هل يستوجب إصرار الأحزاب القابضة على السلطة في العراق تدخلًا عسكريًا خارجيًا؟
بقلم: وليد الحيالي
منذ سقوط النظام السابق في 2003، والعراق يعيش تحت قبضة منظومة سياسية مشوهة، تتغذى على المحاصصة، وتُدار وفق منطق الولاء قبل الكفاءة، والغنيمة قبل الدولة. سيطرت أحزاب ما بعد الاحتلال على مقدرات البلاد تحت شعارات الديمقراطية، لكنها سرعان ما حولتها إلى واجهة لسلطة مغلقة، قائمة على الزبائنية والفساد وتكميم الأفواه. ومع تصاعد خيبة الأمل الشعبية، وتآكل الأمل بالتغيير السلمي، يتساءل البعض، ولو همسًا، عن جدوى انتظار إصلاح داخلي، ويتجه تفكيره نحو الحلول القصوى، ومنها التدخل العسكري الخارجي.
إن طرح هذا الخيار، رغم فجاجته وخطورته، ليس وليد خيال منفصل عن الواقع، بل هو تعبير عن يأس دفين، يعيشه العراقي البسيط الذي ينهشه الفقر وتخذله الدولة. لكن السؤال الأهم ليس: هل هذا التدخل ممكن؟ بل: هل هو مشروع؟ وهل سيؤدي فعلًا إلى إنقاذ الشعب؟
التدخل العسكري: تجربة مريرة لا تُحتمل تكرارها
لقد خَبِرَ العراقيون التدخل العسكري الأجنبي بجميع وجوهه، وكان أكثرها كارثية الغزو الأميركي عام 2003. فقد جاء ذلك التدخل تحت راية “تحرير الشعب”، لكنه فَكَّكَ الدولة، ودمر مؤسساتها، وفتح الأبواب أمام الفوضى، والطائفية، والإرهاب، والفساد. خرج الأميركيون بعد سنوات دامية، وتركوا العراق في حالة يرثى لها، منهكًا، فاقدًا لبوصلته الوطنية، تتجاذبه الولاءات الإقليمية.
فأي منطق سيبرر تكرار هذه التجربة؟ وأي ضمان أن يكون التدخل القادم مختلفًا؟ إن القوى الخارجية، أيا كانت، لا تتحرك بدوافع أخلاقية أو إنسانية، بل بمصالحها الجيوسياسية. وما يُصدَّر على شكل “إنقاذ” هو غالبًا إعادة تشكيل للمشهد بما يخدم خارطة مصالح جديدة.
هل هناك بديل؟
نعم، هناك بدائل، لكنها شاقة وتتطلب صبرًا ووعيًا جماعيًا طويل النفس. في مقدمتها:
• تصعيد الضغط الشعبي السلمي، كما فعلت انتفاضة تشرين المجيدة، التي كشفت زيف الطبقة السياسية، وأعادت بناء الوعي الشعبي على أساس مدني ووطني.
• التدويل السياسي السلمي عبر استثمار أدوات القانون الدولي، وتوثيق الانتهاكات، ومطالبة المجتمع الدولي بعقوبات موجهة ضد الفاسدين ومجرمي السلطة.
• إعادة بناء العقد الاجتماعي، من خلال حراك وطني حقيقي، يتجاوز الطوائف والمكونات، ويؤسس لدولة مواطنة.
المعركة الحقيقية: استعادة الإرادة
المعركة ليست بين شعب وأحزاب فحسب، بل بين وعي يريد التحرر، ومنظومة تريد إبقاءه أسيرًا. التدخل الخارجي ليس خلاصًا، بل استبدال لهيمنة بهيمنة. أما خلاص العراق، فسيأتي من أبنائه، حين يتحول الغضب إلى مشروع، واليأس إلى تصميم، والاحتجاج إلى بديل سياسي ناضج.
لقد خسرنا الكثير بتجربة الاحتلال. فلنخسر اليأس هذه المرة، ولنربح الوطن.
2025-05-21
