هل سيدخل الجيش التركي قطاع غزة؟
عميرة أيسر*
يعيش الكيان الصهيوني حالة من التشرذم والانقسام جراء فشله بعد حوالي 3 أشهر من حربه المعلنة على قطاع غزة، في تحقيق أهدافه المعلن عنها أو حتى القضاء على البنية التحتية لجيش فلسطين في غزة، وهذا باعتراف كبار المحللين العسكريين في الإعلام الإسرائيلي، وربما أكبر دليل على ذلك هو الرشقات الصاروخية التي أمطرتها فصائل المقاومة على تل أبيب في رسالة واضحة ومباشرة بأن قدرات فصائل الجيش الفلسطيني في غزة لم تتأثر بالقصف الإسرائيلي المتواصل، وبأن المجاهدين في غزة قادرون على ضرب أهم المدن في الكيان الصهيوني المحتل، وفي التوقيت الذي تختاره قوى المقاومة الفلسطينية، في تكذيب صريح لكل الادعاءات التي ساقها المسؤولون الصهاينة، ومنهم رئيس الوزراء بن يامين نتنياهو بأن جيشه قد استطاع تحييد قوة الفصائل الصاروخية في غزة، لأن هذه الفصائل ليست عبارة عن حركات ومجموعات إرهابية لكي يتم القضاء عليها بشكل نهائي، بل يمكن للصهاينة تحييد قدراتهم العسكرية واضعافهم، ولكن من المستعبد أن تستطيع إسرائيل تدميرها بشكل كامل كما يؤكد على ذلك المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي حيث قال: في مؤتمر صحفي ” ان القضاء على حماس كفكر أمر مستبعد، وأنها ليست مجموعة من الارهابيين ليتم القضاء عليها عسكرياً”. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 14 جانفي/يناير 2024م، في مقال بعنوان ( محللون، واشنطن غيرت موقفها من حماس ولكنها لن توقف دعم إسرائيل).
فإسرائيل قد دمرت معظم المباني في غزة، وعاثت فيها فساداً وقتلت عشرات الآلاف، وهجرت أكثر من مليون فلسطيني نحو مدينة رفح الفلسطينية المكتظة أصلاً بالسكان، تريد احتلال محور فيلاديلفيا والتي تعتقد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وخاصة جهاز الاستخبارات العسكرية “أمان”، بأن أهم أنفاق حركة حماس موجودة هناك، حيث يختبئ كبار قادتها السّياسيين والعسكريين، وبأنها تستخدم هذه الأنفاق في تهريب الأسلحة من صحراء سيناء المصرية، فالحركة الفلسطينية المقاومة لا تزال رغم مرور مدة طويلة قادرة على القتال بنفس الوتيرة وتستخدم أسلحة جديدة ومتطورة في كل جولة من جولات القتال، فهذا المخزون الاستراتيجي من الأسلحة أثار الحيرة والشك في عقول كبار صناع القرار في الكيان المحتل عن الطريقة التي استطاعت بها الحركة إدخال كل هذه الأسلحة والمعدات الحربية التي تستوردها من دول ككوريا الشمالية وإيران والصين وروسيا بطرق مباشرة أو عن طريق وسطاء لغزة، لذلك فإن الجيش الاسرائيلي المجرم قد وصل لقناعة بأن عليه احتلال الجزء الجنوبي من القطاع، وبسط نفوذه هيمنته عليه من أجل أن يتمكن من قطع خطوط تموين فصائل الجيش الفلسطيني في غزة بالأسلحة، وذلك بضوء أخضر أمريكي، لذلك فإن واشنطن تريد الضغط على القاهرة من أجل القبول بالمقترح الاسرائيلي القاضي بحسب قواتها من محور فيلاديلفيا لمسافة معينة، والسماح للقوات الإسرائيلية بالعمل العسكري هناك، وتركيب أسلاك ومعدات تجسسية ذات تكنولوجيا متطورة كتلك المتواجدة بالقرب من مستوطنات غلاف غزة على الحدود المصرية من أجل مراقبة حركة تهريب الأسلحة حسب زعمهم، والتحكم في كل مداخل ومعابر قطاع غزة ومراقبتها بما في ذلك معبر رفح الرابط بين الحدود المصرية والغزاوية، وهذا ما ترفضه القاهرة بشدّة وتعتبره بمثابة اعلان حرب عليها، وزيارة وفد الكونغرس الأمريكي الذي حط رحاله في مصر مؤخراً والذي ضمّ أرمادة من كبار أعضاء الكونغرس الأمريكي المؤيدين للكيان الصهيوني تصب في هذا الاطار، حيث أكدت القاهرة خلال هذه الزيارة رفضها التام لتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الفلسطينيين من أراضيهم إلى داخل سيناء المصرية. كما ذكر موقع قناة العربية، بتاريخ 3 جانفي/ يناير 2024م، في مقال بعنوان (السيسي لوفد من الكونغرس: الأولوية الآن هي وقف اطلاق النار في غزة).
فرغم أن الجيش الاسرائيلي مهزوم وفق معطيات الميدان في غزة وتكبد خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، إلاّ أن قادة هذا الكيان المجرم يريدون فرض أمر واقع على فصائل الجيش الفلسطيني في القطاع، وذلك عن طريق الاستعانة بالمجتمع الدولي ووضع سكانه أمام الأمر الواقع ، إذ بدأت المفاوضات الإسرائيلية مع عدد من الدول الغربية والأفريقية وحتى العربية من أجل لإيجاد حل نهائي ودائم لما تسميه إسرائيل بمعضلة قطاع غزة، وذلك من خلال تهجير أكبر عدد منهم لهذه الدول مع اعطاء أي فلسطيني بقبل أن يغادر قطاع غزة مبلغ 7 آلاف دولار، ومنحه جنسية تلك الدولة والتكفل به مادياً ومعنوياً، واستعانت بمهندس الحرب الدموية على العراق الشقيق السفاح توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ليكون وسيطاً بينها وبين الدول الأوروبية لإقناعهم بقبول هجرة الغزاويين إليهم. كما ذكرت القناة 12 العبرية التي ذكرت بأن زيارة بلير إلى الكيان الصهيوني كانت سرية، حيث عقد سلسلة من الاجتماعات الغير معلنة مع رئيس الوزراء الصهيوني بن يامين نتنياهو والوزير في مجلس الحرب المصغر بني غانتس لمناقشة ذلك. كما ذكر موقع القدس العربي، بتاريخ 31ديسمبر/ كانون الأول 2023م، في مقتل بعنوان (إسرائيل تستعين ببلير لإقناعها باستقبال لاجئين من غزة).
فالحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي تريد تهجير سكان غزة بأية طريقة كانت تعمل بموازاة ذلك على الاستعانة بواشنطن لإقناع دول عدة تعتبر لمثابة حليف لحركة حماس كتركيا على القبول بمقترح وزير الخارجية الأمريكي انطوني بلينكن بضرورة مشاركة تركيا عسكرياً في حفظ الأمن والاستقرار في قطاع غزة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منه،
وضمان أمن إسرائيل ومنع الفصائل الفلسطينية من اطلاق الصواريخ على المستوطنات الصهيونية، وكذلك الإشراف على عمليات اعمار القطاع، وتكون بالتالي أنقرة هي ممثل حلف الناتو في غزة عسكرياً والتي ستحل محل القوات الدولية المشتركة التي من المفترض أن تدير القطاع سياسياً وأمنياً وعسكرياً بعد إزاحة حركة حماس من حكم القطاع طبعاً بالتنسيق الكامل مع سلطة محمود عباس الداعم الرئيسي للمقترح الإسرائيلي، وهو الذي يحّمل حركة حماس ما وصلت إليه الأوضاع في قطاع غزة المحاصر على كافة الأصعدة والمستويات.
ولكن يبدو أن الرئيس التركي لن يتورط في مخطط صهيوأمريكي ستكون له تداعيات سلبية على صورته في العالمين العربي والإسلامي باعتباره أحد الزعماء القلائل في الشرق الأوسط المدافعين عن فصائل الجيش الفلسطيني في غزة، وعلى رأسهم حركة حماس التي تربطها علاقات شراكة استراتيجية مع أنقرة، وهو الذي تورط عن طريق العديد من الشركات التركية طبعاً بصفة غير مباشرة في توريد معدات ومستلزمات طبيبة وغذائية للجيش الإسرائيلي، وهذا ما أشارت إليه العديد من الصحف الغربية والعربية وحتى التركية المعارضة، وهو الذي لم يقدم شيئاً ملموساً حتى السّاعة لقطاع غزة، فأنقرة على الصعيد السّياسي والدبلوماسي لم تقم بتجميد علاقاتها مع الكيان الصهيوني كما فعلت مع العديد من الدول في أمريكا الجنوبية، وذلك احتجاجاً على الجرائم الصهيونية المرتكبة ضدّ الأبرياء العزل في غزة.
فتركيا التي تعد جزءً من المنظومة الأطلسية تعرف بأن مجرد التفكير في دخول غزة هو انتحار سياسي وعسكري وأخلاقي سيؤجج مشاعر الحقد والكراهية لدى الشعب التركي ضدّ حكومة أردوغان مما سيؤدي لإسقاطها، وهذا سيصب في صالح المعارضة العلمانية الداعمة للتوجهات القومية المتحالفة مع الغرب، بالإضافة لخسارة تركيا لمكانتها الإقليمية والدولية في المنطقة كداعم أساسي لحركة حماس وباقي فصائل المقاومة كما يروج لذلك الاعلام التركي والحركات والأحزاب السّياسية والدينية المتحالفة مع أنقرة.
- كاتب جزائري.
2024-01-10
