من البديهي أنّ المستعمرين الإسرائيليين لن يتخلّوا للفلسطينيّين عن الضفة الغربية، ولن يقبلوا «بدولة فلسطينية وعاصمتها القدس» كما تقول الدعاية التي يسوِّقها أصحاب المبادرات العربية.
يعرف حكام العرب ذلك، بمن فيهم زعماء السلطتين الفلسطينيتين في رام الله وغزة، الذين يعرفون أيضاً أنّ اتفاقية أوسلو هي في جوهرها خدعة، ولكنهم يكذبون. لا شكّ في أنّ القضية الفلسطينية مصدر ارتزاق.
فلقد وافق ممثّلو الفلسطينيّين منذ سنة 1947، على أن تنشأ في فلسطين دولة تضمّ جميع سكانها على اختلاف دياناتهم، بالضدّ من المستعمرين.
لم يقبل الأخيرون، عملياً، بقرار تقسيم فلسطين إلى دولتين. ولا جدال في أنهم أسقطوا في حزيران 1967، خطوط وقف إطلاق النار كما رُسمت في العام 1948.
كان لدى المستعمرين الإسرائيليّين على الدوام، ولا تزال، القوة العسكرية والحنكة والحيلة، التي تجعلهم يمسكون بزمام المبادرة، فيشعلون الحرب متى يشاؤون ويعلنون وقف إطلاق النار بما يُلائم متتالية مراحل مشروع «الدولة اليهودية» الاستعماري الإقصائي!
ليس من حاجةٍ إلى براهين للتدليل على أنّ المستعمرين الإسرائيلين يعتبرون شبه جزيرة سيناء جزءاً من مجالهم الحيوي.
من المحتمل أن تتضمّن خطتهم أيضاً، في مرحلة لاحقة، المطالبة بحصة في مياه النيل.
ومهما يكن فأغلب الظنّ أنهم موجودون في الراهن في أثيوبيا (يُقال أنّ مَشيَخات نفطية خليجية موجودة معهم أيضاً) حيث يُبنى سدُّ النهضة وسدودٌ أخرى على مجرى النيل. ربما يكون القصد هو تعطيش «هبة النيل» أو ابتزازها.
لا أعتقد في السياق نفسه، أننا نأتي بجديد إذا قلنا أنّ للمستعمرين الإسرائيليين مطامع تصل إلى ضفاف الفرات ومنطقة الجزيرة في سوريا، حيث تموضع تنظيم «داعش»، وقد تتعدّى هذه الحدود إلى «أور» في العراق، التي انطلق منها بحسب الأسطورة، منذ خمسة آلاف سنة، إبراهيم!
هذه توطئة، تمهيداً لمقاربة وضع «الفلسطيني» في هذا المدى بين النيل والفرات. كيف يكون الفلسطيني، غريباً، أجنبياً، في مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق، نتيجة لاستيلاء المستعمرين الإسرائيليين على بلاده فلسطين وإبعاده عنها، بحجة أنّ الأسطورة تقول أنّ «أرض الميعاد» هي «أرض الشعب المختار»، وأنّ هذا الأخير أَوْكَلَ إلى المستعمرين الإسرائيليين أمر استرجاع هذه الأرض، بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وآل سعود ! أي بمساعدة الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية والرجعية العربية.
هذا مُعطى معروف وموثّق؛ فمن لا يؤمن أو يريد أن «يطمئن قلبه»، عليه العودة إلى المراجع التاريخية وهي كثيرة!
«يمكننا التأكيد بأنّ المطامح الإسرائيلية تصل إلى الفرات.. وأنه إذا ما حقّق المخطط الإسرائيلي تقدماً، كما هو مرسوم على يد أشخاص يعرفون ما يبتغون، وإلى أين يسيرون، فستصبح الحياة لا تُطاق بالنسبة لجيران دولة إسرائيل المباشرين أو القريبين» (ميشال شيحا) «فلسطين» 11 أيار 1948.
ما أود قوله بصراحة هو أنّ المنطق السليم لا يُجيز للبناني، على سبيل المثال، أن ينظر إلى الفلسطيني بما هو غريب أو أجنبي أو أنه عبء، بشكلٍ أو بآخر. لأنّ ما ينتظر هذا اللبناني هو مصير مماثل لمصير الفلسطيني.
أي ليس مستبعداً أن يحتل الإسرائيليون لبنان، أو جزءاً من ترابه الوطني.
من المحتمل أيضاً أن يُجبر سكان لبنانيّون على الرحيل عن منازلهم وبلداتهم. أقول وأجزم أنّ هذه الأمور حدثت، وأن وقوعها ممكن مرة ثانية.
لا أظن أني بحاجة إلى التذكير بأنّ سيناء احتُلَّت مرّتين، وأنّ ما يجري هناك منذ «الثورة» تغشيه ضبابية كثيفة.
كما لا يخفى أنّ المستعمرين الإسرائيليين كانوا طرفاً فاعلاً في الحرب الأميركية التي دمّرت العراق، وفرّقت العراقيين أقواماً وشِيَعاً يتنابذون !
أما في الموضوع السوري، فلا مبالغة في القول أنّ المستعمرين الإسرائيليين يراقبون جبهات القتال، ويتدخّلون في الأوقات الحرجة إلى جانب «الثوار» بواسطة طائراتهم الحربية ومدافعهم.
تأسيساً عليه، طبيعي أن يكون الفلسطيني في لبنان لبنانياً، وفي مصر مصرياً، وفي العراق عراقياً، وفي سورية سورياً. إنّ لبَّ المشكلة في الواقع هو أنّ هذا التحوّل لا معنى له ولا مسوغ له إلا في إطار التضامن والاتحاد في النضال ضدّ الاستعمار الإسرائيلي، وضدّ دعامتيه الأساسيّتين، وهما الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية، والرجعية العربية.
هذه الأخيرة ممثّلة في هذا الوقت بالدول النفطية الخليجية وعلى رأسها آل سعود!
مُجمل القول إنّ حقوق اللاجئ الفلسطيني في لبنان، لبنان هنا مثال ينطبق على البلدان التي يستهدفها مشروع « الدولة اليهودية «، مشروطة باستعداد وقناعة اللبنانيّين والفلسطينيّين معاً، بضرورة كفاح المستعمرين من أجل الدفاع عن لبنان، ومن أجل أن يتحرر سكان فلسطين، جميع سكان فلسطين، دون تمييز على أساس الديانة والعرق من الفكر الاستعماري، ومن سياسة التمييز العنصري. نعم للإسرائيلي المواطن لا للإسرائيلي المستعمِر.
إنّ النضال ضدّ الاستعمار الإسرائيلي لا يقتصر على التصدي لمقاومته على خطوط الجبهات بين فلسطين المحتلة والدول المجاورة، وإنّما يشمل الضفة الغربية أيضاً، والأراضي الفلسطينية التي كان قد استولى عليها المستعمرون الإسرائيليون قبل سنة 1948.
هذا يطرح مسألة العلاقة التي يجب أن تـُبني بين الفلسطينيّين من جهة، وبين الإسرائيليين من جهة ثانية، كأساس لازم وضروري لتشكيل حركة شعبية فلسطينية ـ إسرائيلية قادرة على هدم جدران الفصل العنصري الإسمنتية والعرقية والدينية، وعلى إعلان المساواة بين الأشخاص وفرض العدالة.
ليس جميع الفلسطينيّين مناضلين ضدّ الاستعمار والعنصرية وبريئين من الداعشية، وليس جميع الإسرائيليين مستعمرين وعنصريين ومن أتباع مذهب الفاشية. اللهم إني بلغت!