هل يكفي التسويق الكلامي التركي للعب دور اقليمي؟
د. هاني الروسان
في ظل تواصل التصعيد التركي الرسمي والإعلامي ضد اسرائيل ان بسبب حرب الابادة الجماعية والقتل جوعا في قطاع غزة او حول احتمالية اندلاع حرب معها لمواجهة مخططاتها الاقليمية، تبرز تساؤلات عديدة عن حقيقة الأهداف الخفية لأنقرة من وراء هذا التصعيد؟. خاصة واننا من جهة، نجد تقارير استخباراتية تركية تحذر من تفوق إسرائيل العسكري وتدعو لبناء ملاجئ تحت الأرض، ومن جهة أخرى، تستمر العلاقات الاقتصادية بين البلدين دون انقطاع. هذا التناقض الواضح بين الخطاب العدائي والواقع العملي يكشف عن استراتيجية تركية معقدة تهدف إلى تحقيق مكاسب متعددة على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.
فالتقرير الصادر عن الأكاديمية الوطنية للاستخبارات التركية، التابعة لجهاز الاستخبارات “MIT”، والمعنون بـ«دروس حرب الـ12 يومًا»، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد دراسة تقنية أو خلاصة مهنية محايدة، بل هو أداة سياسية مركبة تخدم أغراضًا داخلية وخارجية في آن واحد. ونشر مثل هذا التقرير في هذا التوقيت يعكس حرص أنقرة على استثمار لحظة التنافس الإقليمي على زعامة الخطاب الإسلامي المناهض لإسرائيل، في ظل ما تعتبره تراجعًا لقدرة إيران، برمزيتها كحامل للواء ـ«الإسلام الشيعي المقاوم»، على فرض نفسها كقائد وحيد لهذا المعسكر بعد حرب غزة المستمرة والمواجهة القصيرة مع إسرائيل في جوان الماضي.
فعلى المستوى الداخلي، يوفر التقرير غطاءً خطابيا ومؤسسيا لإجراءات أمنية وسياسية تتخذها السلطات التركية، بدءًا من إعادة ترتيب القيادة العسكرية، مرورًا بحملات «الوحدة الوطنية» ومشروعات مكافحة الإرهاب، وصولًا إلى تعزيز الرقابة على المجتمع تحت مبررات «الأمن القومي». اما إبراز الحاجة لبناء ملاجئ في المدن الكبرى، وحماية النخب العسكرية والمدنية، وتطوير القدرات السيبرانية، كلها عناصر تُسوَّق للرأي العام بوصفها استجابة لتهديدات خارجية، لكنها في الوقت نفسه تبرر إحكام السيطرة على الداخل وضبط المجال السياسي والاجتماعي.
اما خارجيًا، فيؤدي التقرير وظيفة الإشارة والردع في آن واحد. فالإفصاح عن تقييم استخباراتي مفصل لدروس حرب إسرائيل–إيران يرسل رسائل واضحة إلى اللاعبين الإقليميين مفادها أن تركيا تراقب وتستعد لكل الاحتمالات، كما يذكّر الحلفاء في الناتو وواشنطن بأنها طرف معني بالأمن الإقليمي وقادر على استخلاص العبر بسرعة. كذلك فان التركيز على الحرب الإلكترونية، والتنويه إلى تفوق وحدة 8200 الإسرائيلية المكوّنة أساسًا من شباب في سن الثانوية، يضع تركيا أمام تحدٍّ معلن في مجال لم تلحق فيه بعد بركب إسرائيل، ويمنح القيادة التركية ذريعة لتسريع برامج التطوير السيبراني الوطني وربما فتح قنوات تعاون تكنولوجي غير معلنة مع أطراف خارجية.
ولكن تبقى وظيفة التقرير الأهم كامنة في بعده الدعائي، إذ يعزز صورة أنقرة كقائد محتمل لـ«الإسلام السني» خاصة في الملف الفلسطين الاكثر جاذبية اقليمية مقارنة بغيره من الملفات، من خلال الجمع بين خطاب ديني–إنساني في المحافل الدولية، وتحليل أمني–تقني يظهر الدولة بمظهر الطرف المستعد والمدرك لتعقيدات الصراع. وهذا النمط من التقارير او نشرها يعد عملية تسويق سياسية تتجاوز الحدود التركية إلى الفضاء العربي–الإسلامي، وخصوصًا لدى الجمهور السني الذي يتطلع إلى بديل إقليمي عن إيران، غير ان ذلك لا يعني ولا يكشف عن استعداد أنقرة للدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل. فالواقع الميداني يشير إلى أن تركيا تمارس استراتيجية «التصعيد الرمزي»، أي رفع السقف الكلامي والدبلوماسي مع الحفاظ على قنوات عملية ومصالح اقتصادية قائمة أو قابلة للإحياء. فالتجارة التي أعلنت أنقرة عن وقفها مع إسرائيل في بداية حرب غزة لم تتوقف بالكامل، وبقيت بعض خطوط الاتصال قائمة، كما لم يُفرض أي حظر على دخول الإسرائيليين بجوازات سفرهم الرسمية إلى الأراضي التركية. هذه المعطيات تؤكد أن الصدام مع إسرائيل، في حال حدوثه، سيبقى سياسيًا وإعلاميًا بالدرجة الأولى، وأن أنقرة تدرك حدود قدرتها ورغبتها في خوض حرب حقيقية، خاصة في ظل انشغالها بملفات اقتصادية داخلية وأولويات دفاعية أخرى.
من هذه الزاوية، لا يمثل التقرير إعلانًا عن انتقال وشيك من موقع «الإسلام السني التركي المتصالح مع إسرائيل» إلى موقع المواجهة المباشرة، بل هو استمرار في تسويق الدور التركي كقائد بديل أو موازٍ لإيران، مع الاستفادة من الرمزية الفلسطينية وملف غزة لتعزيز الحضور الإقليمي لها. فالتقرير نص يزاوج بين التحليل الفني والاستعراض السياسي، ويمنح أنقرة أدوات لرفع مكانتها التفاوضية دون أن تتجاوز الخطوط الحمراء التي قد تدفعها إلى مواجهة مكلفة مع إسرائيل، أو تُربك توازنها المعقد بين الحلف الغربي والمجال الإسلامي. في النهاية، ما يقدمه التقرير هو خارطة طريق للردع والاستعداد أكثر مما هو إعلان نوايا للحرب، وأداة تسويق لدور إقليمي يُبقي تركيا في مركز المشهد دون أن تغامر بمصالحها الجوهرية، غير ان ذلك لا يعفي من ضرورة التساؤل حول ما اذا كان هذا التسويق الكلامي كاف لتأكيد الحضور التركي الاقليمي؟
2025-08-09