائدات النفط المخصصة لفنزويلا في حساب للبنك المركزي الفنزويلي لدى “بنك قطر الوطني” شريك بنك جي بي مورغان تشيس – يلحظ دور أساسي للنظام القطري كوسيط للأمريكي في ترتيب انقلاب رودريغيز لكن ذلك حديث آخر -. هذه الآلية تتطلب موافقة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) قبل أن يتم نقل الأموال إلى البنوك الفنزويلية.
ولنتذكر أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (التابع لوزارة الخزانة الأمريكية) هو الجهة التي تفرض العقوبات الاقتصادية، وهو من سيتحكم الآن بشكل كامل في العائدات المتأتية من النفط الفنزويلي. لن تتمكن البنوك الأمريكية من تمرير المعاملات التي تشمل البنك المركزي الفنزويلي إلا إذا قامت وزارة الخارجية الأمريكية بالتصديق المسبق على ممثليه. وهذه الشهادة لن تصدر إلا إذا اعترفت الولايات المتحدة بالحكومة التي يخدمها هؤلاء المسؤولون (أي، عملياً، أولئك الموالون للولايات المتحدة). وهذا يعني أن واشنطن تعترف بالفعل، وبشكل علني وبحكم الأمر الواقع، بشرعية حكومة رودريغيز كسلطة وظيفية تابعة.
يمارس المسؤولون التنفيذيون في صناعة النفط الأمريكي ومحامو شركات النفط الدولية ضغوطاً لتعديل قانون المحروقات الفنزويلي، بهدف الحصول على حق تصدير النفط الذي ينتجونه في فنزويلا بحرية. وسيتضمن الإصلاح المالي حصة أقل للحكومة الفنزويلية في قيمة النفط المنتج، وهو أمر شرعت ديلسي رودريغيز فيه دون تلكؤ. إن استعمار فنزويلا بات حقيقة واقعة وبأكثر الطرق فجاجة: عبر النفط الخام الفنزويلي وعبر وكالة المخابرات المركزية أيضاً.
توازياً مع تغيير المسار الاقتصادي والسياسي، شرعت رودريغيز في إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي للدولة ليتلائم مع الحقبة الأمريكية الجديدة. تشهد أروقة قصر ميرافلوريس حملة صامتة ومكثفة لتطهير الإدارة من تركة نيكولاس مادورو. يتم استبدال الكوادر الحزبية التقليدية والموالين العقائديين “المادوريين” في الحكومة ومؤسسات السلطة بشخصيات تكنوقراط شابة، تجيد لغة المال والأعمال، ومقبولة لدى الدوائر الغربية.
تهدف هذه التعيينات إلى تفكيك شبكات المحسوبية القديمة التي بناها مادورو، ليس رغبة في الإصلاح الديمقراطي، بل لمركزة القرار في يد الدائرة الضيقة المحيطة بالأخوين رودريغيز (ديلسي وشقيقها جورجي)، ولتقديم وجه “كفؤ” و”مهني” لواشنطن والمستثمرين الدوليين. لقد بات معيار البقاء في الحكومة الجديدة هو “الكفاءة الإدارية” والقدرة على تنفيذ الإملاءات الأمريكية، وليس الولاء الثوري الذي كان العملة السائدة لسنوات.
أما على مستوى الشارع، فقد قوبل هذا الانقلاب الجذري في هوية الدولة بصمت مطبق من الطبقات الشعبية التي كانت يوماً وقود الثورة البوليفارية. صمت ليس نابعاً بالضرورة من الرضا، بقدر ما هو نتاج سنوات طويلة من الحصار الاقتصادي الخانق والفقر المدقع الذي أنهك الروح المعنوية للفنزويليين.
لقد نجحت استراتيجية الأمريكي الطويلة المدى من خلال “الضغط الأقصى” ثم “الاحتواء” في تحويل أحلام المواطن الفنزويلي من الطموحات الثورية الكبرى إلى مجرد الرغبة في البقاء. وفي الواقع يرى سكان الأحياء الفقيرة (الباريوس) في التدخل الأمريكي والوصاية الجديدة أملاً – ولو يائساً – في عودة الاستقرار الاقتصادي، وتوفر الغذاء، واستقرار العملة، حتى لو كان الثمن هو السيادة الوطنية. لقد تآكلت القدرة على المقاومة تحت وطأة الجوع وانقطاع الكهرباء، وأصبح الحلم بحياة طبيعية، تشبه حياة الدول المستقرة، أقوى من نداءات الكرامة الوطنية التي لم تعد تسمن ولا تغني من جوع. تدرك رودريغيز هذه الحقيقة، وتستثمر في هذا “الإنهاك الاجتماعي” لتمرير صفقاتها دون خوف من انتفاضة شعبية وشيكة.
لفهم (سرعة) هذا الاستسلام الفنزويلي، وبغير فساد النخب المحتّم، يجب النظر إلى جدية التهديدات الأمريكية، وجهود واشنطن المكثفة والهجينة طوال ربع قرن ضد الثورة البوليفارية. وتكشف الحقائق التاريخية أن الرئيس ترامب كان يدرس خيار غزو فنزويلا عسكرياً منذ عام 2017، وهي معلومة أكدها الرئيس الكولومبي السابق خوان مانويل سانتوس، مشيراً إلى أن ترامب طرح فكرة الغزو بجدية في ذلك الوقت كحل سريع للأزمة.
تغير المشهد في عام 2026 مع تفعيل الإدارة الأمريكية لما يُعرف بـ “ملحق ترامب” لمبدأ مونرو، والذي يرسخ الهيمنة الأمريكية المطلقة على نصف الكرة الغربي. أثبتت عملية “العزم المطلق” استعداد واشنطن لتجاوز منهجية العقوبات الاقتصادية والعمل الاستخباراتي السري إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة لتغيير الأنظمة. وأمام عجز الحلفاء الروسي والصيني عن حماية استقلال فنزويلا، فضلت النخبة اليسارية الحاكمة بقيادة رودريغيز البقاء، الجسدي والسياسي، عبر التخلي عن الأيديولوجيا.
تفضل السياسة الأمريكية الحالية بشأن فنزويلا الاستقرار على الديمقراطية المزعومة، حيث تجاوزت واشنطن رموز المعارضة اليمينية التقليدية، وفضلت التعامل مع قيادة مسيطرة قادرة على ضبط الأمن وضخ النفط، تجنباً لفوضى كانت لتؤدي إلى حرب أهلية طويلة. ويحقق هذا النهج كل أهداف واشنطن دون خسارة جندي واحد: يفرّغ التشافيزية من مضمونها الشعبي، ويحول بلاد بوليفار بحكم الأمر الواقع إلى منطقة نفوذ أمريكية مباشرة.
تواجه رودريغيز، رغم قبولها أمريكياً كشخصية تكنوقراطية، تحديات وجودية من داخل بنية النظام الذي قام تاريخياً على تحالف معقد بين الحزب والجيش والمجموعات المسلحة. لقد سارع وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز إلى إظهار قبول ظاهري بالوضع الجديد، إلا أن غياب المقاومة أثناء اختطاف مادورو يطرح تساؤلات حول مدى تماسك المؤسسة العسكرية. ويشكل سعي رودريغيز لمركزة عائدات النفط في صناديق مستقلة، والوصاية الأمريكية المباشرة عليها، تهديداً لمصالح الجنرالات الذين استفادوا طويلاً من عوائد شركة النفط الوطنية، مما قد يخلق بيئة خصبة للتوتر بين العسكر والمدنيين.
ويمثل وزير الداخلية ديوسدادو كابييو، المسيطر على الاستخبارات والشرطة والميليشيات الشعبيّة المسلحة (الكوليكتيفوس) رأس التيار المتشدد الرافض للتعاون مع واشنطن. ويُقرأ انتشار هذه الميليشيات بأسلحة ثقيلة في شوارع كاراكاس بعد اختطاف مادورو كرسالة تحذير مزدوجة للمعارضة ولرودريغيز نفسها من مغبة تجاوز الخطوط الحمراء الداخلية. لكن كابييو مدرج على القوائم الأمريكية للمطلوبين بتهم تتعلق بتجارة المخدرات، ولا شك أن خروجه عن الموسيقى الجديدة في كاراكاس ستعني منح رودريغيز المخابرات الأمريكية ضوءاً أخضر لاستئصاله قتيلاً أو أسيراً، تماماً كما فعلت مع إيليكس صعب – المتواري عن الأنظار خوفاً على حياته -.
على الصعيد الخارجي، يعيش حلفاء كاراكاس التقليديون (روسيا، الصين، إيران، كوبا) حالة من القلق الاستراتيجي. وتواجه الصين، التي اعتمدت على النفط الفنزويلي لسداد الديون، نظاماً جديداً يأتمر بأوامر واشنطن. كما أن احتمال قطع إمدادات النفط عن كوبا استجابة للمطالب الأمريكية قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي في هافانا، مما يعني تأثير “دومينو” يهدد كافة الأنظمة اليسارية في المنطقة، بينما تكرست سمعة موسكو كحليف لا يمكن الاعتماد عليه بعد تكرر حلقات التخلي في أرمينيا، وسوريا، وفنزويلا.
يعد نعت رودريغيز بأنها “حانوتي التشافيزية” توصيفاً دقيقاً للمرحلة الراهنة. لقد كانت الثورة البوليفارية التي قادها تشافيز مشروعاً لبناء قطب عالمي مستقل، ونظام اقتصادي اشتراكي، وهوية ثورية. وتحت قيادة الرئيسة بالإنابة، وسيطرة إدارة ترامب، تفككت هذه العناصر الثلاثة خلال أيام قليلة؛ حيث حل التنسيق الأمني مع المخابرات الأمريكية محل شعارات الاستقلال، واستبدلت الاشتراكية بخصخصة النفط ونهبه المقنن، وتحول الخطاب الثوري إلى أداة لتمديد حكم النخبة.
فنزويلا رودريغيز كيان سياسي هجين؛ تحتفظ بأعلام الثورة البوليفارية للاستهلاك المحلي، بينما تعمل كترس فاعل في آلة الطاقة والمصالح الأمريكية. ورغم أن هذا الترتيب قد يوفر استقراراً مؤقتاً للنخبة اليسارية الحاكمة، إلا أنه استقرار قائم على أنقاض أيديولوجيا التحرر، وتحت وصاية خارجية مباشرة، وقد ينتهي سريعاً في حال سحبت الولايات المتحدة يدها عنها لمصلحة تسليم البلاد -عبر انتخابات شكلية – إلى اليمين مباشرة.
لقد طويت صفحة التشافيزية فعلياً لحظة هبوط القوات الأمريكية في كاراكاس يوم الثالث من يناير، وما يجري الآن هو إدارة ديلسي رودريغيز لمراسم دفن الثورة البوليفارية وانتقال فنزويلا المسرّع إلى حقبة واقعية التبعية الباردة.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-01-22