هل هي بوادر مشجعة في الإنقاذ الاقتصادي؟.. كيف تصبح الجباية صديقا للمواطن؟
بقلم أعلية العلاني*
1) بوادر مشجعة في الإنقاذ الاقتصادي
إن إعلان رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد إثر لقائه يوم 24/03/2021 بوزير المالية الأسبق نزار يعيش عن قراره تقديم مشروع للصلح الجزائي يُعتبر خطوة هامة للشروع وبسرعة في إنقاذ الاقتصاد الوطني لأن هذا الصلح يخدم ثلاثة مُنتفعين: رجال الأعمال وميزانية الدولة ومصلحة المواطن. ونشير هنا أن بلادنا تزخر بكفاءات متميزة في المجال الاقتصادي والمالي مثل السادة حسين الديماسي وعزالدين سعيدان وحكيم بن حمودة ووليد بن صالح ومعز الجودي وغيرهم كثير، وهم قادرون على وَضْع حلول عاجلة وآجلة للأزمة الاقتصادية الحالية التي تمر بها تونس. ومثلما تمّ إعلان رئاسة الجمهورية عن إحداث لجنة عليا للتربية والتعليم نتمنى كذلك إنشاء لجنة عليا قارة للاقتصاد والمالية. والمفروض أن تَصُبّ كل هذه الجهود في تطوير عمل الحكومة، وتحييد عمل هذه اللجان عن التجاذبات السياسية.
وفي انتظار عرض تفاصيل مشروع الصلح الجزائي الذي أعلن عنه رئيس الدولة نشير إلى أن الإصلاحات الاقتصادية تكون أكثر نجاعة إذا ما تزامنت كذلك مع إصلاح جبائي عادل كان قد تَحَدَّثَ عنه الوزير الأسبق نزار يعيش في هذه المقابلة. ونحاول في هذا المقال التقدّم ببعض المقترحات العامة في هذا المجال، ونتحدّث عن فلسفة جديدة في التعاطي مع الضرائب، يجبُ إرساؤها بعيدا عن التشفي أو الانتقام أو الابتزاز، فلسفة تؤدي إلى مصالحة المواطن مع الجباية. ولكي تنجح هذه المصالحة لا بد أن تكون هناك إصلاحات عميقة.
2) إصلاح شامل وعفو جبائي عام
نؤكد في البداية على أهمية إصدار عفو جبائي عام يجب أن يسبقه اتفاق على إصلاح شامل لنظام الضرائب بمشاركة الحكومة واتحاد الشغل واتحاد الأعراف وخبراء مختصين من المجتمع المدني. وينطلق هذا الإصلاح أولا، من توسيع قاعدة الأداء، وثانيا تعميم المُعرّف الجبائي على أقصى ما يُمكن من الشرائح الاجتماعية، وثالثا، تخفيف نسبة الضرائب بصفة عامة ولو تدريجيا لتحفيز الجميع على المشاركة في التصريح بمداخيلهم، ورابعا، العمل على النزول بنسبة الضرائب التي يدفعها موظفو القطاع العام لأنهم يتحملون العبء الأكبر من مجموع الضرائب المدفوعة، في حين أنهم لا يسيطرون على النسبة الأكبر من الثروة، وذلك من أجل تحقيق العدالة الجبائية. وخامسا، التخفيف من نسبة الأداء على القيمة المضافة، ومن نسبة الأداء على توريد تجهيزات تُعْتَبرُ أكثر من مُشطّة مثل السيارات والشاحنات التي تُجبر الموردين سواء كانوا أفرادا أو مجموعات، على انتهاج أساليب ملتوية معلومة لدى الجميع للإفلات من دفع الضريبة الجمركية، وضرورة مزيد تخفيض الأداء على العديد من المواد الأولية التي تحتاج إليها الصناعة والفلاحة التونسية. فإذا تمّ إقرار هذه الإصلاحات من الحكومة والبرلمان يمكن أن نتحدث حينها عن عفو جبائي عام. وتكمن أهمية العفو الجبائي العام في أنه يسمح بتسوية آلاف الملفات بما يسمح للدولة باسترجاع نسبة لا بأس بها من الأموال. ونشير هنا إلى أن صدور قانون العفو الجبائي العام يجب أن يتزامن مع صدور قانون جديد يتمّ التشديد فيه إلى أقصى حدّ على العقوبات المالية والجزائية لكل مُتهرّب ضريبي في المستقبل، كما هو الشأن في البلدان الأوروبية. ولضمان نجاح هذه الإصلاحات لا بد من التفكير في إنشاء شرطة الضرائب أو الشرطة المالية على غرار ما يوجد في إيطاليا وبلدان أخرى، تكون لها صلاحيات كبرى في التدخل لدى الهياكل المختصة لجمع المعلومات المتعلقة بالملفات الضريبية، ولها شُرْطتها الخاصة التي تستعملها في الإيقاف والملاحقة، والأهم من كل ذلك لها استقلاليتها الكاملة والفعلية. ونشير كذلك إلى أن نجاح هذه الإصلاحات يستوجب وجود ثقافة جبائية لدى المواطن، تهيئ الأرضية للإصلاحات المذكورة.
3) لماذا نحتاج لثقافة جبائية؟
يُعتبر نشْرُ الثقافة الجبائية حجر الزاوية في كل إصلاح ضريبي، ويتمّ ذلك بالتزامن مع أمْريْن: أولا، حملة إعلامية تعتمد التبسيط والإلمام بكل الإجراءات المتعلقة بهذا القطاع، وثانيا، اعتمادُ إدارة الضرائب على عملية التدرّج في تطبيق الإصلاحات الجديدة وذلك عبْر توعية المطلوبين للجباية بأنها ستحدد لهم وزارة المالية مدة إمهال تدوم سنتين تخصصها للتنبيه وللتحذير من الخروقات التي يمكن أن تحدث بشكل غير متعمّد فيما يتعلق بالتصريح بمداخيلهم المالية وتنبيههم إلى المطبّات التي يمكن أن يقعوا فيها نتيجة الأخطاء المتكررة في تصريحاتهم الجبائية وتخصص لذلك مكاتب تعمل فقط لتوعية المواطن بكيفية التعامل مع التشريعات الجبائية الجديدة وتمكينه من معرفة كاملة لحقوقه وواجباته عند التصريح بمداخيله المالية. وبعد انقضاء مهلة السنتين لا يتم أيّ تساهل في تطبيق القانون ولا يتم التسامح مع أي إخلال.
وتكمن أهمية الثقافة الجبائية في خلق مناخ ملائم للتصالح مع الجباية وعدم اعتبارها عقابا أو انتقاما، لأن دافعي الضرائب في الدول المتقدمة بعد أن يقوموا بواجبهم الضريبي، يحاسبون حكوماتهم على ما تُنْفقه من مردود الضرائب. وبعد دخول تطبيق الإصلاحات الضريبية بشكل كامل (بعد مرحلة الإمهال) تُصبح الشرطة المالية التي تَهتمّ بالضرائب هي المؤهلة بمتابعة الإخلالات الجبائية، ولها من النفوذ الواسع ما يسمح لها بإنجاز عملها دون تَدَخُّل أيّ سلطة في ذلك. ولا بد من توفير كل الجوانب اللوجستية والإجراءات القانونية والميزانية المالية الضرورية للشرطة المالية للقيام بمهامها في أحسن الظروف. وبذلك نكون قد دخلنا طورا جديدا في مكافحة التهرب الضريبي وتكريس مصالحة حقيقية بين المواطن والجباية.
أكاديمي ومحلل سياسي
2021-03-27