هل يمتلك الناخب العراقي وعيًا يكفي للتغيير وبناء الدولة المدنية الوطنية؟
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
يُعدّ سلوك الناخب في المجتمعات الديمقراطية مرآةً لوعيه السياسي، ومدى إدراكه لمعنى الدولة وأجهزتها وأولوياتها. وفي الحالة العراقية، التي تكتنفها تعقيدات التاريخ والجغرافيا والاجتماع السياسي، يبرز سؤال جوهري: هل الناخب العراقي اليوم مؤهل لأن يُحدث التغيير عبر ورقة الاقتراع؟ وهل يفهم ما تعنيه دولة مدنية وطنية حقيقية؟
لا يمكن التعامل مع الناخب العراقي ككتلة واحدة متجانسة؛ إذ ثمة فئات من الشباب والطبقة المتعلمة ونشطاء المجتمع المدني باتوا يدركون – عن قناعة وتجربة – أن لا خلاص للعراق إلا بدولة مدنية، تقوم على المواطنة لا المذهب، وعلى القانون لا العُرف، وعلى المؤسسات لا الأشخاص. لكن هذا الوعي ما يزال محاصَرًا بأدوات النظام السياسي القائم، وبآلة الإعلام الحزبي والطائفي التي تروّج لخطابات التخويف والانقسام والتكفير السياسي.
من ناحية أخرى، فإن نسبة كبيرة من الناخبين مرتهنون لما يُعرف بـ”الزبائنية السياسية”، حيث يُمنح الصوت الانتخابي مقابل وظيفة مؤقتة، أو منحة مالية، أو وعود بحماية عشائرية أو طائفية. هذه العلاقة المشوّهة بين المواطن والدولة تُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها، وتُعيد إنتاج السلطة ذاتها تحت مسميات مختلفة.
إن أحد أخطر مخرجات الحروب والأنظمة الشمولية والطائفية هو تغييب مفاهيم الدولة المدنية من الوعي العام. لقد جرى الخلط – عن قصد أو جهل – بين الدولة المدنية والدولة “اللادينية”، وسُوّق للمدنية وكأنها مشروع يستهدف “الهوية” الدينية أو القومية، لا مشروعًا لضمان الحقوق والحريات والعدالة.
كما أن المناهج التعليمية، والسياسات الإعلامية، والمنابر الدينية، فشلت أو امتنعت عن ترسيخ مفهوم “المواطنة” بوصفها العلاقة الطبيعية بين الفرد والدولة. فما يزال كثير من الناخبين يُعرّفون أنفسهم أولًا وفقًا للهويات الفرعية: شيعي، سني، كردي، تركماني، مسيحي، صابئي… في حين تتراجع “الهوية العراقية الجامعة” إلى المرتبة الأخيرة.
الحراك الشعبي، وخصوصًا انتفاضة تشرين المجيدة، قدّم لنا شواهد على نضج سياسي عميق عند فئات شبابية واسعة. رفعوا شعار “نريد وطنًا”، وهو شعار بسيط في صياغته، عميق في مضمونه، لأنه يستبطن رفض الطائفية، والفساد، والوصاية الخارجية، والدولة العميقة. لكن هذا الوعي ظل محاصرًا بسبب نظام انتخابي مفصّل لتكريس القوى التقليدية، وغياب تنظيم سياسي مدني قوي قادر على بلورة هذه الطاقات في مشروع انتخابي ناجز.
وهنا تبرز ضرورة قصوى في المرحلة القادمة: اختيار وجوه انتخابية ذات سمعة وطنية نزيهة، ممن لم يتلوثوا بالفساد أو الطائفية أو الانتهازية. إن التغيير الحقيقي لا يتم بمجرد رفض الأحزاب الفاسدة، بل من خلال الدفع ببدائل تمتلك المصداقية، والرؤية، والانتماء للعراق أولًا. لقد أفرزت المرحلة الماضية طبقة سياسية متشبثة بالقيادة، تعيد إنتاج فشلها كل دورة، دون أي محاسبة أو تجديد. وإن استمرار هذه الطبقة ما هو إلا انعكاس لعجز الناخب عن كسر الدائرة، أو لغياب البديل القادر على كسب ثقته.
إن ورقة الاقتراع، رغم كل التشكيك والخذلان، ما تزال – إذا ما استُعملت بوعي – أداة فعل جماعي قد تُعيد توجيه المسار نحو الدولة التي نحلم بها: دولة مدنية، قوية، عادلة، تحترم المواطن وتخدمه، لا تحتقره أو تساومه.
وبذلك، فإن الناخب العراقي، رغم كل المعوقات، لا يزال يحمل في يده مفتاح التغيير، شريطة أن يتحرر من الخوف، ومن إرث الطائفية، ومن قيود المصالح الضيقة، ويمنح صوته لمشروع وطني واضح لا لرايات مهترئة وشعارات جوفاء
2025-06-02
