هل فشلت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة!
عميرة أيسر*
منذ بدأت الاجتياح الاسرائيلي لقطاع غزة، وذلك بعد أن عجزت على القضاء على قيادات الجيش الفلسطيني في القطاع المحاصر، باستعمال أساليب القصف الجوي المركز ودكه بالآلاف القذائف براً وبحراً، والاستعانة بأحدث أنواع القنابل التكتيكية الأمريكية الخارقة للتحصينات كقنابل جيدام، حيث أن التقديرات تشير إلى أن الجيش الاسرائيلي أسقط ما يزيد عن 13 ألف قذيفة أدت لتدمير حوالي نضف البنايات السكنية في غزة، وراح ضحيتها أزيد من 11 ألف شهيد، فيما الرقم الحقيقي لعدد الضحايا هو أكبر من ذلك بكثير، لأن هناك الآلاف من الشهداء لا يزالون تحت ركام الأنقاض، ولم تستطع قوات الدفاع المدني هناك من الوصول إليهم نظراً لضعف الامكانيات واستمرار القصف الهجمي، والوحشي على القطاع المحاصر، والجيش الصهيوني عاجز عن تحقيق أهدافه من هذه الحرب ، التي أعلن عنها وزير الدفاع يولاف غالنت، والمتمثلة أساساً في القضاء على حركة حماس وتحرير جميع الأسرى الصهاينة، وإعادة احتلال القطاع من طرف الجيش الاسرائيلي، ومن ثم تشكيل لجنة أممية برعاية المجتمع الدولي لإدارة غزة، قبل تسليم ادارتها لسلطة محمود عباس، كما جرى الاتفاق على ذلك بينه وبين وزير الخارجية الأمريكي انطوني بلينكن، في زيارته التي قادته للأراضي الفلسطينية المحتلة، طبعاً بعد القضاء على المقاومة الفلسطينية الباسلة في غزة، وخلق بؤر استيطانية على غرار الضفة الغربية، ومناطق أمنية تكون إدارتها من قبل قوات الاحتلال الصهيوني بالكامل بالتنسيق مع قوات السلطة الفلسطينية في رام الله، التي أصبحت ترى بأن المقاومة جريمة يعاقب عليها القانون، واقترح بلينكن على محمود عباس أكثر حل منطقي في القطاع حسب رؤية الصهيوني جوزيف بايدن، وهو أن تتولى سلطة فلسطينية فعالة ونشيطة” الإدارة في نهاية المطاف”، لكنه اعترف بأن الدول الأخرى والوكالات الدولية من المرجح أن تلعب دوراً في الأمن والتحكم في هذه الأثناء”. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 15 نوفمبر / تشرين الثاني 2023م، في مقال بعنوان ( سياسي يبلغ بلينكن استعداد السلطة للعب دور في إدارة غزة مستقبلاً).
فالكيان الصهيوني الذي يريد اجتثاث كل فصائل الجيش الفلسطيني في قطاع غزة، يضغط عسكرياً على السكان هناك من أجل اجبارهم على الانتقال للعيش في الجزء الجنوبي، ومن ثم القيام بعملية عسكرية كبرى تجبرهم على اختراق السياج الحدودي نحو سيناء المصرية هروباً من جحيم المعارك الضارية التي تخوضها ضدّهم قوات الجيش الفلسطيني في مختلف مناطق القطاع، الذي يريد الجيش الصهيوني غزل جزئه الشمالي ومحاصرة وادي غزة لاحتلال مدينة غزة بالكامل، للسيطرة على المقرات الحكومية الموجودة في شارع صلاح الدين الأيوبي، بالإضافة لبقية المراكز الاستراتيجية ومقرات الفصائل الفلسطينية العاملة في القطاع، بالرغم من الخسائر العسكرية الكبرى التي لحقت بقواته ، والتي تجاوزت آلاف القتلى والجرحى على عكس ما تصرح به وسائل الإعلام الصهيونية الخاضعة للرقابة العسكرية، بالإضافة لعدد الآليات والمدرعات والدبابات التي قامت قوات الجيش الفلسطيني في غزة باعطابها أو تدميرها بشكل كامل، وازياد الضغوط الدولية التي باتت تطالب نتنياهو بالانسحاب الفوري من قطاع غزة، والسماح بإدخال الوقود والمستلزمات الطبية لمختلف مستشفيات القطاع التي تم قصف العديد منها وسقط المئات من المرضى والنازحين من شمال القطاع الذين تحصنوا بها كمستشفى المعمداني والشفاء والمستشفى التركي والإندونيسي وغيرها من مستشفيات القطاع التي أصبح معظمها غير قادر على الصمود، وذلك نتيجة انعدام الوقود، والكهرباء والأدوية اللازمة لعلاج المرضى والمصابين، والتي يدعي الإعلام الصهيوني بأنها تحتوي على مقرات حركة حماس وبقية فصائل الجيش الفلسطيني في غزة، يعتقد الصهاينة كذلك بأن هذه المستشفيات هي المكان الذي تبقي فيه الأسرى الإسرائيليين الذين هم في نظر نتنياهو عبارة عن ورقة ضغط سياسية يستعملها من أجل الضغط على الإدارة الأمريكية، لأن كثيراً من هؤلاء يحملون الجنسية الأمريكية، ونصح الخبراء نتنياهو بعدم الرضوخ للمطالب الأمريكية بعقد صفقة تبادل جزئي للأسرى مع حركة حماس تتضمن إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين الذين يحملون الجنسية الأمريكية في مقابل إدخال شحنات من الوقود والسماح بهدنة انسانية طويلة الأمد تستمر لأيام من أجل دفن الشهداء رحمهم الله وعلاج المصابين، وإدخال المساعدات العالقة من معبر رفح، والسماح لأعداد أكبر من سكان شمال القطاع ووسطه، بالانتقال للجنوب بالقرب من الحدود المصرية، تمهيداً لفرض صفقة القرن بالقوة، حيث قال: عوفير شلح الباحث الكبير في معهد أبحاث الأمن القومي، انه من غير المنطقي أن تقبل الحكومة الإسرائيلية بصفقة تبادل للأسرى بالتجزئة، مشدداً على ضرورة أن يرفض المسؤولون الإسرائيليون الضغوط تمارس عليهم للقبول بصفقة كهذه. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 14نوفمبر/ تشرين الثاني 2023م، في مقال بعنوان ( الاعلام الاسرائيلي، سقوط مجمع الشفاء لا يعني سقوط حماس).
فالجيش الاسرائيلي يبدو بأنه يواجه العديد من التحديات في قطاع غزة، فهو عاجز عن تدمير البنية اللوجستية للمقاومة، أو تنفيذ عمليات عسكرية مهمة تؤدي لإضعاف فصائل الجيش الفلسطيني في غزة، والتي تتبع أساليب حرب العصابات، وتعمل وفق خطط عسكرية واستراتيجية معدة مسبقاً، قد تدربت عليها لسنوات، على خوض حرب استنزاف طويلة مع الكيان الصهيوني، كما فعل الجيش المصري في حرب الاستنزاف (1967.1970م)، والتي أدت لإضعاف وانهاك القوات الإسرائيلية قبل خوض حرب أكتوبر 1973م، وتحرير سيناء، وذلك تزامناً مع الحرب التي يخوضها حزب الله وقوات الفجر، والقوات اللبنانية لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، وغيرها من فصائل محور المقاومة، بالإضافة للضربات الصاروخية التي تنهال على المدن والمغتصبات الصهيونية من العراق واليمن وجنوب سوريا، فالجيش الاسرائيلي الذي قسم قواته الجوية بين شمال وجنوب فلسطين المحتلة، وجد نفسه بين فكي كماشة، ولا يمتلك خططاً جاهزة للتعامل مع كل هذه التحديات، فجنود الجيش الفلسطيني في غزة أصبحوا بمثابة أشباح يخرجون من تحت الأنفاق لقتل وخطف الجنود الصهاينة وتدمير مدرعاتهم العسكرية، فسلاح المدرعات الصهيوني قام بإلغاء صفقة دبابات ميركافا من الجيل الثالث، كانت متجهة نحو قبرص، وذلك في إطار صفقة أمريكية إسرائيلية تقضي بسحب الدبابات الأمريكية الموجودة في قبرص، وتوجيهها نحو الجبهة الأوكرانية، في مقابل تزويد إسرائيل لجيش قبرص بدبابات ميركافا إسرائيلية قديمة نوعاً ما، وهذا يعكس حجم الأزمة التي يعيشها الجيش الاسرائيلي، الذي يبدو أنه سيطلب من أمريكا تزويده بدبابات من نوع أبرامز، وعربات مدرعة من نوع برادلي وهانفي، وعدم الاكتفاء بتزويده بصواريخ موجهة بالليزر ودقيقة، أو قبابل جيدام الذكية.
فالاستراتيجية العسكرية الصهيونية في قطاع غزة، قد فشلت نتيجة الخسائر الكبيرة التي يتكبدها الجيش الاسرائيلي، وهو الذي لم يخض حرباً كبرى مفتوحة منذ سنة 2006م، عندما هزمت القوات الإسرائيلية هزيمة نكراء على يد قوات حزب الله في جنوب لبنان، وهذا الفشل يبدو بأنه لن يغير من قناعات نتنياهو الذي يعيش أزمة داخلية حقيقية بعد تصاعد موجة الاحتجاجات ضدّه مطالبة اياه بالاستقالة، والخلاف الحاد بينه وبين غالانت حول الحرب في قطاع غزة، لن تدفعه لإيقاف هذه الحرب التي يريد الانتصار فيها مهما بلغ حجم الضحايا من الجنود والضباط الصهاينة، لأن الهزيمة في غزة تعني توقيع شهادة وفاته السّياسية، ودخوله للسجن هو وكبار جنرالاته.
*كاتب جزائري
2023-11-12
